بين الأحمر والكاكي والأسود... ألوان حكمت العراق وحقباته السياسية

الخميس 3 ديسمبر 202004:16 م

يستذكر العراقي، المُلم بتاريخ بلاده، الحقبات السياسية المختلفة التي حكمت البلاد على هيئة ألوان حملت دلالات واضحة على طبيعة كل مرحلة، من بينها ثلاثة ألوانٍ صارت حِكراً على توجهات سياسية معينة، وعلامة دالة عليها.   

تحضر الحقبة الملكية (1921- 1958) وشخوصها وأحداثها المهمة، بهيئة صور رمادية، أو بالأسود والأبيض، أو البني. بقيت هذه الألوان مهيمنة على صورة تلك الحقبة، لسببٍ بسيط تقف وراءه الكاميرات البدائية، ولم تفلح محاولات إحيائها، عبر مجموعات معنية تتغنى بمآثر تلك المرحلة، وتحاول ضخّ الحياة في "مآثر" أصحابها من خلال تلوين صورهم.

لكن الألوان تأخذ بعداً أوضح، وأكثر رسوخاً في الذاكرة، عبر هيمنتها على الفضاء العام، بتوظيفها سياسياً، لخدمة أيديولوجيا حكمت العراق في فترة من تاريخه المعاصر، وما زالت تأثيراتها شاخصة حتى اليوم.

فترة الأحمر الثوري 

في الوقت الذي تعاملت فيه حكومات المرحلة الملكية بـ"مكارثية" مع الشيوعيين، حيث طاردت واعتقلت المئات، وأعدمت العشرات، كان اللون الأحمر يختمر، والحس الثوري يتغلغل في الشارع، حتى حانت ساعة الحسم في انقلاب 14 تموز/ يوليو عام 1958 الذي دشن الحقبة الجمهورية من تاريخ العراق، بالدم والعنف، بدأه بقتل أفراد العائلة الحاكمة، وسحل جثتي الوصي على العرش آنذاك عبد الإله، ورئيس الوزراء نوري السعيد، والتمثيل بهما. 

تغلغلت حاشية عبد الكريم قاسم، زعيم الانقلاب، في مفاصل الدولة، ونشرت أعلام الحزب الشيوعي، ذات اللون الأحمر، في كل مناطق نفوذها، ونظمت عشرات التظاهرات المساندة لقرارات قاسم، والمناهضة لمعارضي الأخير، وأسست الصحف، ورفعت شعارات شيوعية في كل مكان، حتى في قاعات المحاكمة التي ترأسها فاضل عباس المهداوي، أبرزها هتاف "عاش زعيمي عبد الكريمي.. الحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي".

ولأن في العراق أيديولوجيات أخرى، لها مناطق نفوذها التي لا ينافسها عليها أحد، كان لا بد أن ينشب صراعٌ مع اللون الذي يفرض نفسه، تجلى ذلك في الصدامات التي حصلت بين القوميين والشيوعيين، لا سيما في محافظتي نينوى وكركوك (شمالي العراق) ففي أواخر اللقاءات بين العقيد الركن عبد الوهاب الشواف وقاسم، وكلاهما رفيقا الانقلاب، وعضوان في حركة الضباط الأحرار، حذر الشواف قاسم، قائلاً: "لماذا نترك النشاط الشيوعي يحاول صبغ العراق كله باللون الأحمر، ويسيء لمعنى القومية العربية"، كما ورد في كتاب "عبد الكريم قاسم، البداية والسقوط" لجمال مصطفى مردان.

تفاقمت الخلافات بعد ذلك، وصولاً إلى تنظيم انقلابٍ من نينوى قاده الضابط عبد الوهاب الشواف، باء بالفشل، وانتهى بمقتل قياداته واعتقال مئات القوميين. 

الحقبة الخاكية (الكاكية)

مكّن انقلاب عام 1958 الذي نظمه الضباط الأحرار العسكريين من تولي الحكم، لكن عدداً غير قليلٍ من الضباط، تعرض إلى الإقصاء، كنتيجة حتمية لهيمنة الشيوعيين، الأمر الذي أثار حنق كبار العسكريين. وبمساندة القوميين والبعثيين، انتهت الفترة الشيوعية، بعد أربعة سنوات، بانقلاب نظمه عبد السلام عارف، قُتل فيه قاسم بمحاكمة عسكرية صورية لم تتعدَّ الدقائق.

"بلد، لا يشبه أمثاله، فالسواتر خاكي، حليب الطفولة خاكي، حتى أنا صرت خاكي"... بعد الأسود والأبيض حَكَم الأحمر، ثم أتى الكاكي لتتحوّل الحياة إلى أشبه بثكنة عسكرية، وبعده الأسود الذي خيّم على المشهد. ألوان مختلفة طغت على حقبات العراق السياسية ولعبت دوراً مؤثراً فيها 

عبد السلام عارف، المعروف بزلاته الكثيرة، قال في إحدى خطبه التي يبشر فيها بـ"العهد الجديد"، قبل أن ينقلب عليه: "يا أهل العراق، إنها جمهورية إلهية خاكية (كاكية)"، حسب ما ورد في كتاب "ذكريات ولمحات من تاريخ العراق" لعبد الله الصراف. هذه المرة، لم تكن مجرد سقطة منه.


يتحدث معاصرون، والصور التي توثق تلك الحقبة، عن اختلاف لم تعتد عليه الحكومات السابقة، يتمثل بـ"زي الزعامة" الذي ارتداه قاسم بعد انتصار انقلابه، وهو رداء عسكري خاكي، صار جزءاً لا يتجزأ من صورته التي ورثها زعيم الانقلاب التالي (1963) عبد السلام عارف قبل أن يلقى حتفه بحادث طائرة. ورغم أن أخيه الذي تولى الحكم بعده، اتسم بطابع مدني في الحكم، لم ينجح بإمساك دفة الحكم لفترة طويلة، إذ تمكن البعثيون من تنظيم انقلاب أبيض أزاحه من الحكم، عام 1968، ليتسم حكمهم بطابعه البوليسي، المتشدد. 

تجلت الحقبة الخاكية، بكل وضوح، مع وصول صدام حسين، إلى سدة الحكم عام 1979، والذي مُنِحَ رتبة مهيب ركن، وهي أعلى رتبة في الجيش العراقي، كونه القائد العام للقوات المسلحة العراقية، حيث كان يحرص على ارتداء بذلته العسكرية الخاكية/ الزيتية، في كل مناسبة، لا سيما بعد أن أدخل البلاد إلى حرب دامت ثماني سنوات، حولت العراق إلى ثكنة للرجال والنساء، وطالت المدارس والمستشفيات، وحُشرت حتى في مناهج التعليم.

كلبٌ عالق في رأس الديكتاتور

أخذت الحياة آنذاك شكل ثكنات عسكرية، ومعسكرات تدريب، مخبرين وبوليس، ورجال أمن وجيش شعبي، علاوة على الجيش الرسمي، وفئة تضطهد وبقية الشعب يرتعد، حسب ما يوثق عباس خضر، في كتابه "الخاكية"، فيقول: "كان على بعض الأدباء ارتداء الملابس الخاكية (العسكرية) أو الزيتونية (البوليسية) والمشاركة في المهرجانات والمنتديات".

"إن ذا بلدٍ، لا يشابه أمثاله، فالسواتر خاكي، حليب الطفولة خاكي، وحتى أنا صرت خاكي"، يقتبس صاحب "الخاكية"، نص أحد شعراء تلك المهرجانات.

ولأن الخاكي، ليس مجرد لونٍ، وإنما نمط حياة، يضحي من أجله بعضهم، وينخرط فيه، ويذوب، ويُقمع بسببه آخرون، صوّر جانباً من ذلك الروائي العراقي مرتضى كزار، في روايته "طائفتي الجميلة"، بكلبٍ عالق ينبح، داخل رأس تمثالٍ نحاسي، مفصول عن الجسد، للرئيس الدكتاتور، واسمه "خاكي".

الأسود... استثمار لون الحزن 

منذ تولي البعث زمام الحكم، عمل على القضاء على "العدو الشيوعي". وعند انحسار صورة الأخير، تطلبت الحاجة صناعة لون جديد لعدوٍ جديد، تمثل بالمد الإسلامي السياسي، حيث ركز النظام أنظاره على المعارضة الشيعية، وعلى رأسها "حزب الدعوة". 

وبعد عام 2003، أُتيح للشيعة ممارسة طقوسهم التي طالما تحدوا السلطة، في سبيل تأديتها، حيث ارتدى الأعم الأغلب منهم ألوان الحداد، لا سيما في عاشوراء. وحرصت القيادات الشيعية وأحزابها على استثمار مادة الحزن على الحسين، في مشروعها السياسي، حيث دأبت وسياسيوها على الظهور بالثوب الأسود، وأداء خدمة الوافدين لأداء الزيارات، لا سيما المعروفة بالأربعينية. قام بذلك رؤساء، ووزراء، وأعضاء في مجلس النواب، ومسؤولون، وقادة ميليشيات. 

منذ تولي البعث زمام الحكم، عمل صدام للقضاء على "العدو الشيوعي". بعد ذلك، تطلبت الحاجة صناعة لون جديد لعدوٍ جديد، فركز أنظاره على المعارضة الشيعية و"اللون الأسود"... ألوان مختلفة بقيت شاهدة على حقبات مؤلمة عاشها العراق، ولعبت دوراً في ذاكرته الجمعية

ولم يقتصر حضور الأسود، على ذلك، فبرز لأول مرة بعد أكثر من نصف قرن أصحاب العمامة السوداء في العملية السياسية التي تدل على أن مرتديها ينتسب إلى أهل البيت، الأمر الذي يلقى تقديراً خاصة في الأوساط الشيعية.

وبعد عام 2003، ساهم عدد من المعممين الشيعة، بالعمامات السوداء والبيضاء، في كتابة الدستور العراقي الذي دخل حيز التنفيذ عام 2006، وتأسيس الحكومات التي تلت ذلك.   

بالتزامن مع الظروف التي أحاطت بتشكيل الدولة الديمقراطية الحديثة، تحت ظل "الاحتلال الأمريكي"، برزت جماعات شيعية مسلحة تصدت لمقاومة القوات الأمريكية من جهة، ثم تعدت هذه المهمة للدفاع عن أنصار المذهب من خطر الجماعات السنية المتطرفة المسلحة، ما تسبب بدخول البلاد بحرب طائفية بلغت أشدها بين عامي 2006 و2007.

وكان أبرز الجماعات المسلحة الشيعية، جماعة "جيش المهدي"، التابعة للزعيم الديني مقتدى الصدر، والتي ميّز عناصرها أنفسهم آنذاك بردائهم الأسود، وتوشحهم أحياناً بالكفن الأبيض.

بعد تجميد الجماعة بأمر الصدر، انسلخت عشرات الجماعات المسلحة الشيعية، وتمكنت من استقلالها، فتصدت لمهام مختلفة، وطغى على حضور عناصرها العلني اللون الأسود، مع مراعاة خصوصية الجماعة.

مع تأسيس الحشد الشعبي عام 2014، بزيه الزيتوني العسكري، حصلت خلافات بين قيادات من الحشد وجهاز مكافحة الإرهاب، سببها سعي الأولى لأن يكون زي الحشد باللون الأسود، وهو اللون المخصص لأقوى قوة خاصة ضاربة في العراق، وهو جهاز مكافحة الإرهاب، لينتهي الخلاف بأن يقتصر اللون على "القوة الخاصة" في الحشد الشعبي المسماة بـ"أمن الحشد". 

تشرين ولون المرحلة المقبلة

في ذروة تغلغل "اللون الأسود" في مفاصل الدولة وإدارة دفة الحكم، اندلعت تظاهرات تشرين الأول/ أكتوبر، رافضة لهيمنة الجماعات المسلحة، ومطالبة بإجراء إصلاحات وزارية ودستورية، وإنقاذ البلاد من الانزلاق نحو الهاوية، بفعل السياسات المتبعة منذ سنوات. 

لم تتمتع احتجاجات تشرين، بلون أيديولوجي، يشبه الألوان السابقة، لكنها كانت واضحة برفض كل ما سبق، مُحمّلة إياه مسؤولية تردي الوضع الحالي. وبعد أن انتهت الاحتجاجات التي اندلعت في 8 محافظات وسطى وجنوبية، بمقتل أكثر من 600 متظاهر، وإصابة الآلاف، لا تزال التكهنات ضبابية بشأن تحديد اللون الذي يحكم البلاد في المرحلة المقبلة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard