شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
إيميلي بوسكان... صانعة التاريخ التي نسيتها الجزائر

إيميلي بوسكان... صانعة التاريخ التي نسيتها الجزائر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

السبت 4 مارس 202301:21 م
Read in English:

Émilie Busquant, the forgotten woman who made Algerian history

مثل سائر مواطني مختلف الأوطان، يفخر الجزائريون بعلَمهم، ويرونه رمزاً للوطن. لكن قلةً منهم تعلم من هي إيميلي بوسكان، مصممة العلَم الجزائري، التي أُغفل اسمها عمداً من المناهج الدراسية، وتجاهلتها الرواية الرسمية الجزائرية تماماً.


من هي إيميلي بوسكان؟

في روايته "المعطرة"، التي أصدرها عن إيميلي بوسكان، يصف الروائي الجزائري محمد بن شيكو، قصة حياة هذه المرأة بأنها قصة حب لا قصة نضال، فالعشق الذي ربطها بالمناضل الجزائري مصالي الحاج، كان محرّكا لا ريب فيه للأحداث.

إيميلي هي ابنة عامل مناجم ونقابي، وُلدت في مطلع عام 1902، في ضاحية لورين (شمال شرق فرنسا)، ونشأت في بيت لا تغيب عنه السياسة، فوالدها عامل المناجم البسيط كان نقابياً بامتياز ومهموماً بالشأن العام.

في شتاء 1923، التقت الشابة إيميلي العاملة في قسم 'العطور والمواد النسائية'، في محالّ بريوني، أحد أقدم متاجر العطور في باريس، بالشاب الجزائري مصالي الحاج الذي كان يعمل حينها في أحد مصانع باريس.

ومنذ تلك اللحظة، سينسج القدر خيوط حياة هذه الشابة الفرنسية ذات الـ22 ربيعاً مع شاب من تلمسان (غرب الجزائر)، سيكون له دور حيوي في ميلاد الدولة الجزائرية.

يقول مصالي الحاج، في مذكراته، واصفاً إيميلي: 'وُلدت في منطقة محمومة من فرنسا، ثورية ووطنية في نفس الوقت وتشاركت مع أعضاء عائلتها مصير طبقة بروليتاريا مستغلة وتعاني من الإذلال".

تزوّج مصالي وإيميلي التي رافقته إلى بلده تلمسان، في خريف 1925، حيث تعلمت هناك اللغة العربية و​​أنجبا طفليهما علي وجنينة.

وسرعان ما اندمجت إيميلي في عالم زوجها، وانخرطت في نشاطه السياسي، الذي ارتفعت وتيرته بعد أن شارك في تأسيس أول حركة قومية سياسية تطالب باستقلال الجزائر، عُرفت باسم "نجم شمال إفريقيا"، ولم تكن إيميلي هنا مجرد متعاطفة أو متضامنة معها فحسب، بل كانت فاعلةً مهمةً في نشاطاتها، بحيث كتبت إيميلي، رسائل الحركة الموجهة إلى عصبة الأمم في كانون الثاني/ يناير 1930، للفت انتباهها إلى المسألة الجزائرية، فضلاً عن مشاركتها في العديد من المظاهرات، سواء في الجزائر أو في فرنسا.

برغم أنها صنعت علَم الجزائر الذي أشعل الثورة، ماتت وحيدةً ومنسيةً ولم يذكرها المؤرخون

قصة العلم الجزائري

يختلف المؤرخون في ما إذا كانت إيميلي بوسكان هي من خاطت العلم الجزائري، أو لا.

طرح رصيف22، هذا السؤال على أستاذ التاريخ الجزائري حكيم مسعودي، فأجاب: قضية تصميم العلم الجزائري ليست محسومة المصدر، فهناك تضارب في الشهادات والمؤرخون لم يولوا أهميةً لجزئيات القضية وإن حاولت بعض الكتابات التاريخية عرض ما تم التوصل إليه من مادة تاريخية وشهادات، ومن أبرزهم المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا، الذي أكد أن من إيميلي بوسكان هي من قامت بخياطة العلم الجزائري بعد الاتفاق على تصميمه في المكتب السياسي للنجم، لتقوم هي بتشكيل الرسم على القماش الذي اشتراه زوجها لذلك الهدف خصيصاً.

وتعضد شهادة مصالي الحاج، في مذكراته، تلك السردية إذ يقول: "أخبرتنا زوجتي بأنها قد خاطت علماً في أثناء وجودها في تلمسان وأنها أخفته، كان المشكل في كيفية إيصال هذا العلم إلى الجزائر في الوقت المناسب، فتكلمنا في الهاتف إلى تلمسان يوم 12 تموز/ يوليو، وطلبنا من أصدقائنا أن يبذلوا كل ما في وسعهم لإيصاله إلينا". ويضيف مصالي: "بعد انتظار طويل، وصل إلينا يوم 13 تموز/ يوليو في العشية. لا يسعني أن أصف كيف كانت فرحتنا يومذاك".

أما عن ظهور العلم الجزائري إلى العلن لأول مرة، فكان يوم 5 آب/ أغسطس 1934، ويقول مصالي الحاج: "أكثر من ثمانمئة جزائري حضروا الجمعية العامة للمنظمة، وكان الاجتماع يكتسي أهميةً كبرى لأنه وللمرة الأولى قدّم العلم الجزائري أخضر وأبيض وفي وسطه هلال ونجمة بالأحمر، وقوبل بحماسة بالغة فلم يتوقف الحشد عن الغناء والتصفيق، وتعالت هتافات: تحيا الجزائر... يحيا الاستقلال، لتهز أرجاء القاعة".

سيظهر هذا العلم مجدداً في مظاهرات عدة، في الجزائر وفرنسا، لكن ظهوره الأكثر رمزيةً كان حينما رفعه المتظاهر الشاب محمد بوراس، في مدينة سطيف (شرق الجزائر)، في 8 أيار/ مايو 1945، في مظاهرات شعبية شملت العديد من المدن الجزائرية للمطالبة بالاستقلال بعد أن دعم الجزائريون فرنسا في الحرب العالمية الثانية ضد النازية، وتلك المظاهرات تحولت إلى مجزرة أشعلت فتيل ثورة التحرير المطالبة باستقلال الجزائر.

نهاية حزينة

واصلت بوسكان مسيرة الكفاح مع زوجها حتى الرمق الأخير من حياتها، واستمرت في مراسلة زوجها طوال فترة سجنه وعزله في الإقامة الجبرية، إلى أن توفيت وحيدةً تقريباً في تشرين الأول/ أكتوبر 1953، قبل عام من اندلاع الثورة الجزائرية، بعد إصابتها بمرض عضال.

قبل سنة من وفاتها، كتبت إلى مصالي الحاج، الذي تم وضعه قيد الإقامة الجبرية في "نيور" في فرنسا هذه الكلمات: "يا إلهي، لماذا أنا عجوزة مريضة هكذا؟ أتمنى لو كان في وسعي أن أنهض لأسمع صرخات أمّة لا تريد أن تموت ولن تموت، يا للعار. الشعب الفرنسي الآن بات يعرف ما يحدث، ربما سيفعلون ما هو أكبر من التضامن، لكن العار سيطارد فرنسا. فالتاريخ لن ينسى مثل هذه الحقائق أبداً، لا أريد أن أموت قبل أن أرى استقلال الجزائر. هو أمر لا مفر منه".

كيف تحول المناضل مصالي صالح من بطل الى سجين؟

لماذا تجاهلت الجزائر إيميلي بوسكان؟

على الرغم من الدور المهم الذي لعبته بوسكان في التاريخ الجزائري، إلا أن ذكرها يكاد يكون منسياً في المناهج الدراسية للتاريخ أو الكتابات التاريخية والشخصيات والتواريخ وعناوين الندوات الرسمية التي تتناول نضال الشعب الجزائري في أثناء الفترة الاستعمارية. في حديثه إلى رصيف22، يعزو أستاذ التاريخ حكيم مسعودي، السبب إلى ضخامة شخصية مصالي الحاج، التي قد تكون غطّت على ذكر زوجته، التي بقيت دائماً في ظله، شأنها شأن الكثير من الشخصيات البارزة التي بقيت وفيةً لمصالي في حزب الشعب، ولم تنضمّ إلى الثورة التحريرية التي قادتها جبهة التحرير الوطني.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن اسم مصالي الحاج نفسه كان محظوراً في الجزائر، جراء مواقفه المستقلة عن إدارة الثورة التحريرية، إلى أن ردّ إليه اعتباره الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

وكان مصالي الحاج قد رفض الانضمام إلى الشباب الذين أشعلوا ثورة 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، ضد فرنسا، وكانوا في معظمهم ينشطون في وقت سابق داخل التنظيمات السياسية والمسلحة التي أنشأها، وانتهى الأمر إلى الاقتتال بين المنتمين إلى جبهة التحرير الوطني والمناضلين الذين ظلّوا أوفياء لتوجيهات مصالي الحاج الرافضة خوض الثورة المسلحة.

وبعد الاستقلال، بقي الجفاء متأصلاً بين الساسة الذين حكموا الجزائر، وكلهم ينتمون إلى جبهة التحرير الوطني، وأفراد حزب الشعب، أو "المصاليين" كما يتم وصفهم، ولم تمنح السلطات الجزائرية الجنسية الجزائرية لمصالي الحاج إلا سنة 1965، في حين توفي بعيداً عن وطنه، في فرنسا في السبعينيات.

لا يمكن الجزم في ما إذا كان حضور مصالي هو الذي طغى على اسم إيميلي، أم أن إخفاء دورها التاريخي أتى عقاباً لزوجها، لكن المؤكد أن التأريخ في الجزائر لم ينل حقه من البحث والدراسة حتى الآن.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard