شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
خيمة حزن سورية بحجم كوكب... حين يتحوّل العزاء إلى وسيلة للبقاء

خيمة حزن سورية بحجم كوكب... حين يتحوّل العزاء إلى وسيلة للبقاء

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ضرب زلزال بلغت شدّته 7.5 درجات على مقياس ريختر، مدناً في جنوب تركيا وشمال سوريا ومدنها الساحلية، في 6 شباط/ فبراير الماضي، وأوقع آلاف القتلى والجرحى في البلدين، ليكمل مسلسل "طرق الموت"، الذي يعيش السوريون أجزاءه منذ عام 2011.

بلغ عدد ضحايا الزلزال في عموم المناطق السورية، سواء الخاضعة لسيطرة النظام أو المعارضة، خمسة آلاف و914 شخصاً، ليشكّل جرحاً جديداً وكارثةً تُضاف إلى الكوارث المستمرة منذ سنوات.

توازياً، قرر سوريون يقيمون في دول محيطة بسوريا أو في دول أوروبية، تلقّي العزاء بأهلهم، فأقاموا خياماً وفتحوا صالات لهذا الغرض، وتحديداً في تركيا وفرنسا وبريطانيا، وفي الأخيرة، حضر ملك البلاد تشارلز الثالث، معزّياً.

بقدر ما يبدو العزاء رمزياً، إلا أنه في المقابل قد يحمل رسائل عميقةً يرسلها السوريون في الشتات إلى أهلهم في الداخل، بعد كارثة هي الوحيدة التي نجحت إلى حد ما في لمّ شمل السوريين، ولو لأيام معدودة، قبل العودة إلى فرقتهم وخلافاتهم السياسية والإنسانية أيضاً.

بلغ عدد ضحايا الزلزال في عموم المناطق السورية، سواء الخاضعة لسيطرة النظام أو المعارضة، خمسة آلاف و914 شخصاً

خيم لوقفات رمزية

"نريد أن نعطي بعداً رمزياً بأن السوريين المنكوبين في جميع المناطق السورية ليسوا وحدهم، بمعنى أن هناك سوريين في الشتات يشعرون بآلامهم وبالتقصير الدولي الحادّ تجاههم"، كانت هذه إحدى الأسباب التي دفعت سوريين في العاصمة الفرنسية باريس، إلى إقامة خيمة لتلقّي العزاء بضحايا الزلزال، بحسب ما قاله المحامي السوري زيد العظم، لرصيف22، مشيراً إلى أنها نتاج "جهود جماعية عبر التواصل بين السوريين ومن دون أحزاب ولا تنظيمات، لأن كارثةً بهذا الحجم تدفع الإنسان إلى التواصل مع الجميع".

يرى العظم أن جهود الجاليات يجب أن تتركز في الوقت الحالي على مسارين أساسيين؛ "الأول هو المسار المادي والإغاثي، والثاني هو المسار النفسي، لذا نحاول إعطاء بُعدٍ نفسي في هذا المصاب، خاصةً أن العزاء يأتي دائماً لمواساة المكلوم والمنكوب، لذا حاولنا توجيه رسالة إلى كل السوريين وتحديداً إلى السوريين في شمال غرب سوريا، وهي المنطقة المهملة بشكل كامل من المجتمع الدولي والدول المانحة".

كما نفى العظم، وجود أي تدخّل حكومي فرنسي، باستثناء تسهيلات منح التراخيص اللازمة بشكل فوري، وفي مدة لا تتجاوز يومين.

وكانت العاصمة البريطانية لندن، قد شهدت في 15 شباط/ فبراير الماضي، حضور الملك تشارلز الثالث لتقديم العزاء بضحايا الزلزال في خيمة أقامتها الجالية السورية في المملكة المتحدة، كما حضر وزير الخارجية جيمس كليفري، وعمدة لندن صادق خان.

وبالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا، أقام سوريون في مدينة إسطنبول التركية مجلس عزاء بحضور شعبي سوري، وصحافيين أتراك، وشخصيات سياسية معارضة سورية، على رأسها رئيس الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية، سالم المسلط، وأعضاء آخرين.

ويقول رئيس المكتب الإعلامي لمجلس "تجار عرب" في تركيا، محمد فراس المنصور، لرصيف22، إن "الهدف من المجلس، بالإضافة إلى التعزية بضحايا الزلزال، يأتي لزيادة التواصل بين المؤسسات المختلفة لتكون يداً واحدةً في التعاون والإنقاذ وتعزيز هذا المجال، خاصةً بعد توحيد عدد من المؤسسات والجمعيات جهودها في جنوب تركيا وشمال سوريا".

ويضيف: "نحن مكلومون. السوريون جرّبوا كل أنواع الموت من القصف إلى الكيماوي، وصولاً إلى الزلزال وهي فرصة لزيادة جرعة الصبر والتماسك والتآلف"، مشيراً إلى أن العزاء "يمثّل فرصةً لزيادة التواصل بين الجاليات العربية، وكذلك مع شخصيات متعددة من المجتمع التركي".

ما بين الأديان

لا يُعدّ العزاء فعلاً دينياً أو حداثوياً فقط، برغم أن تفسير كلمات العزاء في اللغة العربية تحمل خلفيةً دينيةً، فبحسب معجم المعاني الجامع، كلمة "عزاء" تعني المواساة، من مصدر "عزِيَ" وجملة "أحسن الله عزاءك"، تعني "رزقك الصبر الحسن"، و"الصبر على المصاب".

روى ابن ماجه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه عن النبي، أنه قال: ما من مؤمن يعزّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة

وتعود طقوس العزاء إلى ما قبل الديانتين المسيحية والإسلامية، وبعض العادات المقتبسة من الفراعنة ما تزال مستمرةً إلى اليوم، وكانت تُقام بعد انتهاء مراسم الوفاة والدفن، مراسم عزاء أخرى للمتوفى بعد مرور 40 يوماً على وفاته، وهو ما يُعرف اليوم بـ"أربعين المتوفى".

وتشير المسيحية إلى العلاقة مع الموت في آيات عدة في الإنجيل، تحمل عبارات تعزية تتعلق بالراحة التي يلقاها الراحلون، مثل "هذِهِ هِيَ رَاحَتِي إِلَى الأَبَدِ. ههُنَا أَسْكُنُ لأَنِّي اشْتَهَيْتُهَا"، من سفر المزامير 132:14، و"لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً"، من رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 1:23.

كما يُقام "جُنّاز" لراحة نفس الميت وطلب غفران جميع خطاياه، ويتألف من ثلاث جنازات، في الثالث والتاسع والأربعين.

في حين نجد أحكاماً في الديانة الإسلامية بتعزية أهل المتوفى، والوقوف إلى جانبهم كونه "أمراً مستحبّاً"، وفق فتاوى الشيخ ابن باز، حتى لو كان الراحل من أهل "المعاصي"، برغم أن "إقامة مراسم عزاء ليست أمراً مطابقاً لسنّة النبي محمد"، بحسب الفتاوى.

فيما يرى موقع "إسلام ويب"، أحد أكبر المواقع الإسلامية التي تقدّم الفتاوى، بأن "التعزية ليست من الواجبات لكنها من المستحبّات"، وذلك بالإشارة إلى حديث النبي محمد، "روى ابن ماجه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ما من مؤمن يعزّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله سبحانه من حلل الكرامة يوم القيامة".

من منظور فلسفي

وبقدر ما يمتلك العزاء في الديانات من مساحة وجدال، نجد مساحةً أخرى له في الفلسفة نفسها، خاصةً مع الإشارة إلى أن العزاء فعل إنساني منذ ما قبل الديانتين الإسلامية والمسيحية.

تشير المسيحية إلى العلاقة مع الموت في آيات عدة في الإنجيل، تحمل عبارات تعزية تتعلق بالراحة التي يلقاها الراحلون

وبقدر ما يرتبط العزاء بالديانات، كذلك يرتبط الأمر بالفلسفة الإنسانية أيضاً، إذ يذكر الكاتب سعيد ناشيد، في كتابه "الوجود والعزاء"، أن العزاء يمثّل مفهوماً فلسفياً تشكّل بادئ الأمر في عصر الفلسفة الرومانية، قبل أن يتعرض للنسيان خلال قرون طويلة، ضمن ما يمكن أن نصطلح على تسميته باسم نسيان العيش".

ويضيف: "برغم استعمال الخطاب الديني المسيحي لكلمة العزاء، والتي تتكرر في عدد من الأدعية والصلوات، إلا أن مفهوم العزاء من حيث مبناه ومعناه، ليس مفهوماً دينياً، كما لم ينجح في التحول إلى مفهوم ديني. لماذا؟ بكل بساطة لأن غاية العزاء دفع الأحزان عن الإنسان، غير أن اللجوء إلى ربط الإنسان بوعد مستقبلي عظيم، لن يزيده إلا حزناً وشقاء، ذلك أن انتظار الخلاص، انتظار الفرج، وانتظار البشرى، من حيث هو انتظار، يوقع النفس في فخ التوتر والاضطراب، أما عندما يستغرق الانتظار العمر كله، فمعناه أن الحياة لن تكون سوى قطعة من الجحيم، وهذا أبعد ما يكون عن العيش الحكيم".

كذلك لا يرى ناشيد، أن العزاء "لا يمثّل في الثقافة الإسلامية تصوراً دينياً ولا هو حاضر ضمن الجهاز المفاهيمي للخطاب الديني".

الموت لا يوجع الموتى

تختلف الطرق التي يستخدمها الإنسان للتعامل مع فقدان الأشخاص، بحسب الخبرات الحياتية المكوّنة للشخص، وكذلك العادات والتقاليد وغيرها من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية الأخرى.

ويرى المتخصص في الصحة النفسية صلاح الدين لكه، في حديث إلى رصيف22، أن الناس "يتعاملون مع ردود أفعالهم إزاء خسارة الأحبّة بطرق مختلفة، ولكن من المهم للكثير من الناس أن يتم التحدث إليهم بشأن مشاعرهم التي يشعرون بها، بما فيها المشاعر الغامرة كالذنب والغضب، وذلك لمنع هذه المشاعر من التنامي والتحوّل إلى مشاعر لا يمكن تحمّلها، مع مراعاة ألا يتم الضغط على الفاقدين من قبل المحيطين بهم للحديث، وهو ما تتيحه طقوس العزاء وطقوس الدفن أو ما يُسمّى الحداد".

التواجد ضمن المجموع في لحظات الحزن والفقدان، عاملاً مساعداً على تجاوز أيام الحزن، وخيم العزاء الممتدة في بلدان الهجرة، وُجدت لذلك 

ويضيف: "الفكرة وراء طقوس الدفن والعزاء الجماعي التقليدي، هي إشعار الفاقدين بأنهم ليسوا وحيدين، وأن من حولهم من أقارب وجيران وأصدقاء يهتمون بهم، وبمشاعرهم، كما يُعدّ التواجد ضمن المجموع في لحظات الحزن والضعف والفقدان، عامل مساندة، وعاملاً مساعداً على تجاوز ساعات وأيام الحزن والحداد الأولى، بعد الفقدان والوفاة".

ولا يختلف الأمر كثيراً إن كان العزاء لأمر شخصي أو لكارثة وطنية، كما الزلزال الذي ضرب محافظات سورية عدة موقعاً أكثر من خمسة آلاف قتيل، إذ يعبّر العزاء والتجمعات التي تتم لدعم الفاقدين كذلك، "عن تكاتف أبناء البلد أو المنطقة مع بعضهم، ووقوف الجهات المجتمعية والدينية والإنسانية والرسمية والشعبية بجانب بعضها البعض، كما يعبّر عن قدرة هذا المجتمع على التعاون وتخفيف أثر الكارثة، خصوصاً عن المتضررين بشدة والفئات الفقيرة أو المهمشة اقتصادياً واجتماعياً"، بحسب لكه.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

ما زلنا في عين العاصفة، والمعركة في أوجها

كيف تقاس العدالة في المجتمعات؟ أبقدرة الأفراد على التعبير عن أنفسهم/ نّ، وعيش حياتهم/ نّ بحريّةٍ مطلقة، والتماس السلامة والأمن من طيف الأذى والعقاب المجحف؟

للأسف، أوضاع حقوق الإنسان اليوم لا تزال متردّيةً في منطقتنا، إذ تُكرّس على مزاج من يعتلي سدّة الحكم. إلّا أنّ الأمر متروك لنا لإحداث فارق، ومراكمة وعينا لحقوقنا.

Website by WhiteBeard