شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
هل جربتَ أن تحيا بقلب مُكفّن؟

هل جربتَ أن تحيا بقلب مُكفّن؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 24 فبراير 202312:03 م

هذا سردٌ مبعثرٌ كما الأيام التي نعبُرها، كحال السوريين الممزق بين أرض ابتلعتهم وسماء لفظتهم. خيطٌ واحد يعقد السرد، جغرافية الفقد والخوف. هذه أصواتٌ بعيدة نجت من الزلزال بأجساد حيّة وقلوب كفّنها الفزع، أكتب عنها لعلّها تصل ولعلّي أنجو من عجزي.

الابن

عندما كانت تنزل القذائف وتهرع العائلة مفزوعة إلى قبو البيت، يقول جاد لأمه: "كم أحسد الأموات يا أمي، فهم لا يشعرون بالخوف الذي نحسّه". يكبر خوفه مع مرور سنوات الحرب، ثم ينكمش مع زيادة وعيه وخفوت ضجيجها، أما الندوب فلن تختفي، بل ستحيا مجدداً وقت الزلزال، لكن المراهق المفعم بالحياة، العاشق لسوريته، سيتعامل مع اللحظة بقوة أكثر وسخرية تساعده على المواجهة.

بين هزتين أرضيتين يهرع جاد خارجاً، إلى الشارع وليس إلى القبو، يتأبط صورة والده المغترب وآلة العود، يبرّر لوالدته لاحقاً بأن العود فرد من العائلة وسيلقى نفس المصير. يحدثني في الأيام التالية بحسٍّ فكاهي لا يخلو من الحزن: "كل النوائب عبرت هنا، الحرب والقلّة والوباء وقسوة المناخ والطبيعة، بات لدينا ألف قصة وقصة لنرويها مستقبلاً لأولادنا وأحفادنا". يتناول عوده ويدندن كلمات محمود درويش:

هل جربتَ أن تحيا بقلب مُكفّن؟ هذه أصواتٌ بعيدة نجت من الزلزال بأجساد حيّة وقلوب كفّنها الفزع، أكتب عنها لعلّها تصل ولعلّي أنجو من عجزي

عينان تائهتان في الألوان

خضراوان قبل العشب

وهما هما، هما هما

في الليل مرآتان

للمجهول من قدري.

الأم

انتزعت حنين الثريا من سقف بيتها، لعلها تنسى صورتها وهي تهتز لحظة الزلزال ومعها يهتز كامل البيت، يفارقها النوم لأيام تالية، ثم ستغفو بعد أن ينهك جسدها المثقل بذاكرة الفقد والخوف، ولن يفارقها دوارٌ علِمت لاحقاً أنه "دوار الزلزال"، يصيب الناجين منه لوقت ليس بقليل. تجلس وتهزّ قدميها طوال الوقت لتفادي الشعور بالهزات الارتدادية التي تتبع الزلزال لأيام، محاولةٌ تنجح حيناً وتخفق في آخر.

لأكثر من عقد تكيّفت الجميلة الأربعينية مع جنون الحرب، مع الخوف من الغد، من السرقة، من الخطف، من أبواب جهنمية لن تُفتح في غير هذه البقعة. كان أمانُها روتينَ يومها وجدران بيتها التي سقط بعضها بعد أن منحتها إذناً بالهروب وبالكثير من الخوف. لكن لهذا الخوف طعماً يعطب الروح والذاكرة، طعماً أكثر مرارةً، يعلَق في الحلق والقلب ولا أمل قريب بالشفاء منه.

الجدة

"أقسم أن هذا الخوف سيلازمني فيما تبقى من حياتي، كذلك صوت الأرض وهي تطقطق تحتي، نعم تطقطق، لن أستطيع التحرّر منه. أن يهجم الموت هكذا مسرعاً في عمق أمنك وأمانك أمر لم أستوعبه، والغصّة الأشد، أن لا أحد معي ليشاركني ثقل هذه اللحظات، وحيدة، أناجي الله ألا تسقط فوقي الجدران أو تبتلعني الأرض... لا أريد أن أموت وحيدة".

بصوت يرتعش وأنفاس متسارعة تحكي الجدة أم عامر لحظات الهلع التي عاشتها، تترحم على من غابوا وترجو السلامة والصبر للمصابين والثكالى. السبعينية التي واجهت الحياة وضروبها المختلفة، شيّدت بيتاً من المثقفين والصلحاء، بصبرها وخيط إبرتها.

وها هي تمضي خريف عمرها وحيدة، بعدما فرغ البيت من ساكنيه، وكلٌّ طار لمُستقرِّه، تحاول التأقلم مع ما يعصف هذه البلاد من كوارث ومحن لا آخر لها. تتابع "منذ عقود ونحن نسمع أن منطقتنا تتهيأ لزلزال، وأن هذه السهول الجميلة والجبال الخَضِرة تخفي تحتها غطاءً لن يرحمنا يوماً، وقد كان".

سوف تصالحنا الحياة يوماً، وسوف نشرب أقداح الصُلح يوماً، سنشربها بأرواحنا المنهكة وجروحنا التي لن تندمل، بل ستبقى لتحكي النوائب التي مرت من هنا، ولازلنا هنا

الغريبة

من بلاد بعيدة أتابع ما يجري في وطنٍ غادرتُه منذ عقد ونيّف، بنصف قلبٍ وجسد، وما تبقى مني لا يزال هائماً هناك، بين شرفة بيتنا وقبر والدي وتوتة جدتي.

أعمل محررة، وتأتيني عواجل عن الزلزال في سوريا، أنفّذ عملي بأصابع اعتادت الحياد، وبقلب يملؤه الخوف والعجز، أغبط تلك المذيعة التركية التي كانت تقرأ خبراً عاجلاً عن الزلزال، بينما الأرض تتحرك تحتها دون أن تغيّر ملامح وجهها أو طريقة إلقائها.

من شاشتَي التلفاز والموبايل أشاهد المزيد من الأخبار، المزيد من المآسي والأرقام الصادمة للموتى والمفقودين، تلهمني قصة الأم التي خبأت أطفالها في الخزانة فنجَوا جميعاً، وأخرى اختبأت ووليدها في شرفة منزلها فسقطت بهما دون أذى لهما، وثالثة رمت بابنها ليتلقفه آخرون في الشارع بينما، لم يسعفها الوقت لتلحق به.

أرسم سيناريوهات في رأسي، ماذا كنت سأفعل خلال هذه اللحظات المتوَقَعة حيث أقيم؟ سأختبأ في الخزانة التي اعتاد طفلي أن يختبئ بها ويلعب "الغميضة"، أم ستحتوينا شرفتي الصغيرة، أم أن الوقت سيعيننا وننزل عبر سلّم العمارة اللولبي القادم من فيلم مصري قديم؟ يوقظني سعال ابني من خيالاتي، أقترب منه وأحتضنه فيهدأ السعال، وأحظى ببعض الأمان والنوم.

سوف تصالحنا الحياة يوماً، وسوف نشرب أقداح الصُلح يوماً، سنشربها بأرواحنا المنهكة وجروحنا التي لن تندمل، بل ستبقى لتحكي النوائب التي مرت من هنا، ولازلنا هنا، ولا زالت أم عامر تعد كعكة التين والجوز، وتحيك الصوف، وقربها صوت ناظم العزالي يغني: "خايف عليها تلفان بيها.. شام دقّة بالقلب.. لو تنباع كنت اشتريها".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard