شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
حين تصير السياسة في فلسطين ديناً بديلاً

حين تصير السياسة في فلسطين ديناً بديلاً

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحقوق الأساسية

الأربعاء 1 مارس 202311:35 ص

قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بشكلها الذي نراه، كان الاشتغال في السياسة في الساحة الفلسطينية، حكراً على فئة قليلة من الناس، هذه الفئة شكّلها إما التطور الطبيعي لمقاتلين داخل فصائلهم أو انخراط متعلمين في المؤسسات الإعلامية والفكرية التابعة لهذه الفصائل وللمنظمة.

هذا لا يعني أن الآراء أو الأقوال لم تكن موجودة، أو أن الصمت كان يلفّ بقية الشعب، بالعكس تماماً، فالقضية الفلسطينية وما عاناه الفلسطينيون عبر تاريخهم، جعل من كل فرد يملك مقولته الخاصة. الفارق هو أن هذه المقولة لم تكن تؤخذ على محمل الجد في صراع الرؤى بين التيارات السياسية.
كان لكل شخص موقف، وهذا هو الشيء الطبيعي في أية حالة مشابهة، والموقف ليس رؤية سياسية في كل الأحوال. ربما يدخل تحت بند الرغبات الشخصية، كأن تسمع شخصاً يقول إن إسرائيل ستنتهي وستزول خلال أقل من سنة، أو تحت بند الفتاوى، كأن يقول أحدهم: "لا يجوز فتح قنوات اتصال مع الجهة الفلانية"، أو تحت بند الهتاف على شاكلة "أمريكيا راس الحية" أو تحت بند الأدعية، كأن تقول جداتنا: "الله ينصر العرب".

الدين البديل أتاح لكل شخص أن يجمع الحسنات بناء على ما يقول لا بناء على ما يفعل، ولأن الحسنات يُذهبن السيئات، صار من غير المستغرب أن تكون أخلاق الناس متدنية وأفعالهم قبيحة، ما داموا قادرين على تعويض ذلك بدعاء أو قول أو تكرار لكلمة معينة

لم يكن هذا الكلام يحدّد منسوب الوطنية عند قائله، والأهم من ذلك: لم يكن يُعرّف ككلام سياسي، ولا يعطي لصاحبه أية أهمية زائدة عن أولئك الصامتين. كان المعيار الحقيقي للوطنية هو العمل على الأرض، وكان المعيار الأساس للفهم السياسي هو طرح الرؤى وصراعات هذه الرؤى بين النخب السياسية في المكاتب والمؤسسات.
هل أصاب السياسة ما أصاب التدين في أوقات سابقة؟ لقد بُني الدين على ركائز أهمها العمل الصالح والقيام بشعائر معينة تميز المؤمنين المنتمين لدين عن أولئك المنتمين لدين آخر. الأوامر والنواهي التي تشكل منظومة الانتماء لدين معين في مجملها تتعلق بالعمل وليس بالقول: افعل كذا ولا تفعل كذا. في الكتب المقدسة الكثير من النصوص التي تتعلق بالفعل والحثّ عليه، والقليل من المطالبة بالكلام أو باستخدام جمل معينة أثناء الحديث، والنهي عن استخدام أخرى، لكن ما نراه هو العكس تماماً، أو هو ما أطلق عليه علاء الأسواني منذ سنوات مصطلح "الدين البديل".

هذا الدين لا يطلب منك ولا يشترط عليك، لكي تكون عضواً في الجماعة، أن تؤدي زكاتك كما يجب، أو أن تأوي المحتاج، أو أن تنظف الشارع أمام بيتك. إن طقوسه أسهل من ذلك بكثير، وتتعلق بالشكل أولاً، كأن تطلق لحيتك أو أن ترتدي الحجاب، ثم بالكلام ثانياً، والكلام سهل وخياراته واسعة لا حدود لها. من قال "سبحان الله وبحمده" عشر مرات، رزقه الله نخلة في الجنة، ومن قال "استغفر الله العظيم وأتوب إليه"، غفر له ما ارتكب من ذنوب خلال الخمسة أيام السابقة... وهكذا.

لقد صار سعر المفكر الفلسطيني أو المناضل صاحب التاريخ، بسعر "عبق الحروف" ما دامت هي الأخرى تملك رأياً يحوز على مباركة وإعجاب أصدقائها.

لقد انتشرت في سنوات سابقة موضة الستكرات الملصقة داخل المصاعد وعلى أبواب المحلات التجارية وعلى زجاج السيارات، والتي تحثّ الناس على أن يقولوا كذا، وأن يفتتحوا نهارهم بقول جملة معينة، وأن يختموه بدعاء معين، وكان من النادر جداً، إن لم يكن من المستحيل، أن تتعثر بملصق يطلب منك أن لا ترمي نفاياتك من نافذة السيارة مثلاً، أو أن تكون لطيفاً مع جارك.

هذا الدين البديل أتاح لكل شخص أن يضيف ما يشاء من كلام، وأن يجمع الحسنات بناء على ما يقول لا بناء على ما يفعل، ولأن الحسنات يُذهبن السيئات، صار من غير المستغرب أن تكون أخلاق الناس متدنية وأفعالهم قبيحة، ما داموا قادرين على تعويض ذلك بدعاء أو قول أو تكرار لكلمة معينة.
لقد حصل نفس الشيء مع السياسة في السنوات الأخيرة، فحرب التصريحات المحتدمة على فيسبوك وتويتر، يغذيها أناس، في غالبيتهم، لم يشاركوا لا في العمل النضالي ولا في العمل الفكري السياسي. أناس استعاضوا عن العمل بالقول، من أجل هدف واحد هو إيجاد مكان لهم في الجماعة.
ولأن الجماعة مخيفة حين تتماسك، فقد انزوى أصحاب الرأي السديد أو من يحللون الأمور بلغة السياسة وأدوات السياسة، أو ضاعت آراؤهم وتحليلاتهم بين كم كبير من الكلام الذي لا يتعدّى كونه نوعاً من أنواع الفتوى. لقد صار سعر المفكر الفلسطيني أو المناضل صاحب التاريخ، بسعر "عبق الحروف" ما دامت هي الأخرى تملك رأياً يحوز على مباركة وإعجاب أصدقائها.

قد ندخل الجنة إن صح أن الاستغفار يمحو سيئات أيام سابقة ولاحقة، لكن لا أعتقد أننا سنحرّر فلسطين بالكلام المرسل، فالكلام لأجل الكلام لا يمحو السيئات الوطنية، ولا يضيف حسنات على السياسة

ما الذي أوصل السياسة لأن تُفرغ من محتواها وتصبح ديناً بديلاً؟ الكثير من العوامل، أهمها الإعلام الشعبوي القادم من منصات مدن الرمل والغاز. هذا الإعلام الذي خلق عبر سنوات من "الحتّ والتعرية" لغة ومفاهيم جديدة يقاس من خلالها منسوب الوطنية أو الفهم. ثاني العوامل هو اليأس، فخلال سنوات طويلة من النضال والتضحيات ما زالت آمال الفلسطيني تراوح مكانها. العامل الثالث هو خيبة الأمل من السلطة كممثل سياسي لهذه القضية، فبعد جيل من الثوار الحقيقيين الذين أوصلوا القضية إلى كل منبر في العالم، أفرزت السلطة بحكم بنيتها، جيلاً من الموظفين الذين يناضلون بطريقة لا تختلف عن نضال التصريحات الفيسبوكية.

العامل الآخر والذي لا يقل أهمية هو قوة عدونا، فنحن أمام عدو يمتلك ويتحكم بمنظومة كاملة وضخمة من الإعلام، يتخذ قراراته بناء على دراسات مفكريه ونخبه لا بالانسياق لشعبويات كل من امتلك منبراً للتصريح.

لقد جرنا المصرّحون إلى مكان غريب هو الاستهانة بهذا العدو، وهذه الاستهانة لم تأت عبر لغة سياسية، بل عبر لغة دينية قامت بها تحديداً فصائل الإسلام السياسي، فاللغة الدينية لغة حاسمة، غير مبنية على منطق الأشياء أو دراستها

لقد جرنا المصرّحون إلى مكان غريب هو الاستهانة بهذا العدو، وهذه الاستهانة لم تأت عبر لغة سياسية، بل عبر لغة دينية قامت بها تحديداً فصائل الإسلام السياسي، فاللغة الدينية لغة حاسمة، غير مبنية على منطق الأشياء أو دراستها. فحين يقرّر لك الشيخ أن إسرائيل زائلة بقضاء الله لا بقدراتك، وأنك أداة لهذا القضاء لا أكثر، فهذا يعفيك من التفكير ووضع الخطط، والأهم من ذلك، فإن هذا يجعل من كل من يخالفك الرأي في خانة الأعداء لا الحلفاء. إذن سيطرة اللغة الدينية هي العامل الأخير المهم، وهذه اللغة تسربت شيئاً فشيئاً إلى فصائل اليسار الفلسطيني أيضاً، بحيث صار من غير المستغرب أن تجد يسارياً فلسطينياً سابقاً، يجلس في الصف الأول بين المصلين ويردّد خلف الشيخ، بعد كل دعاء على إسرائيل، كلمة آمين.
لا أحد يعلم، أو على الأقل لا أحد يمتلك تصوراً متفائلاً لما نحن قادمون عليه. كل المؤشرات تقول بانتهاء السياسة لصالح الشعار أو الخطبة، وبانتهاء العمل الجمعي لصالح الكلام الفردي، فهل نصير شعباً متحدثاً بطلاقة، دون النظر إلى فحوى وفائدة هذا الحديث؟

قد ندخل الجنة إن صح أن الاستغفار يمحو سيئات أيام سابقة ولاحقة، لكن لا أعتقد أننا سنحرّر فلسطين بالكلام المرسل، فالكلام لأجل الكلام لا يمحو السيئات الوطنية، ولا يضيف حسنات على السياسة.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard