شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
العدالة السورية في ألمانيا تخطو خطوتها الثالثة… المؤبد لـِ

العدالة السورية في ألمانيا تخطو خطوتها الثالثة… المؤبد لـِ"جزار اليرموك"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة نحن والمهاجرون العرب

الاثنين 27 فبراير 202304:41 م
Read in English:

Justice at last: Syria’s "Yarmouk Butcher" sentenced for life in Germany

عندما بدأت القاضية دليا نويمان ظهيرة يوم الخميس 23 شباط/فبراير، في العاصمة الألمانية برلين، قراءة حكم بالسجن المؤبد على المتهم موفق دواه، الملقب بجزار مخيم اليرموك في دمشق، بتهمة ارتكاب جرائم حرب، كسر دواه صمتاً لطالما حافظ عليه خلال جلسات المحاكمة التي بدأت في آب/أغسطس الماضي، متهماً مدعيين بالحق الشخصي جالسين قبالته، بأنهما مسلحان، شاتماً شخصاً من الحضور، ورافعاً يده للسماء مشيراً إلى أن الله بينه وبينهم.

فيما كانت مقاعد الحضور ممتلئة على غير عادة هذه المحاكمة التي لم تحظ بمتابعة كسابقاتها في مدينتي كوبلنز وفرانكفورت، واصلت القاضية تلاوة نص الحكم، متحدثة عن تثبتها من إطلاق المتهم في 23 آذار/مارس 2014 قذيفة من سلاح مضاد للدبابات على تجمع من الناس المحاصرين في مخيم تسود فيه كارثة إنسانية، بلغ بهم اليأس حداً دفعهم للمخاطرة بحياتهم للذهاب والحصول على صندوق مساعدات أسمته "صندوق الموت" لكونهم كانوا مهددين بالاعتقال والتعذيب والقتل.
وكان دواه، بحسب المحكمة، منتمياً على الأرجح لحركة فلسطين الحرة، ومسؤولاً عن حاجز. وكُلف في يوم الواقعة الإشراف على توزيع صناديق الغذاء الواصلة من وكالة أونروا الإغاثية الأممية، عندما شاهد حشداً من المدنيين، خاصة النساء والأطفال، يتجمع، ثم أطلق القذيفة عليهم دون سابق إنذار.

اعتبرت المحكمة أن "موفق دواه" ارتكب الجريمة بدوافع دنيئة، تحديداً الانتقام لابن شقيقته الذي قُتل قبل يومين في قتال مع فصائل مناوئة

واعتبرت المحكمة أن دواه ارتكب الجريمة بدوافع "دنيئة“، تحديداً الانتقام لابن شقيقته الذي قُتل قبل يومين في قتال مع فصائل مناوئة، انتقم وهو يقول: "لن أترك أحداً منكم حياً"، وفق روايات الشهود.
وبيّنت القاضية صعوبة عمل المحكمة واستنادها بشكل كلي على أقوال شهود الادعاء وخبراء في الطب والأسلحة والشؤون السياسية في المنطقة، مع عدم قدرتهم على الوصول إلى موقع ارتكاب الجريمة.

 محامي الإدعاء الشخصي باتريك كروكر وأحد موكليه والمحامي السوري أنور البني إلى جانب نشطاء آخرين أمام المحكمة بعد إصدار الحكم. تصوير: سليمان عبدالله

وجاء قرار المحكمة بناء على ما أمكنها “التثبت منه بيقين"، فتحدثت عن عدد الضحايا بشكل تقريبي مستخدمةً تعبير "على الأقل"، ولم تأخذ إصابة طفل ورد ذكره في صحيفة الدعوى بعين الاعتبار، لعدم استطاعة المحكمة استبعاد إصابته بطلقة عرضية تماماً.
ليزا ياني، المتحدثة باسم المحكمة الجنائية في برلين، أوضحت لرصيف22 أنه حُكم على المدعى عليه، وهو سوري فلسطيني، 55 عاماً، بسبب ارتكابه جرائم حرب جسيمة مترافقة مع جرائم قتل في أربع حالات ومحاولة القتل في حالتين وإلحاق أذى بدني جسيم، بالسجن المؤبد، وتم التثبت من جسامة جريمته.

"حُكم على المدعى عليه بالسجن المؤبد، بسبب ارتكابه جرائم حرب مترافقة مع جرائم قتل وإلحاق أذى بدني جسيم". ليزا ياني، المتحدثة باسم المحكمة الجنائية في برلين.

ويعني التثبت من جسامة الجرم أن دواه لا يستطيع التقدم بطلب الخروج المشروط من السجن بعد تمضيته الحد الأدنى من العقوبة، وهو 15 عاماً، بل ستقرر هيئة
المحكمة في وقت لاحق المدة التي سيتوجب عليه قضاؤها في السجن قبل أن تنظر في إمكانية التحقق من إطلاق سراحه بشروط. وتلعب هنا المصالح الأمنية للعامة دوراً على نحو خاص.
وبررت المحكمة التثبت من جسامة الجرم بعدد الضحايا، الذين وصلوا إليه دون حماية بحثاً عن الطعام فيظ ل الأوضاع الإنسانية الكارثية في المخيم حينها.
خارج قاعة المحكمة كان أحد المدعيين الشخصيين يشكر القضاء الألماني، الذي حقق له العدل كما لم يكن ممكناً في سوريا، متحدثاً عن دولة قانون حقيقية في ألمانيا. واحتفل ذوو الضحايا مع محامي جهة الادعاء الشخصي "باتريك كروكر" بهذا الحكم خارج مبنى المحكمة، فيما كانوا يحملون صوراً للضحايا.

محاولة الدفاع المتأخرة فشلت

واتبعت جهة الدفاع المتمثلة بالمحاميين "ميشائيل بوكر" و"يورك فراتزكي" إستراتيجية قائمة على التشكيك في وضوح روايات شهود الادعاء، والتلميح باستمرار لتواصلهم مع "أنور البني"، مدير المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، محاولين تصوير البني على أنه العقل المدبر للقضية، ومنسق للشهادات.

القاضية اعتبرت في حكمها الخميس أنه من "المعقول" تواصل الشهود مع البني، ومن "المعقول" ألا تكون طريقة جمع المركز للأدلة تشبه تلك التي يتبعها مكتب التحقيقات الجنائي، وأنه ربما لم تكن الترجمة دقيقة وواضحة، لكن الأمر سيان بالنسبة لهم في هذه القضية.

ناشط من مخيم اليرموك يحمل صوراً عن حصار المخيم واثنين من الضحايا. تصوير: سليمان عبدالله

وفيما بدا محاولة يائسة أخيرة، استدعت جهة الدفاع شهوداً من أقارب دواه لتبرهن على ادعائه في نهاية المحاكمة أنه لم يكن في المخيم وقت ارتكاب الجريمة، بل كان مصاباً لا يستطيع ارتكاب مثل هذه الجريمة.

وأكدت المحكمة أن قناعتها بإدانته لم تهتز بزعم المدعي بأنه لم يكن هناك، كذلك لم تتأثر بشهادات شهود استدعاهم، وأنها كذلك لم تقتنع بأوراق مصورة من سجل مستشفى بدمشق للزعم بأنه كان مصاباً في تاريخ حدوث الجريمة، وما كان بوسعه ارتكابها، متحدثة عن اعتقادها بأن الإصابتين وقعتها في فترتين بعيدتين عن يوم ارتكاب الجريمة ما يجعلها غير ذات أهمية.

في مرافعتها النهائية، علقت جهة الدفاع آمالها على التشكيك في قدرة الشهود على رؤية موكلها من مسافة بعيدة، مطالبة باستدعاء خبير، وهو ما رفضته المحكمة مبررة الرفض بأسباب عدة، وهي أن الشهود لم يكونوا في وضع يؤهلهم لحساب المسافة التي يبتعد دواه عنهم، وأن التقدير صعب ويتعلق بمكان وجود المراقب من بعيد. وقالت أيضاً إن معرفة المسافة ليس بحاجة لخبير، لأن المحكمة تعرف ذلك، ضاربة مثالاً برؤية اللاعبين بعضهم بعضاً في ملعب كرة قدم.

وأشارت المحكمة إلى أن دواه، الذي وصل إلى ألمانيا في العام 2018 عبر لم الشمل وكان يعيش كلاجئ في برلين، فكر في العودة إلى سوريا قبل القبض عليه في العام 2021 ووضعه في السجن الاحتياطي.

متحدثاً من أمام مبنى المحكمة، أوضح محامي الادعاء الشخصي كروكر أن دواه سيمنح مهلة شهر للطعن، اعتباراً من يوم وصول الحكم المكتوب إليه، وأن الطعن يقتصر عادة على التأكد من عدم وجود أخطاء قانونية. وفي حالة محكمة عليا كالتي أصدرت الحكم، فإن احتمال نجاح الطعن أمام المحكمة الفيدرالية ضعيف عادة.

عند طلب تعليقه حيال صدور حكم أشد على دواه من ذلك الذي صدر بحق أنور رسلان، قال كروكر إنه لا يعلق على شدة الحكم، ولا يهمه المدة التي سيقضيها في السجن، وهذا أمر قد يراه موكلاه بطريقة مختلفة، بل تكمن الأهمية بالنسبة له في تحميله مسؤولية الجرائم الشديدة التي حدثت، لذلك لم يطلب حكماً محدداً في المرافعة النهائية.

واعتبر أنه من المهم إشارة هيئة المحكمة في معرض تبريرها التثبت من جسامة جرائمه (بالتالي فرض حكم أشد من ذلك الذي طال رسلان) إلى أن دواه صوب سلاحه نحو أناس يموتون جوعاً، وكان السبب الوحيد الذي دعاهم إلى الوجود هناك هو الحصول على الطعام، إذ كانوا مستضعفين.

هذا هو ثالث حكم يصدر في ألمانيا ضد متهم تابع لأجهزة المخابرات السورية والميليشيات الموالية، وفق نظام الولاية القضائية العالمية

ورداً على سؤال لرصيف22 عما إذا كان قد خاب أمله من عدم أخذ المحكمة بطلبه اعتبار ما ارتكبه دواه جريمة ضد الإنسانية، لا جريمة حرب، قال كروكر "نعم"، مستدركاً بأن ذلك حدث نتيجة تحقيق الادعاء الاتحادي والدعوى المرفوعة، لذلك لم يفاجأ بعدم قبول المحكمة طلبه في هذا الصدد.

ويعد هذا ثالث حكم يصدر في ألمانيا ضد متهم تابع لأجهزة المخابرات السورية والميليشيات الموالية، وفق نظام الولاية القضائية العالمية. إذ صدر حكم بالسجن المؤبد على العقيد أنور رسلان وآخر بالسجن أربع سنوات ونصف السنة على الرقيب أول أياد الغريب في مدينة كوبلنز الألمانية في العامين الماضيين، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. فيما ما زال الطبيب علاء م. يواجه تهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية أمام محكمة فرانكفورت.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

فلنتشارك في إثراء مسيرة رصيف22

هل ترغب/ ين في:

  • الدخول إلى غرفة عمليّات محرّرينا ومحرراتنا، والاطلاع على ما يدور خلف الستارة؟
  • الاستمتاع بقراءاتٍ لا تشوبها الإعلانات؟
  • حضور ورشات وجلسات نقاش مقالات رصيف22؟
  • الانخراط في مجتمعٍ يشاركك ناسه قيمك ومبادئك؟

إذا أجبت بنعم، فماذا تنتظر/ ين؟

    Website by WhiteBeard