الحكم على ضابط المخابرات السوري المنشق أنور رسلان بالسجن المؤبد في ألمانيا

الجمعة 14 يناير 202210:24 ص

حكمت أمس المحكمة الإقليمية العليا في مدينة كوبلنز الألمانية على ضابط المخابرات السوري السابق أنور رسلان بالسجن مدى الحياة، في قضية ترقبها العالم. هذا الحكم جاء بعد 108 أيام من المحاكمة على جرائم ضد الإنسانية ارتكبها المدعى عليه أثناء خدمته للنظام السوري في سجن الخطيب أو ما يعرف بالفرع 251 التابع للمخابرات السورية العامة.

بحسب المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان ECCHR وجدت المحكمة رسلان مذنباً مشاركاً ومسؤولاً عن التعذيب، بالإضافة إلى 27 عملية قتل والإيذاء الجسدي الجسيم وجرائم العنف الجنسي في فرع الخطيب.

وجدت المحكمة ضابط المخابرات السوري السابق أنور رسلان مذنباً مشاركاً ومسؤولاً عن التعذيب، بالإضافة إلى 27 عملية قتل والإيذاء الجسدي الجسيم وجرائم العنف الجنسي في فرع الخطيب

ويمثل هذا الحكم سابقة قانونية في محاكمة هي الأولى من نوعها في العالم إذ يستخدم مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاكمة ضابط مخابرات سوري منشق عن النظام على جرائم ارتكبت خارج الأراضي الألمانية.

وكانت محاكمة الضابط السوري المنشق رسلان قد ابتدأت في 23  نيسان/ أبريل 2020 على خلفية ارتكابه جرائم ضد الإنسانية من بينها التعذيب والقتل والعنف الجنسي. 

وفي مؤتمر صحافي عقده المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان في العاشر من الشهر الجاري، أكد المحامي باتريك كروكر الذي يترأس فريق المحامين الذين يمثلون 14 من الموكلين في القضية ضد رسلان "أن قانون الولاية القضائية العالمية موجود منذ عشرين عاماً، ومحاكمة كوبلنز هي إحدى هذه الحالات، وقد قررنا مع موكلينا والمجتمع السوري هنا التركيز على جرائم التعذيب لأن التعذيب موجود في سوريا منذ زمن طويل، وقبل الثورة. وبسبب تعذر عرض القضية حالياً أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، قررنا أن الطريق الوحيدة المتاحة هي استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية أمام المحاكم الألمانية".

وكانت المحكمة الألمانية نفسها قد حكمت على أياد الغريب بالسجن أربع سنوات ونصف. والغريب كان قد أوقف منذ شباط/ فبراير 2019 ووجهت إليه تهمة التواطؤ وتسهيل ارتكاب جرائم تعذيب حوالى ثلاثين معتقلاً. وقد تم إثباتها عليه وقتذاك باعتبارها جرائم ضد الإنسانية ارتكبت في سوريا.

ما أهمية هذا الحكم على رسلان؟ سأل رصيف22 وأجاب المحامي باتريك كروكر:"هذه المحاكمة تشكل حدثاً رئيسياً لأنها تقول بشكل واضح إن ما يرتكب في سوريا منذ العام 2011 الى اليوم هو جريمة ضد الانسانية. إنها خطوة على طريق العدالة ونأمل أن يكون هناك تضامن عالمي أكبر، وفي أوروبا نأمل أن نرى قوانين لجوء وظروفاً أكثر إنسانية للاجئين".

وقال الموسيقي السوري وسيم مقداد، وهو أحد المدعين في القضية وناجٍ من سجن الخطيب، إنه ترك سوريا لأنه لم يكن يشعر بالأمان. وأضاف: "في ألمانيا أردت مقاضاة معذبيّ من خلال المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان الذي وفر لي الفرصة لأشارك قصتي أمام المحكمة".

ولفت مقداد إلى أن هناك الكثيرين ممن لم نسمع أصواتهم إما لأنهم قتلوا أثناء الاعتقال، أو لأنهم ما زالوا معتقلين، أو ماتوا أثناء محاولتهم الوصول الى أوروبا أو هم ما زالوا في سوريا ولا يجرؤون على الكلام بسبب ماكينة النظام القمعية. وأمل أن يكون قد ساهم بإيصال أصوات أناس كثيرين من خلال مشاركته في هذه المحاكمة.

"المحاكمة العادلة هي أمر جديد. في سوريا ليست هناك محاكمات عادلة. أسعى للعدالة وليس للانتقام"

وأكد مقداد أنه سعيد في موطنه الجديد ألمانيا ويشعر بأن معاناتهم منذ بدء الثورة ليست سدى، وأنه بالإمكان تحميل الأشخاص مسؤولية جرائمهم، معتبراً أن هذه الخطوة هي الأولى على طريق العدالة الى أن يمثل كل النظام السوري وبشار الأسد أمام المحكمة.

وختم مقداد: "بالنسبة لي المحاكمة العادلة هي أمر جديد. في سوريا ليست هناك محاكمات عادلة. أسعى للعدالة وليس للانتقام. أنا مرتاح لأن لدى أنور رسلان محامياً ويُعامل بكرامة، على عمس الطريقة التي كان يعاملنا بها في سوريا. هذا ما نريده في بلادنا، حكم القانون لا الانتقام والعنف".

ورأت المحامية السورية جمانة سيف، الباحثة في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، أن هذه المحاكمة مهمة ليست لأنها تبحث في جرائم ارتكبها النظام السوري، بل لأن هذه الجرائم مستمرة وتتعلق بالحاضر، والسوريات والسوريين يتقدمون أمام المحكمة. وتكمن أهمية هذه المحاكمة أيضاً، بحسب سيف، في دعم الناجين والناجيات وإعطائهم فرصة ليعبّروا عن معاناتهم والجرائم التي ارتكبت بحقهم.

"هذه المحاكمة مهمة ليست لأنها تبحث في جرائم ارتكبها النظام السوري، بل لأن هذه الجرائم مستمرة وتتعلق بالحاضر، والسوريات والسوريين يتقدمون أمام المحكمة. وتكمن أهمية هذه المحاكمة أيضاً في دعم الناجين والناجيات وإعطائهم فرصة ليعبّروا عن معاناتهم والجرائم التي ارتكبت بحقهم"

وذكر بيان أصدره أمس المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان عقب صدور قرار المحكمة أن الحكم بالسجن المؤبد على أنور رسلان هو أيضاً حكم يعتبر العنف الجنسي جريمة ضد الإنسانية. وقد فعل المركز الكثير من أجل هذه الغاية، إذ قدّم فريق المحامين التابع للمركز رينيه بانز وسيباستيان شارمر وباتريك كروكر طلباً للمحكمة بأن لا تعتبر العنف الجنسي المرتكب حالات فردية، وإنما انتهاك ممنهج ضد الشعب السوري المدني. وقد نجح المحامون في ذلك. قال كروكر لرصيف22: "حالات الاغتصاب لم تكن جزءاً من الدعوى الأساسية ولم توضع في البيان الاتهامي الأول، والآن يتضمن البيان الاتهامي هذه القضايا كجزء من قضايا الجرائم ضد الإنسانية".

والمحكمة حكمت على رسلان بارتكابه جرائم ضد الإنسانية تتضمن 27 عملية قتل وأربعة آلاف حالة تعذيب.

ولإثبات الجرم استخدمت المحكمة دلائل عدة، منها: شهادات نحو مئة شاهد وشاهدة وشهود خبراء. بالإضافة إلى شهادة خمسين من الناجين والناجيات من السجن، وصور قيصر التي تحقق البوليس الجنائي الألماني من صحتها. وهناك مواطنون تحدثوا عن مقابر جماعية.

لإثبات الجرم استخدمت المحكمة دلائل عدة، منها: شهادات نحو مئة شاهد وشاهدة وشهود خبراء. بالإضافة إلى شهادة خمسين من الناجين والناجيات من السجن، وصور قيصر التي تحقق البوليس الجنائي الألماني من صحتها. وهناك مواطنون تحدثوا عن مقابر جماعية

ورأى فولفغانغ كاليك، الأمين العام للمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، أن الدول الأوروبية الأخرى بإمكانها الاستفادة من صور قيصر في محاكمات لاحقة، لأن الدولة الألمانية ستضعها بتصرف الأجهزة القضائية الاوروبية الأخرى حتى لا تجمع الأدلة بمفردها. 

وقال كاليك لرصيف22: "هذه المحاكمة تشكل سابقة قانونية يمكن أن تحتذي بها محاكم دول أخرى، لأننا سنشهد تتالي القضايا كأحجار الدومينو. يُذكر أن مبدأ الولاية القضائية العالمية ليس نفسه في كل الدول الأوروبية. نأمل أن نرى تأثير الدومينو يحدث، وأن يدرك المدعون العامون في أوروبا أهمية هذا القانون الذي هو آخر حل لتحقيق العدالة. القانون الألماني يقدّم نموذجاً يُحتذى به".

وختم: "المحكمة الجيدة تنظر إلى مسؤولية الدولة والنظام، وليس إلى المتهم فقط، فحتى ضابط متوسط الرتبة هو جزء من المنظومة التي اقترفت الجرائم".

وعلّق على الحكم المحامي أندرياس شولز الذي يمثل أربعاً من الضحايا في سجن الخطيب: "إنه يشكل تعافياً للضحايا. ولكن النظام السوري لن يكون مسروراً". علماً أن المحامي الألماني الدولي الذي في جعبته قضايا دولية عديدة يرجّح عودة قريبة للنظام السوري إلى أوروبا، مشيراً إلى إعادة تطبيع الاتحاد الأوروبي وألمانيا معه، "فهذا ما تقتضيه الواقعية السياسية ولا خيار آخر اليوم أو غداً"، حسب قوله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard