شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
قطار من ضرائب السكر والشاي... كيف دشّنت إيران مشروع السكك الحديدية في القرن الـ18؟

قطار من ضرائب السكر والشاي... كيف دشّنت إيران مشروع السكك الحديدية في القرن الـ18؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الاثنين 27 فبراير 202303:28 م

زار الملك ناصر الدين شاه القاجاري القارة الخضراء لأول مرة سنة 1873، وحين تفقده الدول وزياراته الميدانية لمتابعة التقدم الصناعي الغربي، وظفت الحكومة الإيرانية مهندساً بلجيكياً كان ضمن طاقم بلاده في إنشاء السكك الحديدية، للاستفادة من خبراته في إطلاق قطار إيران.

في غضون ذلك، وقف توازن القوى بين روسيا وبريطانيا، البلدان المسيطران على القرار الإيراني وقتها، سداً منيعاً طوال سنوات أمام تنفيذ هذه الخطة التي وصلت إلى مرحلة إبرام العقود مع بلجيكا وأمريكا، قبل البدء بها.

ويذكر وزير خارجية بريطانيا، اللورد جورج كرزون، في تقاريره أن الوزير الأمريكي قد نجح في الحصول على امتياز إنشاء السكك الحديدية من الحكومة الإيرانية.

بعد محاولات عدة، نجحت شركة بلجيكية في إنشاء سكة حديدية بمسافة تسعة كيلومترات تربط العاصمة بمرقد السيد عبد العظيم الحسني في جنوب طهران، سنة 1887، بعد مرور 14 سنة على أول رحلة قام بها الملك إلى أوروبا. ومنذ ذلك الحين اشتهر القطار بـ "سيارة دخان"

كانت المناوشات بين القوى الدولية حجرَ عثرة أمام الإيرانيين، فكل واحدة منها تبحث عن سهمها في هذا المشروع الكبير، ورغم هذا استمر الحداثيون الوطنيون بمتابعة آمالهم وأفكارهم وعرضها على الملك. ورغم اقترابها من مرحلة التنفيذ، تُركت بسبب الضغوط السياسية الخارجية.

سيارة دخان

وبعد محاولات عدة، نجحت شركة بلجيكية في إنشاء سكة حديدية بمسافة تسعة كيلومترات تربط العاصمة بمرقد السيد عبد العظيم الحسني في جنوب طهران، سنة 1887، بعد مرور 14 سنة على أول رحلة قام بها الملك إلى أوروبا. ومنذ ذلك الحين اشتهر القطار بـ "سيارة دخان".

انتهت العراقيل الروسية والبريطانية للحد من إنشاء السكك الحديدية الإيرانية عبر دول أخرى، إلا أن اختراقاتهما استمرت في مرحلة التنفيذ، فكانت كل دولة تظن أن البلجيكين في شراكة مع الدولة المنافسة. كما اضطرت الشركة البلجيكية إلى أن تنقل القاطرات إلى إيران، والتي كانت تأتي بها من الأراضي الروسية، مع فصل أجزائها وإعادة تجميعها داخل طهران، وهو صعب للغاية وكلف الكثير من الوقت.

وتزامناً مع فرحة سكان العاصمة بوجود سيارات الدخان، إلا أن قلة معرفتهم في كيفية الاستفادة منها، خلّفت أحداثاً مأسوية كثيرة وسببت بإثارة الفوضى والاحتجاجات أحياناً.

يذكر "اعتماد السلطنة"، الكاتب والمترجم في بلاط ناصر الدين شاه٬ في كتابه "مآثر الآثار": "قفز عامل مخبز من القطار قبل وقوفه، وكذلك فعلت زوجته بعده٬ لكن تنورة السيدة علقت في عجلة القطار حتى سقطت بين العجلات، وماتت فوراً بعد قطع ساقها وخصرها".

القطار عمل الشيطان

غضب الأهالي فأحرقوا عربات القطار ومحطته، وفي حادثة أخرى ينقل الرحالة والمصور البريطاني أرنولد هنري سايفاج لاندور، الذي دخل إيران بعد إنشاء سكة القطار في البلاد: "من المفارقات أن شخصاً مقدساً عاد للتو من زيارة مدينة كربلاء، سقط تحت عجلات القطار وتوفي. وقد صدح رجال الدين أن هذا من عمل الشيطان حتى حدثت فوضى في ذلك اليوم وهاجموا الشركة".

تعطل القطار بعد ذلك فاشترى الروس امتياز خط سكك الحديد من البلجيكيين٬ وباشرت سيارة الدخان رحلاتها.

ومنحت الحكومة امتياز إنشاء مسار قطار من بحر قزوين إلى طهران لأحد أثرياء البلد الذي أفلح في افتتاح جزء من المشروع، وسرعان ما حدثت مشاكل مع منفذي العمل من طاقم المهندسين فتعطل المشروع. ومع مرور الوقت أتلف الجزء الذي افتتح سابقاً، وبذلك لم تتحقق أمنيات مؤسس المشروع في ربط بحر قزوين بالعاصمة الإيرانية.

أنشأ الروس خطاً ثالثاً لسكك الحديد من مدينة تبريز حتى مدينة جُلفا في شمال غربي إيران، عام 1916. وكان الهدف من استكمالها ربطها بسكك الحديد في منطقة القوقاز الروسية آنذاك، والمحاذية للحدود الإيرانية، وكان الهدف أن تستغلها موسكو لاستخداماتها العسكرية.

وهكذا استمرت المحاولات في العقد الثاني من القرن العشرين في إقامة مسارات قصيرة للقطارات بأهداف تجارية أو عسكرية، وليس من أجل إنشاء نظام نقل عام ومتكامل للمسافرين أو نقل البضائع بين المدن.

مشروع وطني

عام 1925 أعلن رئيس الوزراء رضا بَهْلَوي نهاية حقبة السلالة القاجارية، وبدء حكم السلالة البهلوية، إذ نصّب نفسه شاهاً على إيران٬ وباشر ببناء دولة حديثة بسلطة مركزية في إيران التي كانت قبل ذلك تشتهر بـ"الممالك المحروسة"، وكان يتمتع كل إقليم بها بحكم ذاتي.

السلطة المركزية فتحت الباب أمام مشروع عام لسكك الحديد، فباشرت الحكومة الجديدة بالدراسات الميدانية والأبحاث ورسم الخرائط واختصاص الميزانية. وبعد وضع قانون احتكار السكر والشاي، قررت الحكومة بحسم ريالين مقابل كل ثلاثة كيلوغرامات من الاستيراد أو الإنتاج المحلي للسكر، وعلى هذا المنوال مقابل كل ثلاثة كيلوغرامات من الشاي، يتم دفع ستة ريالات لمشروع القطار الوطني، أما التكلفة المتبقية فيجري توفيرها من الموازنة العامة للدولة.

ترأس المهندس الأمريكي بوتلاند فريقاً هندسياً أمريكياً يضم 11 شخصاً لتنفيذ الخطة الأمريكية لمشروع سكك الحديد الإيرانية. وتنص الخطة على إنشاء خط قطار يصل إلى منطقة البحر المفتوح عبر الخليج، لنقل معدات بناء السكك الحديدية والعربات والقاطرات والآليات الصناعية الأخرى من خلال نفس مسار القطار التي يتم تشييده خطوة بعد خطوة. وبذلك يجري الحد من هدر المال والوقت في المشروع.

النقطة الثانية بعد توفير الميزانية كانت أن يمر القطار بالمدن الكبرى والمناطق الحضرية والاقتصادية. والنقطة الثالثة شددت على ضرورة تشييد أقصر خط على مستوى البلاد وبأقل تكلفة.

مصنع سكر أفضل من القطار

كان البرلماني الوطني محمد مصدق الذي أصبح في ما بعد رئيساً للوزراء وقام بتأميم مشروع النفط، من أبرز معارضي مشروع السكة الحديدية الوطني حين المصادقة عليه تحت قبة البرلمان، حيث كان يرى في إنشاء مصنع السكر للحد من استيراده، ضرورةً تفوق وجود القطار في الوقت الراهن بالنسبة للبلد الذي يعاني الفقر.

حضر الملك رضا شاه في 16 تشرين الأول/أكتوبر 1927، منطقةً بجنوب طهران تحولت في ما بعد إلى محطة طهران للقطارات، وسط نيران المدفعية٬ معلناً بدء مشروعه. وبعد ثمانية أشهر بدأ الألمان بصناعة السكك في شمال البلاد، والأمريكيون في الجنوب، حيث منطقة خور موسى المطلة على الخليج وتعرف اليوم بميناء الإمام الخميني.

ما زالت الجسور التي بنيت من أجل عبور القطارات جزءاً من التاريخ الاجتماعي الإيراني، منها جسر ورسك في شمال طهران، وجسر كارون المعدني الذي تم إنتاجه في أمريكا وتثبيته على نهر كارون الذي يمر من وسط مدينة الأهواز في جنوب غربي البلاد

خضعت القطارات المستخدمة في المشروع للضوابط الهندسية الألمانية، وأشرفت شركة روبرت هانت البريطانية على العربات والقاطرات نيابةً عن الحكومة الإيرانية.

وبعد عقد من الزمن، افتتحت إيران مشروعها الوطني بمسافة 1394 كلم، في سنة 1937. وقرر الشاه أن يستكمل ذلك المسار بخطوط جديدة تربط طهران بشمال غربي البلاد وشمال شرقيها ووسطها.

ما زالت الجسور التي بنيت من أجل عبور القطارات جزءاً من التاريخ الاجتماعي الإيراني، منها جسر ورسك في شمال طهران، وجسر كارون المعدني الذي تم إنتاجه في أمريكا وتثبيته على نهر كارون الذي يمر من وسط مدينة الأهواز في جنوب غربي البلاد.

في الحرب العالمية الثانية، واحتلال إيران من قبل القوات البريطانية والاتحاد السوفياتي عام 1941، خضعت خطوط السكك الحديدية إلى ضباط القوات المحتلة، إذ كان يتم نقل المعدات العسكرية من جنوب إيران إلى شمالها. بعد ذلك استخدمه الأمريكيون لنقل المواد الغذائية والأدوات اللازمة إلى الاتحاد السوفياتي.

مع تدفق أموال البترول في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، شهد مشروع سكك الحديد تطوراً كبيراً حتى استطاع أن يربط الكثير من المدن الإيرانية بعضها ببعض.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard