شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
قطعة

قطعة "ساشيمي" فاخرة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والمهاجرون العرب

الأحد 26 فبراير 202301:28 م

لا قدرة لنا نحن السوريين المشتتين في أنحاء الأرض إلا على الغضب.

 نلعن ونشتم، وإن حالف بعضنا الحظ يمكنه البكاء، أو افتعال المشاكل مع من حوله ليجد سبباً لتنفيس غضبه.

نعيد بعض التغريدات، ونجتر الفيديوهات المؤلمة اجتراراً، لعل الألم الناتج عن رؤيتها في كل مرة يزيلُ جزءاً من ذنبنا بأننا نجونا، بأننا لا نزال على قيد الحياة. نملك سقفاً وطعاماً ورفاهية الاكتئاب، وربما معالجاً نفسياً يمكننا الحديث إليه ليخفف من وطأة شعورنا بالذنب والعجز.

لا نملك، نحن السوريين الناجين من الموجة الأولى للمأساة، سوى استرجاع لحظات تروما النزوح الأول، ونشر الأخبار عن وجود أماكن لإيواء الناس، ونشر احتياجاتهم.

لا نملك سوى أن نجعل المصيبة الحالية تخصنا، وأن نجعل هذا الحزن حزننا مجدداً عبر إعادة لحظات الألم، وربما بإمكان أفضلنا حالاً التوجه إلى حسابه البنكي ليتبرع ببعض اليوروهات.

لا نملك، نحن السوريين الناجين من الموجة الأولى للمأساة، سوى استرجاع لحظات النزوح الأول، ونشر الأخبار عن وجود أماكن لإيواء الناس

على وقع هذه التفاصيل اليومية منذ ليلة الكارثة، وعلى مدار أسبوعٍ، كنت أستيقظ وأجلس مع صديقي وشريكي بالسكن خلف طاولة الطعام.

 نبدأ في سباق التغريدات المؤلمة، والفيديوهات الصادمة، نرسلها بعضنا إلى بعض، نبكي. نسكت. ثم نشتم بصوتٍ عالٍ. نعيد السؤال نفسه ألف مرة: "لماذا نحن؟ ألم يشبع الموت منا؟".

 نشغل بالنا بتفاصيل الحدث اليومي، وبسباق عداد الضحايا، وقصص نجاح إنقاذ البعض.

 تتجاوز الساعة منتصف الليل، نغلق كومبيوتراتنا، ونعود إلى طقوسنا في الصباح، ونحاول كسر رتابتها بأحاديث مختلفة تلهينا عن حفلة الموت الكبرى.

"كيف ستكون حياتك لو كنت سمكة تونا؟"

يسألني صديقي محاولاً قطع بكائي وتشتيت نظري عن الكومبيوتر.

 يخبرني بأنه سؤالٌ جدي، طُرح عليه سابقاً من قبل بروفيسوره، وبعد بحثٍ أجراه عن سمك التونا اكتشف أن حياتها مثيرة للاهتمام.

أخبرني أن التونا تعيش أربعين عاماً على الأقل، إذا كانت محظوظة، وهو عمر السوريين إذا ما حالفهم الحظ وتمكنوا من الفرار من البلاد، بينما من بقي بالداخل أعتقد أنه إذا أفلح بالبقاء على قيد الحياة إلى ما بعد الأربعين، فهو ميتٌ منذ سنوات. ليكون عمر الأربعين عمر الكهولة بالنسبة للسوريين الذين كسرت الحرب والنزوح والتشرد والقهر والذل ظهورهم.

التونا تعيش أربعين عاماً، وهو عمر السوريين ممن حالفهم الحظ وغادروا البلاد، بينما من بقي بالداخل أعتقد أنه إذا أفلح بالبقاء حياً إلى ما بعد الأربعين، فهو ميتٌ منذ سنوات.

يعود ليقطع شرودي ويحاول جذب انتباهي: "التونا سمكٌ مقاتل، يسبح بعيداً ليضع بيوضه، يحاول النجاة من الأسماك الأكبر، يسبح بسرعةٍ كبيرة للهرب". أبتسم. هل يوجد شعبٌ مقاتلٌ أكثر منا معنوياً وفعلياً؟. قَتلنا وقُتلنا، تحدينا الموت بعدما أصر على ملاحقتنا، نجونا من حرب فأرسلت لنا الحياة زلزالاً، أكلتنا وحوش الحرب ثم لورداتها، ومن صمد منا، خسفت به الأرض تحت خيمته، أو انهار سقف النجاة فوقه.

 لا أحد يركض أسرع منا، ونحن الشعب الذي يحاول البدء من جديد في كل مرة، لا ييأس، يقاتل ويناضل.

 نسبح لمسافاتٍ بعيدة. نحن السوريين نقف في طوابير كبيرة بانتظار كل شيء.

 بانتظار أبسط حقوقنا، نبذل مجهوداً مضاعفاً مئة مرة لنحصل على أبسط ما نستحق، كليلةٍ دافئة أو كسرة خبز...

ألسنا سمك تونا؟ 

ألا نستحق بأن نلقب بالسمك المقاتل؟

يعاود صديقي ليحدثني بلهفةٍ عن التونا، يزم شفتيه ويخبرني بحزن: "عادةً لا تنجو سوى أعداد قليلة من التونا من خطر التهامها من أسماك أكبر".

أقول في سري، البقاء للأكثر حظاً منا وليس للأقل كفاحاً. فكلنا نكافح ونقاتل لكن بعضنا محظوظٌ أكثر من الآخر، بألا ينهدم منزله بقصفٍ أو زلزال، أو ألا ينقلب قاربه بالبحر.

لو كنت سمكة تونا، أفضل أن أكون قطعة ساشيمي بمطعم سوشي فاخر، عندها سيلتفت الناس إلي، وسيكون لي قيمة، عندما أكون ميتة

 معلومةٌ أخرى عن التونا، يعيش النوع الجيد منها في حوض المتوسط، كما نحن، مات الآلاف منا هناك في القاع إلى جانب إخوته من أسماك التونا.

يبدي صديقي قلة صبره ويختم حديثه مؤنباً إياي لأني لا أستمع، بأن الإناث تضع ما يقرب 30 مليون بيضة. لكن لا يبقى منها على قيد الحياة سوى مليونين حتى سن البلوغ، إذ تأكل المخلوقات البحرية الأخرى البيض. مجدداً السوريون يعودون إلى ذهني، أكلنا الجميع حتى قبل أن نولد، مات الأطفال في بطون أمهاتهم قبل أن تموت أمهاتهم، ونموت جميعاً.

يسود الصمت. فيغير صديقي حديثه بخبرٍ عن طائرات المساعدات التي بدأت تتوالى إلى سوريا.

أفكر قليلاً، وأمسح دموعي. ألتفت لصديقي وأخبره: "لو كنت سمكة تونا، أفضل أن أكون قطعة ساشيمي بمطعم سوشي فاخر، عندها فقط سيلتفت الناس إلي، وسيكون لي قيمة، عندما أكون ميتة".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بين دروب المنفى وذكريات الوطن

خلف كلّ مُهاجرٍ ولاجئ، حياة دُمِّرت وطموحاتٌ أصبحت ذكرياتٍ غابرةً، نُشرت في شتات الأرض قسراً. لكن لكلّ مهاجرٍ ولاجئ التمس السلامة في أرضٍ غريبة، الحقّ أيضاً في العيش بكرامةٍ بعد كلّ ما قاساه.

لذلك هنا، في رصيف22، نسعى إلى تسليط الضوء على نضالات المهاجرين/ ات واللاجئين/ ات والتنويه بحقوقهم/ نّ الإنسانية، فالتغاضي عن هذا الحق قد يؤدّي طرديّاً إلى مفاقمة أزمتهم والإمعان في نكبتهم. 

Website by WhiteBeard