شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
رفض الثورة الإيرانية ثم أصبح رئيس حكومتها… مهدي بازَركان

رفض الثورة الإيرانية ثم أصبح رئيس حكومتها… مهدي بازَركان

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الأحد 2 أبريل 202305:00 م

عند بدء عصر الدولة الحديثة الإيرانية في سنة 1925، بزعامة الشاه رضا بَهْلوي، بادرت الحكومة بتنظيم برنامج خاص للمنح الدراسية من أجل إيفاد الشباب الإيراني لدراسة العلوم الحديثة في الغرب، مما ساهم هؤلاء الطلاب في ما بعد بتحديث النظام الإداري والاقتصادي والاجتماعي في بلدهم.

كان من بين هؤلاء الطلاب، شاباً حجز لنفسه مكانة مرموقة في التاريخ المعاصر الإيراني عبر النهوض بالوعي النخبوي والتنوير الديني والسياسي. هو مهدي بازَركان، الذي ترعرع في عائلة تجارية وشهيرة ودينية بعد ولادته في سنة 1907، وما إن أنهى دراسته الثانوية حصل على منحة ملكية كطالب ممتاز.

حرص على أن يستأذن شرعياً كي يقبل المنحة الملكية نحو الجامعات الغربية، فجاء الرد: "إذا كان القصد، الدعوة للإسلام، فهو حلال."، فقطن في باريس ليصبح مهندساً في الكهرباء والديناميكية الحرارية. وحين دراسته ارتبط مع مجموعات مثقفة مسلمة هناك واعتقد بأن الدين ليس سبباً في التخلف، كما كانت تؤكد عليه مجموعات نخبوية في بلاده بأن الدين عامل التخلف والرجعية تقبّل الخرافة.

عند عام 1953، حينما نجح الانقلاب العسكري بقيادة الملك ورعاية بريطانية وأمريكية ضد رئيس الوزراء المنتخب من البرلمان محمد مصدق، بدأت أولى محاولات بازَركان للدخول إلى حلبة السياسة، وقد احتج على الاستبداد والدكتاتورية ودعم رئيس الوزراء 

وبعد سنوات من الدراسة، تيقن الشاب بأن: "الناس في أوروبا متدينون"، وليسوا بكفار كما كان يظن قبل دخوله للقارة الخضراء. عاد بازَركان وأصبح أستاذ مشارك في كلية الهندسة بجامعة طهران عام 1936، ومع انخراطه في التعليم، حرص على التثقيف الديني للطلاب. وقد أسس مكتبة وجمعية الطلاب الإسلامية كي تتاح فرصة مناقشة الديناميكية الحرارية والهندسة إلى جانب النقاشات الدينية، وحصل ذلك حينما إرتقى إلى منصب عميد الكلية لفترة ستة أعوام.

تفسير القرآن على أساس الرياضيات

كرس جزء من وقته على إلقاء الخطابات والمناظرات وكتابة المقالات والكتب لشرح الأحكام الشرعية من زاوية العلوم الحديثة. وقد كتب "المطهرات في الإسلام"، إذ هو توضيح عن النجاسات على أساس علم الفيزياء، وباشر بتفسير القرآن من منظار الفيزياء والرياضيات، كل هذا كونه أستاذاً جامعياً مسلماً، وسط نظام ملكي يهوى ويروج لفكرة الأمجاد الإمبراطورية الفارسية بعيداً عن الإسلام.

جهوداً علمية وثقافية للمهندس مهدي بازَركان، كانت تحظى بحفاوة بالغة لدى الأجيال المتعلمة المسلمة، لكنها لم تتحول إلى نشاط سياسي.

وعند عام 1953، حينما نجح الانقلاب العسكري بقيادة الملك ورعاية بريطانية وأمريكية ضد رئيس الوزراء المنتخب من البرلمان محمد مصدق، بدأت أولى محاولات بازَركان للدخول إلى حلبة السياسة، وقد احتج على الاستبداد والدكتاتورية ودعم رئيس الوزراء الذي قام بتأميم النفط وتحديد صلاحيات الشاه.

إنشاء حزب سياسي

قضى بازَركان فترة في السجن، ثم في سنة 1961، قرر قراره المصيري وشكل بالتعاون مع بعض التنويريين الإسلاميين ورجال الدين المعتدلين، "حركة الحرية الإيرانية"، إذ تتلخص أهدافهم: "نحن مسلمون، إيرانيون، ندعم أفكار مصدق".

بعد عامين من ذلك، أعلن الشاه إيران عن ثورته المسماة بـ"الثورة البيضاء"، وهي حركة لتحديث المجتمع والحكومة اقتصادياً واجتماعياً، دون السماح بالتغييرات السياسية. فعارض بازَركان وزملاءه قرار الملك علانية، ليسجن ثانية حتى عام 1968.

بعد اطلاق سراحه، لم يسمح له بممارسة النشاط السياسي، فأكمل نشاطه فكرياً وثقافياً، واستمرت نظرة المجتمع إليه كمثقف ديني عُرف عنه معارضته للماركسية، ولا يقبل بسياسة فصل الدين عن السياسة كما روج لها النظام الملكي آنذاك. ومع شدة تمسكه بالإسلام كان وطنياً بامتياز.


عندما اشتدت الثورة الشعبية الكاسحة بزعامة روح الله الخميني ضد الشاه محمد رضا بَهْلَوي، خالف المهندس بازَركان الذي يحظى بمكانة كبيرة لدى الطبقة النخبوية المعارضة وحركة الطلاب المعارضين، تغيير النظام البروقراطي للوصول إلى الديمقراطية.

"ثورة تخلق العنف"

كانت تتمحور فكرته بقبول النظام الملكي مع صلاحيات محددة، كذلك عزل الشاه وتنصيب ولي عهده ملكاً للبلاد، كما لم يرى بالثورة العارمة حلاً لتوسيع دائرة الديمقراطية وتقدم إيران.

ذهب بازَركان إلى باريس حيث مقر آية الله الخميني، ليتفاوض معه على هذا الأساس، وقدم للأخير مقترحا مفاده بأن تُقام انتخابات حرّة ونزيهة دون إلغاء الدستور الإيراني، وشرح له فكرته بأن الثورة ستخلق العنف.

قد قال فيه الشاعر الإيراني محمد رضا شفيعي كدكني بيتاً من الشعر: "عليك أن تتعذب وحيداً، يا رجلاً أكبر من عصره".

لم يرضى الخميني إلا بإسقاط الشاه ونظامه، وحين سأله مراسل وكالة رويترز حول جدوى اللقاء الذي جمعه ب، رد عليه: "قلت مرات وكرات أنّ الشعب الإيراني يريد إزاحة النظام الملكي وإسقاط السلالة المنحوسة والخائنة البَهْلَوية، وقيام حكومة إسلامية، فكلّ مَن جاء هنا، طرحت عليه هذا الموضوع. لقد جاء السيد بازَركان وطرحت عليه الفكرة، فقبلها ورحل، ومَن يُعنون القضية وأهداف الثورة خلافاً لرأي الناس، هو خائن للشعب والبلاد".

انتصرت الثورة، وعاد الخميني للبلاد في سنة 1979، وفي أول خطوة إختار المهندس بازَركان رئيس حكومة تصريف الأعمال. "لست متطرفاً. إضافة لذلك فإن واجبي هو نقل السلطة من النظام السابق إلى النظام الجديد، وإجراء الاستفتاء، وإصلاح الأمور، وانتخاب مجلس المؤسسين وإعداد مسوّدة الدستور. وعلى الثوريين أن يقودهم القائد." هكذا نطق بازركان في حفل جماهيري بجامعة طهران أثناء الأيام الملتهبة والفوضوية الأولى بعد انتصار الثورة.

رجل التنازلات

طالبه الإسلاميون واليساريون، التعامل بحزم والثوري مع بقايا النظام السابق، بيد أن نهج بازَركان كان مع التغييرات المبرمجة التي تأتي بطيئة عادة ما، وحين روّج بعض الثوار بأن رئيس الوزراء رجل التنازلات وليس ثورياً، فرد الأخير في اجتماع جماهيري بأن تشكيلته الوزارية تشبه بسيارة فولكس فاغن، تسير بهدوء وبدراية، أما الثوار فهم مثل الجرافة أقوياء ويبحثون عن تغييرات سريعة.

وبعد سلسلة من أحداث ثورية وأعمال عنف وراديكالية أثرت على قرار الحكومة ومصير البلاد، تمثلت بإعدامات ميدانية دون أدلة كافية، وهروب طبقة التجار والمستثمرين ومصادرات أموالهم، وتخلفات إدارية، وكذلك اقتحام السفارة الأمريكية واحتجاز موظفيها، فبعد تسعة أشهر استقال مهندس بازَركان وتنحى جانباً لصالح الثوار وزعيمهم الديني.

بائت محاولاته لتعميم الفكر الوسطي بالفشل، فدخل بازَركان البرلمان، كنائب عن سكان العاصمة طهران، بيد أنّ المتطرفين والثوريين المتشددين وقفوا له بالمرصاد حتى وصل الأمر إلى تهديده وزملائه بالأسلحة تحت قبة البرلمان، فاختار بازَركان العزلة من السياسة كما تم اقصاء أعضاء حزب "حركة الحرية الإيرانية"، وكل من يؤمن بالليبرالية من دائرة الحكم نهائياً.

واجه في عزلته الكثير من التهم والعنف، وحتى من كان في الماضي ضمن تلامذته، رأى اليوم في بازَركان رأسمالياً وبرجوازياً، لأنه يملك مصنعاً. فالأجواء الثورية الحماسية قد غيرت كل شيء، بات بازركان لا يطاق، لأنه يؤمن بالملكية الخاصة على أساس تعاليم الإسلام ويفخر بالعمل الحرّ.

الثوار هدامون

"أنتم أصحاب انتقام وهدم وغضب لا تتوافقون أبداً مع روح الإسلام وتعاندون الفائدة والإدارة الخاصة. ولو أُتيحت لكم الفرصة؛ لحولتم كل المصانع التي تدار على أساس الرأسمالية والملكية الخاصة في البلاد إلى حكومية دفعة واحدة." هكذا جاء رد مهندس بازَركان على خصومه.

كان أول رئيس وزراء بعد الثورة الإيرانية ليبرالياً، في زمن لا يقبل فيه اليساريون ولا اليمينيون، الليبرالية. وكان من المثقفين المتدينين الوطنيين القلة الذين استطاعوا الوقوف بين التحرر (الليبرالية)، والوطنية (القومية) والدينية (اسلامي وليس اسلاموي).

حين روّج بعض الثوار بأن رئيس الوزراء رجل التنازلات وليس ثورياً، فرد الأخير في اجتماع جماهيري بأن تشكيلته الوزارية تشبه بسيارة فولكس فاغن، تسير بهدوء وبدراية، أما الثوار فهم مثل الجرافة أقوياء ويبحثون عن تغييرات سريعة

تحول بازَركان إلى ناقد للسلطة بهدوء، وكان يقول نريد "الإسلام للإيرانيين"، حتى يتطور البلد ويصبح نموذجاً في المنطقة والعالم، بينما كان معتقد آية الله الخميني الذي بنى على أساسها قرارات الحكومة، بأنه يريد "إيران للإسلام"، حتى صرف من أجلها ذخائر إيران لتنمية الإيدلوجية الإسلامية في أي مكان.

تكريم بعد الممات ومضايقات مستمرة

توفي بازَركان سنة 1995، حينها ندم الكثير ممن وقف في صفوف الثوريين المتشددين ضده، على أفعالهم. كان اعترافهم بأنهم لم يعرفوا مكانة هذا الرجل الكبير. وقد كرّمه في ما بعد بعض النخبة والسياسيين ووجدوا بأن ليبراليته ليست هزيمة أمام الغرب، واعتداله ليس مساومة، فهو ابن عصره في بلد يتصارع بين حدود الرجعية والتجدد، وبين الديمقراطية والاستبداد، وبين المكاتيب والمدارس الحديثة، وبين الإصلاحي والثوري، وبين البرجوازي الحكومي والبرجوازي الوطني، وبين المتطرف الديني والمثقف الديني.

وقد قال فيه الشاعر الإيراني محمد رضا شفيعي كدكني بيتاً من الشعر: "عليك أن تتعذب وحيداً، يا رجلاً أكبر من عصره".

رغم مرور 23 عاماً على وفاته، مازالت الجمهورية الإسلامية تعارض أفكاره لدرجة أنها لم تسمح بإقامة مراسيم في ذكرى سنوية وفاته، إلا أن زملاءه مستمرون بنهجه المعتدل والأخلاقي رغم كل الويلات التي عانوها ويعانونها في تهميشهم واقصاءهم ليس من مراكز القرار بل حتى من المجتمع.   

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard