شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
أنا لحبيبي… كولاج باهت من الأنماط الرومانسية

أنا لحبيبي… كولاج باهت من الأنماط الرومانسية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الأحد 12 مارس 202304:23 م

يبدأ فيلم "أنا لحبيبي" (تأليف محمود زهران وإخراج هادي الباجوري) بالتعريف بوضع الشخصيتين الرئيسيتين "شادي وليلى" اللتين يجسدهما كريم فهمي وياسمين رئيس، كزوجين متحابين بشدة في جزيرة على البحر وما تؤول إليه تلك العلامات المعروفة نحو الرومانسية نظراً لتكرارها عشرات المرات في تاريخ السينما. وربما ذلك النهج هو ما اتبعه الفيلم مرتكزاً على تلك العلامات التي تعرف كعلامات سيميائية سهلة القراءة بل محفوظة لدى المشاهد.

فما من مطر، واختيار أماكن تصوير هادئة كأسوان والأقصر وقطار خال من الناس لا يوجد فيه سوى هاتين الشخصيتين بمفردهما، وذلك ما سيتعرف عليه المُشاهد ويقرأه في زمن "الفلاش باك"، بعد أن يتوقف زمن الحاضر عند واقعة مشادة تحدث بين الزوجين، ومنها لخروج شادي من البيت/ شاليه وسط جزيرة بلا رجعة، ثم لقاء ليلى بــ"نور" محمد الشرنوبي، وهو المصور الذي يلتقيها صدفة أمام الشاليه، فيطلب منها تصويرها لإتمام مشروعه التصويري للمشاركة في معرض.

توافق ليلى وتبدأ العودة للماضي لسرد قصة حبها بشادي، بدايةً من اللقاء الأول في ذلك القطار الفارغ تدرجاً بكل ما يواجهانه من عقبات حتى يتم الزواج، وذلك في سياق إدعائها بأنها روائية وهذه هي حكاية روايتها، بينما بالعودة لزمن الماضي المروي على لسانها يكشف أن الروائي الحقيقي هو شادي، فهو كاتب أولى رواياته "13 ساعة" من وحي أحداث لقائه بليلى في قطار أسوان.
أغلب الأفلام المصرية الرومانسية التي عُرضت مؤخراً تدور في فلك السياقات التالية: التفرقة بين الحبيبين بسبب الظروف الاجتماعية/ محاولات الانتحار/ المرض يصيب أحد الحبيبين/ النهاية المأسوية لأحدهما واستمرار الآخر في تذكره... سياقات مكررة يعاد تدويرها
يدور الفيلم في إطار رومانسي حيث بناء للحكاية في واقع سرده النهائي بعد مشاهدة الفيلم هي تلك قصة الحب الشهيرة المائلة للأنماط المعتادة بل والقديمة سواء على مستوى الشخصيات أو حتى على مستوى العقبات المحركة للحدث ومؤسسة للصراع، بل هو نمط تجاوزه الزمن من حيث الطرح السينمائي، فالحب الحقيقي الذي تفرقه العوامل الاجتماعية وتلك الأم التي ترفض زواج ابنتها بسبب أن المستوى الاجتماعي أقل كونه الرجل فناناً وهم عائلة تعمل بالقانون والمحاماة وما إلى ذلك، وفارق الطبقة الذي يفرق شمل الأحباب، إضافة لإرسال بلطجية لشادي من قِبل الأم حتى يبتعد عن الابنة التي تحاول الانتحار لأنها حرمت من حبيبها، وذلك لم يدخل في سياق السؤال حول هل ذلك يحدث في الواقع أم لا؟ لأن مثل تلك الأسئلة تضعف من البنية الفنية لأي عمل بالأساس.

فبالتأكيد يحدث، ولكن النظر دائماً للدراما يجب أن يركز على المشهد الذي نحيا به وما تجاوزناه من أفكار قدمت عشرات المرات، كي نعي من نخاطب ولماذا، فإذا شاهد المتلقي أحداثاً مكررة يبقى على أفق توقع ضعيف في تفاعله مع العمل، كونه على وعي ودراية تامة بسير الحدث وما سيحدث وتدرجه، ولكن للإنصاف فإن الأسلوب السردي الذي تم تقديمه من حيث التسلسل الزمني هو العنصر الأهم والأبرز بالفيلم، إذ يتوقف زمن الحاضر عند مشاجرة الزوجين، ويبقى هناك تساؤل شيق حول أين اختفى الزوج شادي؟ ثم ذهاب لزمن الماضي عن طريق الحكي والذهاب والإياب فيما بينهما، وصولاً لجزء الإجابة على السؤال الذي يكشف عن أكثر من خط درامي جديد وتداخل الحاضر مع الماضي.
على أن الكشف الأول هو أن شادي توفى في حادث بعد المشاجرة، لذلك لم يعد لزوجته، وذلك في الماضي ولكنه المؤثر بل والمحرك لكل أحداث الحاضر، حيث هو الدافع لفعل الحكي، ومن الحكي تتكشف الحالة النفسية للزوجة ليلى التي تعاني من الإنكار وعدم الاعتراف بحقيقة الوفاة، وأخيراً الكشف عن شخصية نور الذي يتضح أنه طبيب نفسي فعل تلك الحيلة كي يتابع الحالة عن قرب ويساعدها على تجاوز الصدمة.

مهنة الشخصية وبناؤها

قُدمت الشخصيات على نحو بناء خاو حيث لا مبررات للأفعال بداية من المشاجرة التي يلقي بها الفيلم في البداية دون أن يكشف عن سببها الحقيقي، مروراً بالانجذاب السريع بين الطرفين وصولاً لإلقاء الإنكار الذي تعانيه الزوجة بسذاجة بالغة في التقديم، تماشياً مع النمط الذي لم يرد الفيلم التخلي عنه، حيث النهاية المأسوية المتمثلة في موت الحبيب وإنكار الزوجة والقطار الفارغ واسترجاع أحداث الرواية الأولى من الأحداث الحقيقية ورفض الأم للزواج كي تكون هي الدخيلة الساعية للتفرقة بينهما.
قُدمت الشخصيات في فيلم "أنا لحبيبي" على نحو بناء خاو حيث لا مبررات للأفعال بداية من المشاجرة التي يلقي بها الفيلم في البداية دون أن يكشف عن سببها الحقيقي، مروراً بالانجذاب السريع بين الطرفين وصولاً لإلقاء الإنكار الذي تعانيه الزوجة بسذاجة بالغة في التقديم
والرفض لا بد من أن يكون اجتماعياً، وذلك الرومانسي الذي لا بد أن يكون فناناً كي يكون أكثر حساسية، وذلك الطبيب الذي يقرر فجأة أن يباشر الحالة عن قرب وطوال قربه منه هو يسمعها فقط، دون وضع أي بصمة لهذه الشخصية للتأثير في الحدث. وتبقى الشخصية للنهاية تنكر كي تبقى لحبيبها أي لا علاج ولا مساعدة ولا فائدة من ذلك الفعل في الحدث الأساسي للفيلم، حيث الجمع بين كريم فهمي والشرنوبي وكذلك أحمد حاتم وظهوره كضيف شرف، هو أمر يستجمع قواه بتقديم أسماء للتسويق لكن دون مبررات منطقية ولا دوافع للشخصيات حيث الروائي على سبيل المثال، وذلك النمط الذي ربما تكرر كثيراً في الأفلام القديمة لكن تكراره حينها ورغم توافقه مع وقت تقديمه لا يخلو من المبرر لخلق الدافع.
فالكاتب الروائي الرومانسي تختلف شخصيته عن الكاتب الروائي السياسي أي تؤثر المهنة على تكوين ملامح الشخصية أو بالأحرى محتوى كتابته هو جزء أصيل من شخصيته، في حين أن ما ظهر في الفيلم هو رواية بلا معلم، فلا يتم الكشف عن محتواها سوى أنها من وحي أحداث القطار ولقاء الحبيبة التي لم يكن يعلم أنه سيقابلها ليكتب عنها رواية، وفي الوقت ذاته كان يحضر لكتابة الرواية! ومع ذلك يبقى السؤال أي توجه تحمله الرواية وبماذا يؤثر ذلك التوجه في دوافع شخصية الكاتب، وبالتالي يؤثر في الحدث كله، وهو الحال نفسه في التعامل مع مهن جميع شخصيات الفيلم، إذ لا تأثير لمهنة الطب النفسي بالحدث، ولم يتم اختيار مهنة ليلى بالأساس، ومنها إذا كل منهما يعمل في أي مهنة أخرى لم يتأثر الحدث بشىء.

فاللقاء كان سيتم إذا كان البطل يعمل مهندساً على سبيل المثال وسيبقى البطل متمسكاً بحبيته وإن كان مدرساً أو محامياً، وكذلك فعل الحكي الذي جاء من شخصية ليلى بمجرد علمها أن نور مصور، فإذا تعرف عليها في أي سياق آخر كرسام، أو عامل بشركة سياحة أو أي مهنة أخرى لكان سار الحدث على نفس تدرجه، واتضاح كونه طبيباً نفسياً بالنهاية لا يضيف لأنه لم يصل لنتيجة.
وبالعودة لزمن السرد فتم تقسيم زمن الماضي إلى فصول وكأنها هي فصول رواية ليلى التي تحكيها لنور، وجميعها على أسماء أغاني فيروز وذلك الحضور لفيروز المتصدر منذ اسم الفيلم، حتى اختيار المطربة الحاضرة بشريط الصوت هو نفسه النمط المحفوظ حيث للجوء للمطربة الأكثر أرتباطاً بالأجواء الشتوية والرومانسية، وكأن الفيلم هو جمع بين كافة العلامات التي قُتلت تقديماً ليصنع منها كولاجاً باهتاً يقدمه حالياً.

أزمة الأفلام الرومانسية المصرية

تعاني السينما المصرية مؤخراً من فقر الأفكار بشكل عام والرومانسية على وجه التحديد، إذ سبق ذلك الفيلم فيلم "ليلة قمر 14" للمخرج ذاته والقائم على بنية الفصول ولكنها حكايات متعددة، ربما كان يتميز بثراء أكثر من حيث الشخصيات والأداءات والأفكار، لكنه بقى على نحو خلخلة من حيث عامل الربط بين جميع القصص، فهي حكايات منفصلة متصلة عن طريق سياق الزمن وشخصية رئيسية كان ينقصها عوامل الربط الدقيقة بين تعددية أفكارها وشخصيتها، وكذلك في نفس العام فيلم "بحبك" لتامر حسني حيث تجاوز التكرار والوصول لمرحلة العبث بعقول المتفرجين وتقديم نماذج لا تصلح حتى للمراهقين وقصة الحب التي تفشل بسبب ظهور الحبيبة القديمة والبطل الشهم الذي لا يمكن له أن يكسر قلب المريضة، وذلك هو أسلوب تامر حسني بصفة عامة حيث الاتكاء على المرض ونقيصة النساء اللاتي يحبهن في مقابل شهامته المفرطة، ولنا في فيلمه "نور عيني" خير مثال، وكذلك فيلم "قصة حب" الذي قدمه أحمد حاتم وهنا الزاهد في 2019 والنقيصة ذاتها وهي مرض الحبيبة والنهاية المأسوية بموتها واستدرار العطف بعمى البطل والسرطان الذي تملك جسدها وما إلى ذلك، وكأن الحب مشروط دوماً في السينما بالمرض والنقائص وبتكرار وإعادة تدوير الأزمات، فما تم ذكره من مجموعة أفلام جميعها تدور في فلك السياقات التالية:
- التفرقة بين الحبيبين بسبب الظروف الاجتماعية
- محاولات الانتحار
- المرض يصيب أحد الحبيبين، أو يفتك بهما معاً
- النهاية المأسوية لأحدهما واستمرار الآخر في تذكره
سياقات مكررة يعاد تدويرها دون البحث في دافع الشخصية أو محاولات لخلق شخصيات جديدة، ودون الإسهاب في البكاء على الأطلال، ولكنه كان يسبق تلك الحقبة حقبة أفضل وهي فترة بداية الألفية من حيث التقديم الرومانسي ككتابات تامر حبيب عن العشق والهوى، إخراج "كاملة أبو ذكري" وسهر الليالي إخراج "هاني خليفة"، حيث العلاقات المتداخلة المتشابكة والمتعددة ورسم ملامح الشخصيات، وبناء عليه رصد الدوافع والتصرفات، وذلك دون العودة لحقبات سابقة رغم جودة البعض منها إلا أن ذكرها سيكون في غير محله، إذ تجاوزها الزمن  وجعلها من الكلاسكيات.
لكن لا يمكن البكاء لكونها زمناً جميلاً ليته يعود، فهي متسقة مع زمنها لا مع زمننا. فالنظر في الأعمال الفنية لا ينفصل عن سياقه الزمني، أي وقت طرحه، وذلك عما كان قديماً وبه شق فني جيد متسق مع عصره، فماذا عما يطرح حالياً وهو لا يخاطب عصره بل يعيد تدوير الأفكار ليدور في سياقات يتصورها مضمونة، لأنها حققت النجاح من قبل، لكنها اليوم أصبحت كليشيهات محفوظة وغير مقبولة زمنياً.
إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard