شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
فيلم

فيلم "تأتون من بعيد".. الأمل الذي يراكم خلفه الكثير من الأسئلة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والمهاجرون العرب

السبت 7 يناير 202312:31 م

بكاميرا ثابتة مسلطة نحو التلفاز يبدأ الفيلم "تأتون من بعيد" للمخرجة المصرية أمل رمسيس، حيث تعرض قناة سي إن إن قصف أمريكا للعراق عام 2003، ثم تُلقي أمل بصوتها خطاباً موجهاً باللغة الإسبانية إلى كارلوس – الذي لا نعرفه – تُثني على مجهوداته في مساندة العراق الذي ذهب إليها مدافعاً كنوع من رد الجميل تجاه العرب، وتعود أمل بذاكرتنا إلى إسبانيا، لنعلم منها أن مئات العرب، من الجزائر ومصر وفلسطين وغيرهم من دول شمال المغرب العربي، في ثلاثينيات القرن الماضي، قد ذهبوا إلى كاتالونيا للوقوف مع الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية ضد دكتاتورية فرانكو.

إذا لم يُدهشك فعل كارلوس أو سفر العرب للمناضلة من أجل الحرية في إسبانيا فلن يُدهشك بالطبع أن ديكتاتوراً مثل فرانكو استقطب الجنود المغاربة الواقعين تحت احتلاله إلى إسبانيا، ودفع بهم في الصفوف الأولى في الحرب، ليصبح الرجل العربي في مواجهة عربي آخر.


عالم بلا جغرافيا

" أنا متطوع عربي، جئت لأدافع عن دمشق في وادي الحجارة، وعن القدس في قرطبة، وعن بغداد في طليطلة، وعن القاهرة في قادش، وعن تطوان في بورغوس"، هكذا قال نجاتي صدقي، الصحافي الفلسطيني الذي تتبع سيرته أمل على لسان ابنتيه، دولت، أو دوليا التي تعيش في موسكو، وهند – التي شاركت أبيها أغلب حياته – المستقرة في أثينا، وسنتعرف على أخيهما سعيد قُرب النهاية، حيث كان يتنقل بين البرازيل وأمريكا.
تقطع بنا أمل آلاف الأميال والسنين لتنسج بعداً متوازياً بين التاريخ وأفراده، حتى يصبحا كشيء واحد، فلا يُحكى التاريخ بأحداثه منعزلاً عن حياة أفراده، وإنما كل يُشكل بعضه البعض. يتجمع شتاته كما نجتمع نحن على رؤياه، فنتبع أمل دون أي أسئلة، ننساق في لعبتها السردية الموزونة التي تتقاطع فيها الأماكن والتاريخ والشخصيات بخفة، يترك الرصاص والغبار والصور الأرشيفية الأثر الأليم بلا شك، ولكن التقاطع الإنساني في حياة عائلة نجاتي يُضفي على حبكتها بعداً إنسانياً تنطلق منه الحواديت.
"أنا متطوع عربي، جئت لأدافع عن دمشق في وادي الحجارة، وعن القدس في قرطبة، وعن بغداد في طليطلة، وعن القاهرة في قادش، وعن تطوان في بورغوس"، هكذا قال نجاتي صدقي، الصحافي الفلسطيني الذي يتحدّث عنه فيلم "تأتون من بعيد"

تلعب هند، ابنة نجاتي، دور الموثّقة لحياته بحكم مشاركتها إياه أكثر من باقي أخوتها، وتستلهم أمل رمسيس منها الحكايات دون افتعال، وإنما تتدفق منها كالماء بكل ما في الحكايات من هزائم فادحة وانكسارات كبيرة، وتصبح سيرة نجاتي قطعة تُروى من خلالها قصص أخرى.
نبدأ بالتعرف على دولت، الحلقة الأكثر انهزاماً والأكثر اغتراباً، حيث تربت في ملجأ للأيتام في موسكو بقرار من الكومنترن، ليتبدل بها الحال كلياً، حتى اسمها يصبح دوليا سعدي، نسبة لاسم أبيها الحركي مصطفى سعدي،  فيما بعد. هناك، انعزلت دوليا تماماً عن العالم، تعلمت الروسية وانسلخت تماماً عن جذور لغتها العربية دوناً عن إرادتها، كما قضت وقتاً كبيراً لا تعلم عن أهلها شيئاً. كل ذلك يتزامن مع رحلة نجاتي صدقي (سعدي) التي بدأت بسجنه من قبل السلطات البريطانية هو وزوجته لوتكا الأوكراينة – التي سيكتشف أولادها يهوديتها وهم على مشارف الثلاثين من عمرهم- بتهمة الانضمام للشيوعية.

بعد الإفراج عنهما، تبدأ رحلة نجاتي عبر الحدود بجوازات سفر مزيفة، تنقله من القدس إلى حيفا وعكا وصور وبيروت وإسطنبول وبلغراد وبرلين النازية، ثم إلى هناك في باريس، تخفّى لمدة ثلاثة أعوام، كان يقوم خلالها بنشر مجلة باللغة العربية باسم "الشرق العربي" توزع سراً في البلاد العربية، تحث على الثورة ضد الاحتلال.
في تلك الآونة كان يحاول أن يتواصل مع ابنته دوليا عن طريق الصليب الأحمر، ولكن دون جدوى.

كل ذلك يتزامن مع رحلة الفلسطيني نجاتي صدقي (سعدي) التي بدأت بسجنه من قبل السلطات البريطانية هو وزوجته لوتكا الأوكراينة – التي سيكتشف أولادها يهوديتها وهم على مشارف الثلاثين من عمرهم- بتهمة الانضمام للشيوعية

سنوات الشتات

بعد عدة محاولات، نجحت عائلة نجاتي أخيراً في إخراج دوليا من الملجأ، وعاشوا سوياً لفترة قصيرة، شعرت خلالها دوليا بالغربة، كانت "تراقب من بعيد"، فجأة أصبح لها أخوة لا تتحدث لغتهم، ولا تفهم من ثقافتهم العربية شيئاً، ولا تعلم عن تاريخ الأرض كذلك، كأن جداراً بُني بينهم بفعل الغربة واللغة، وتفضل دوليا الرجوع إلى موسكو. لا يكف نجاتي عن سعيه للعدالة، الأمل بعالم تملؤه الحرية، صوته هو جزء من بقائه حياً لأن "جزءاً منه مات... لأنه ما قدر يعّبر".
يتحدث نجاتي العربية بمكبر الصوت، مخاطباً العرب المغاربة في صفوف فرانكو، يحثهم أن ينضموا إلى الجمهوريين، وهو ما أدى إلى طرده من إسبانيا. لا يقف نجاتي عن هذا الحد فينتقد اتفاقية ستالين مع ألمانيا النازية بقيادة هتلر، ما أدى كذلك إلى فصله تماماً من الحزب الشيوعي.
انتقل بعدها نجاتي إلى القدس، حيث عمل في "محطة إذاعة الشرق الأدنى"، وبعد وقوع النكبة الفلسطينية نُقل مقر الإذاعة إلى قبرص، فذهب إلى هناك، وبعدها استقر في بيروت – التي أحسّت فيها هند أخيراً بروح الوطن-  حتى قامت الحرب الأهلية اللبنانية فأجبرتهم على الرحيل إلى أثينا، وهناك توفي نجاتي صدقي.

هل يصبح الوطن وطناً شريطة أن نترعرع فيه؟ هل الوطن هو ذلك المنشأ الذي قُدّر لي أن أولد فيه، أم "وطن المرء ليس مكان ولادته ولكنه المكان الذي تنتهي فيه كل محاولاته للهروب"، كما يقول نجيب محفوظ؟

ما صنعته أمل ليس مهارة وذائقة سينمائية فقط، وإنما كانت طيلة الوقت تجبرك على التفكير، نسيج تتكون أركانه من التاريخ والسياسة والاجتماع، تظهر فيه الطبيعة محطمة تحت القصف، محالة إلى ركام، الآن كما في الزمان الماضي، ولكنها كذلك تترك لك أثراً طيباً لا يخلو من المقاومة، هي بالأساس تحكي عنه، وعن النضال، عن ذلك الأمل الذي يراكم خلفه الكثير من الأسئلة، ولكن يبقى حسّ التجربة وشاعريتها هو الشعاع الحقيقي لرحلة أمل رمسيس، اجتماع الأخوة في النهاية، ومشيهم الهوينا ينم على شيء أكبر، وحدة وترابط وأصاله من نوع فريد لا تهزمه الحروب ولا الأزمنة.

ما هو الوطن؟

ربما هو سؤال أكبر من أن نجيب عليه. هل يصبح الوطن وطناً شريطة أن نترعرع فيه، أن نصبح قريبين منه، أي من ناسه، لغته، ثقافته طيلة الوقت؟ هل الوطن هو ذلك المنشأ الذي قُدر لي أن أولد فيه، أم "وطن المرء ليس مكان ولادته ولكنه المكان الذي تنتهي فيه كل محاولاته للهروب"، كما يقول نجيب محفوظ؟
علينا أولاً أن نقف على مفهوم الوطن كأرض وكيان، أي كدولة، وبين مفهوم الوطن الذي تريده فعلاً أن يمثلك، وطن يحمي حقوقك وتنعم فيه بالسلام، وطن لا يزيد الاختناق على ناسه، ولا يقبعون فيه خلف الجدران، وطن يعطي لك الحق في التعلم، في المعيشة في الحياة بل حتى في الأمل.

لعل مفهوم الوطن يختلف باختلاف التجربة الذاتية، فشعورك تجاه الوطن الذي أجبرت على الرحيل منه لا يتساوى مع الوطن الذي احتلت أرضه، ولا يستوى الشعور لو كنت مهدداً بالفناء فيه. يبدو مفهوم الوطن أكثر تعقيداً كلما حاولنا فهمه، وكلما شعرنا بحنين تجاهه.
 أفكر أحياناً في حياة اللاجئين وفيما تركوه خلفهم، في الذكرى التي تنسل إليهم من حين لآخر، كل تلك الأخبار عن اضمحلال الوطن وناسه مازلت تشيع في النفس الحزن. كأن ثمة شيء في داخلنا يبقينا على اتصال بالأرض والدم والناس، وطن لا نهمل أخباره ولا تنفع كل حيل اللامبالاة في تجاهله.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard