شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
رياض سطوف... صوت السوري المقهور في عالم القصص المصورة

رياض سطوف... صوت السوري المقهور في عالم القصص المصورة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والمهاجرون العرب

الأحد 5 فبراير 202312:48 م

أتذكر عندما كنا صغاراً أن بعض المجلات المصورة باللغة العربية المخصصة للأطفال كانت منتشرة بين أبناء جيلنا، وأذكر منها مجلة أسامة وسامر وماجد. كما كانت أمي تحتفظ بأعداد من مجلة قديمة تدعى تان تان المخصصة لليافعين، تنشر فيها قصص مصورة أمريكية وفرنسية مترجمة للعربية وبعض المقالات. مع الأسف، توقفت المجلات العربية المصورة تدريجياً عن الصدور وكان آخرها مجلة ماجد الإماراتية، ولم يعد للقصص المصورة وجود في حياة الطفل العربي. وتخيلت أن تلك الثقافة تندثر في كل العالم، لذا كانت دهشتي كبيرة حين اكتشفت أن حجم ثقافة القصص المصورة الفرنسية لم يتضاءل مع مرور السنين بل تضخم وازداد انتشاراً وتنوعاً.  

تنتشر في فرنسا القصص المصورة للكبار والصغار، وتسمى الشرائط المصورة (باند ديسينيه) أو بي دي اختصاراً

تنتشر في فرنسا القصص المصورة للكبار والصغار، وتسمى الشرائط المصورة (باند ديسينيه) أو بي دي اختصاراً، وتشمل الروايات والقصص بالإضافة إلى الحكايات المتسلسلة ذات الأبطال الثابتين، وتتضمن كل المحتوى المكتوب بالفرنسية سواء كان فرنسياً أم بلجيكياً أم كندياً من إقليم كيبيك. كذلك تنتشر القصص المصورة المترجمة سواء الأمريكية أو اليابانية، ويشهد السوق الفرنسي صعوداً رهيباً لقصص المانغا المصورة اليابانية لدرجة أن العام الماضي سجل مبيع قصة مانغا مصورة من أصل كل قصتين مصورتين تباعان في فرنسا. 

يعود تاريخ القصص المصورة في فرنسا إلى نهايات القرن التاسع عشر، إذ بدأت تظهر بعض أشكالها ولكنها لم تكن بعد قد اتخذت شكلها النهائي الذي يتضمن فقاعات للحوارات ووصفاً أفقياً للمشهد في أعلى أو أسفل الصورة، وهو ما أرسي مطلع القرن العشرين. ويبدو أن حركة ترجمة أعمال (الكوميكس) الأمريكية شجعت السوق الناطقة بالفرنسية على تكثيف إنتاجاتها من القصص المصورة مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، كي تشهد حقبتا الخمسينيات والستينيات نهضة القصص المصورة الحقيقية وعصرها الذهبي، وفي هذه المرحلة ظهرت أشهر شخصيات القصص المصورة التي ما زالت قصصها تقرأ من قبل كل الأجيال حتى اليوم مثل تان تان، ولوكي لوك وغيرهما. ولمع نجوم كتاب القصص المصورة وأصبحوا يعدون من أبرز صناع الفنون والآداب، رغم تحفظ الحركة الثقافية على اعتبار نتاجهم من ضمن الحركة الثقافية والأدبية لفرنسا. وما زال الجدل حول ما إذا كانت قراءة القصص المصورة تعتبر قراءة للأدب قائماً، أو على الأقل يعم الاحتجاج على أن نسبة القراءة التي تحتلها القصص المصورة ضمن قراءات الأطفال والشباب عالية جداً بالمقارنة مع ما يقرأونه من الأنواع الأدبية الأخرى. 

يعم الاحتجاج على أن نسبة القراءة التي تحتلها القصص المصورة ضمن قراءات الأطفال والشباب عالية جداً بالمقارنة مع ما يقرأونه من الأنواع الأدبية الأخرى.

 انطلق مهرجان "أنغوليم" للقصص المصورة في السبعينيات في مدينة أنغوليم الصغيرة في إقليم شارانت قرب مدينة بوردو، وقد تحول المهرجان إلى قبلة لكل محبي هذا الفن، إذ يجتمع سنوياً آلاف من القراء ليلتقوا كتابهم المفضلين، ويوزع المهرجان جوائزه وتعم شوارع مدينته الاحتفالات خلال كانون الثاني/ يناير من كل عام. 

وقد أحيت المهرجانات التي تقيمها الدولة الفرنسية في مدن صغيرة العديد من المدن الفرنسية كما في حال مهرجان كان للسينما ومهرجان أفينيون للمسرح ومهرجان آرل للتصوير الفوتوغرافي، إذ تختار الدولة مدينة لا تمتاز بالسياحة الكثيفة فيها وتحولها إلى محج لمحبي النوع، وبذلك تتنوع الوجهات السياحية في البلد وتختلف، ولا تنحصر بالمدن الثلاث الكبرى.  

كانت نسخة هذا العام من المهرجان خاصة للغاية لأنها سجلت خمسين عاماً على انطلاقته، وفي عيده الخمسين حصد جائزة المهرجان الكبرى الكاتب والرسام والمخرج السوري الفرنسي رياض سطوف. ولد رياض سطوف لأب سوري وأم فرنسية، وعاش طفولته التي يروي أحداثها في سلسلة قصصه المصورة الشهيرة (عربي المستقبل) متنقلاً بين ليبيا وسوريا وفرنسا، وتعرف إلى ثقافة القصص المصورة من خلال الكتب التي كانت جدته الفرنسية ترسلها إليه. 

ولد رياض سطوف لأب سوري وأم فرنسية، وعاش طفولته التي يروي أحداثها في سلسلة قصصه المصورة الشهيرة (عربي المستقبل) متنقلاً بين ليبيا وسوريا وفرنسا

تمنح الجائزة الكبرى لمهرجان أنغوليم من قبل العاملين في المهنة أنفسهم الذين ينتخبون صاحب التجربة الأكثر تميّزاً، وقد حصد سطوف الجائزة تنويهاً بنهاية سلسلة (عربي المستقبل) بعد أجزاء ستة بيع منها أكثر من ثلاثة ملايين نسخة حول العالم، ولكن السلسلة ليست عمل سطوف الوحيد، فقد عمل سابقاً في جريدة شارلي إيبدو ونشر فيها سلسلة عن الشباب، كما نشر سلسلتين أخريين لاقتا نجاحاً كبيراً بعنوان دفاتر استير والممثل الشاب. 

تروي القصة المصورة (عربي المستقبل) بصيغة ساخرة وبرسوم مبسطة حكاية الطفل رياض الذي نشأ في كنف والديه، حيث رافقت الأسرة الأب الحاصل على شهادة دكتوراه في التاريخ والمؤمن بإمكانية تأسيس جيل عربي جديد ينهض بالأمة العربية التي يؤمن بها كي يدرس في جامعات عربية في ليبيا بداية ثم في سوريا وطنه الأم. 

لعل أبرز ما في السلسلة أننا نتعرف إلى عوالم البلاد التي عاش فيها سطوف طفلاً من عينيه ونتعرف إليها من وجهة نظره، إذ يرتبط كل الأشخاص والأماكن بذاكرة الطفل برائحة معينة أو حادثة، ونفهم الضغوط السياسية والاجتماعية والظروف المعيشية الصعبة من خلال ما يرسمه خيال الطفل رياض كما من خلال رسومات سطوف التي تصف عالم كل بلد منها. ولعل اللافت في خيارات الألوان أن كل بلد كان له لونه، فليبيا صفراء قاحلة وموحشة، وفرنسا زرقاء باردة، وسوريا حمراء عنيفة. 

نتعرف إلى الاختلافات بين البلدان وإلى أناسها من خلال تجربة الطفل الذي يكبر وهو يحاول أن يفهم العالم، ويجد المنطق الذي يربط عالمي والديه، كما يحاول أن يندمج في المجتمعات التي وجد فيها دوماً غريباً وقادماً من مكان آخر. كذلك يشرح لنا سطوف الفنان في التعليقات التي تقدم الحكاية السياق السياسي لكل صورة، بينما تقدم الصورة المشهد الدرامي الذي يراه الطفل دون أن يفسره. تبني السلسلة عالم رياض على سلسلة من التناقضات، ويصلنا من خلالها الكثير من العنف المعاش اليومي، وبالمقابل الكثير من الحب والشخصيات التي تحاول أن تحافظ على إنسانيتها ومفاهيمها ضمن عالم شرس متوحش. 

يشعرنا سطوف أن صوت السوري الذي كان دوماً يخشى التعبير عن نفسه مسموع، ولعل التكريم الذي تمثله الجائزة كما يعترف بموهبة سطوف الاستثنائية يواسي السوريين الذين يشعرون أنهم وحيدون ولا أحد يسمعهم.

يشعرنا سطوف من خلال سلسلته أن صوت السوري الذي كان دوماً مكتوماً ومحكوماً بأن يخشى التعبير عن نفسه مسموع ولو لمرة واحدة، ولعل التكريم الذي تمثله الجائزة كما يعترف بموهبة سطوف الاستثنائية يواسي السوريين الذين يشعرون أنهم وحيدون ولا أحد يسمعهم. لعل ما يواسي في عوالم الفنون والآداب، أن فيها مكاناً لأولئك المظلومين والمسحوقين، ولعل المساحة في عالم القصص المصورة المنتشر والممتد تتسع أكثر فأكثر لأصوات مهمشة لنتعرف إلى مزيد من الحكايات وكي يصل صوت المقهورين ويسمعه الملايين. 

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard