شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
جميل أن تتجسد الحياة في كلمات... عن رحلة المفكر المصري عبد الوهاب المسيري

جميل أن تتجسد الحياة في كلمات... عن رحلة المفكر المصري عبد الوهاب المسيري

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب

السبت 18 فبراير 202304:04 م

هل الرحلة في المكان تنأى بزمانها عن تحولات الشخصية؟ بعض الأسئلة لا يحتاج إجابة، بل ينتظر سرداً. في عمل يَسِمه بسيرة "غير ذاتية غير موضوعية"، يصف المفكر المصري والباحث الموسوعي عبد الوهاب المسيري رحلته الفكرية، متوقفاً في صفحات من حياته الحافلة باللقاءات والسفر والإنتاج الفكري، أمام ما جعل منه هذا الإنسان بما هو عليه. وإن كانت الحياة هي نفسها رحلة، فإنها لا تؤرخ للجانب الشخصي المنبت الصلة بالمحيط، مثلما أن تشكُّل الهوية لا يكون بمعزل عما يحدث في جيل كامل.

صاحب موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد"  يلتقي في فضاء حياته الخاص بالعام، فيشفع إذ ذاك القضايا الفكرية بأحداث من حياته، محدداً منهجه في كتابة رحلته، وقد قسمها إلى مراحل، من البذور – وفق تعبيره - في دمنهور (مواليد 1938)، فالإسكندرية بوصفه معيداً في قسم الآداب بجامعتها (1959)، إلى جامعة كولومبيا في نيويورك وبعدها جامعة رتجرز في نيوجرسي (1963-1969)، ليعود إلى مصر، وإلى كلية البنات في جامعة عين شمس؛ حيث كانت تجربته الفكرية فيها محدودة لغياب تيارات محفزة ومثيرة للفكر والاهتمام.

المسيري أمام مبنى هيئة الأمم، 1976

أن يكون مستشاراً ثقافياً للوفد الدائم لجامعة الدول العربيّة لدى هيئة الأمم أتاح له حرية الحركة، والتحدث في القضية العربية بوصفه مثقفاً وليس مندوباً. وبعد عودته من الولايات المتحدة الأميركية لم يستقر به المقام للتدريس في مصر فحسب، بل توزع وقته بين الأماكن في العالمين العربي والجديد، وبين مهام عديدة تولاها، إلى أن اختار الاستقالة من الجامعة (1990) ليتفرغ تماماً لكتابة الموسوعة (صدرت عام 1999)، وهي أبرز أعماله، وإن لم تكن الفريدة في الأهمية.

في عمل يسمه بسيرة "غير ذاتية غير موضوعية"، يصف المفكر المصري والباحث الموسوعي عبد الوهاب المسيري رحلته الفكرية، متوقفاً في صفحات من حياته الحافلة باللقاءات والسفر والإنتاج الفكري 

فشغل على التوالي منصب مستشار لوزير الإرشاد (محمد حسنين هيكل، 1970)، فخبيراً للشؤون الصهيونية في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام (1971)، ومن ثم أستاذاً في جامعة الملك سعود، فجامعة الكويت (بين الأعوام 1983-1989).

رحلة الانفصال الرمزي والنزعة الطقوسية

البعد الرمزي يهيمن على مفاصل حياته في تأمّله وإنجازه والمعيش من يومياته. فيجد في أطروحات كتبه جزءً من معركة الإنسان مع ما يتهدده. فالموسوعة، على سبيل المثال، هي معركة الإنسان ضد الظلم. وبين نزعته التأملية وممارساته الطقسية وشائج قربى أفضت به إلى اجتراح "مفهوم المسافة" في تفسير أي ظاهرة أو حدث. وإذ يسبغ على الأشياء والظاهرات أبعاد رمزية، يتمكن من إحاطة ذاته بسياج يفصلها عما حولها من خلال طقوسه الخاصة، كما يضع حدوداً بينه وبين الواقع المادي المباشر في بلده مصر، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة.

فمن "الشاي غير البيولوجي" يشربه مع صديق كي يستأنس به، لا لحاجة مادية إليه، إلى "الأبوة غير البيولوجية" بتبنّي أيتام من ضحايا العصر الحديث، على حد تعبيره، وليس انتهاءً "بساعة الصفاء" وهي أبرز طقس امتد في سني حياته، حين ينسحب من الزمان ليعيش لحظات خارجه، مستعيداً بذلك تكامله وإنسانيته، "بعد أن يكون فقد بعضاً منها في معترك الحياة وتفاصيلها". ومن الطقوس المهمّة في حياته "الحمام الطقوسي" بوصفه حماماً فكرياً احتفائياً بإنجاز ما، حالما ينهي مؤلفاً من مؤلفاته، أو عندما تستعصي عليه فكرة، يأخذ حماماً ساخناً لتتضح العلاقات وتنجلي الإشكاليات التي تواجهه.

في مكتب الأستاذ هيكل، 2003

طور "الحمام الطقوسي" إلى جانب طقوس أخرى أقامها ليحمي ذاته في بلد لا يحترم الطقوس كثيراً كما خبر ذلك في الولايات المتحدة، فهي –في تلك البلاد- تأخذ إما طابعاً استهلاكياً وإما شكلاً مختلفاً عما ألفه، على غرار طقوس الانتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى، واحتفالات بلوغ سن الرشد، أو دخول الجامعة، أو التخرج فيها. ويأخذنا المسيري في رحلة الذاكرة إلى تعلقه الشديد ببعض الأطعمة مثل "المكرونة" (المعكرونة)، بحيث إن "تناولها يعني تجربة روحية لا علاقة لها بإشباع الحاجة البيولوجية"، وبالمثل تناوله طبق الأرز بعد أي رحلة، والسيجار برمزية الهدوء والاستقرار والإنجاز. وعلى هذا النحو يتفهم حالة كل من الخديو عباس الثاني والملك فاروق في حبهما المرضي للمكرونة.

كيف اتخذ من السيجار الكوبي والبطيخة الفلسطينية المقطوعة أمثلة حيوية؟

مبتعداً عن الخطابات المُلتهبة ونظريات المؤامرة التي يتصف بها الخطاب العربي، يلجأ المسيري إلى أساليب عقلية هادئة، مستثمراً رحلاته ومشاهداته لدعم أي فكرة أو قضية أمام الرأي العام الغربي على وجه الخصوص. فلكي يسبغ مشروعية على المقاطعة العربية لإسرائيل، أظهر في إحدى المقابلات التلفزيونية الأميركية إيصالاً من الجمارك الأميركية يبين مصادرة بضائع محظورة، وهي عبارة عن سيجار كوبي كان بحوزته. وفي باله أن يوضح للمشاهد الأميركي أن المقاطعة ليست أمراً غريباً أو شاذاً، بل هي إجراء مشروع تلجأ إليه الدول في حالات معينة، ويقصد بذلك المقاطعة الأميركية المفروضة على كوبا.

جميل أن تتجسد الحياة في كلمات؛ وهو الأمر الذي دعا إليه المسيري بأن يكتب المفكرون العرب سِيَرهم التي تبرز كيفية تشكل أفكارهم

وفي معرض حديثه عن مفهوم "الإنسان الإنسان"، أو "الإنسان السر" الذي يعبر عن نفسه بإبداع مستمر لا مفسر اقتصادياً، مقابل "الإنسان الطبيعي/المادي"، يلاحظ طرق مقاومة الفلسطينيين للقوات الإسرائيليّة الغاصبة. فهي مقاومة تستند إلى مخزون حضاري في لاوعي الإنسان العربي، باكتشافه الحجر سلاحاً متاحاً وغير مستورَد، ومُعاد استخدامه مراراً. أما المثال الثاني لبلورة مفهوم "تدوير السلاح"، فيتجلى برد الفلسطيني في غزة على حظر رفع علمه، برفع بطيخة مقطوعة في وجه أيّ قافلة عسكرية إسرائيلية تمر. نصف البطيخة ترمز إلى ألوان العلم الفلسطيني (أخضر وأحمر وأسود). وهي سلاح يقاوم به الإنسان ثم يأكله، أي يمكن تدويره، وليس منطقياً اعتقال من يرفعها.

خططه في جنوب إفريقيا وفي جامعة كونتكت، وفي هيئة الأمم

دعي عبد الوهاب المسيري لإلقاء محاضرات في جنوب إفريقيا عام 1986. كما قام في تلك البلاد بمناظرة إعلامية تلفزيونية مع أستاذ علوم سياسية يهودي ليبرالي، ومع رئيس المنظمة الصهيونية. والأخير ما فتئ يردد شعار "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض". يفصح عن الإستراتيجية التي اتبعها في المناظرة، وقد مكّنته من إظهار مدى غباء رئيس المنظمة، وعزله من منصبه تالياً إثر البرنامج. فقد حاول توسيع رقعة الاتفاق بينه وبين الأستاذ الليبرالي إزاء تبيان الخلاف بينهما وبين رئيس المنظمة؛ وذلك بتكتيك البدء بلازمة يرددها بقوله: "أتفق مع بيل...."، و"كما يقول بيل....".

المسيري في برنامج تلفزيوني، 2002

ففي برنامج حواري معه، قررهُ طلاب قسم الإعلام في جامعة كونتكت الأميركية، اختاروا ممثلة شهيرة في المسلسلات التلفزيونية، تدعى إليزابيث إنجلش لإجراء الحوار. الأمر الذي أثار استياءه؛ فقرر إفشال البرنامج باتباع خطة "عبور الخطوط الحمراء" لنزع أي أرضية مشتركة بينهما، فيغدو الحوار مستحيلاً، بتحدي كل مقولات المحاوِرة المبدئية. فأجاب عن ثلاثة أسئلة بالنفي، لتوقِف البرنامج بعد ذلك. فعن عدم اندماج اليهود في المجتمعات التي عاشوا فيها، قدم الشاهد، لنقض هذه الفكرة، على عددهم المتناقص باستمرار. ولم يقبل فكرة اضطهادهم عبر التاريخ لا سيما في العالم الإسلامي إلا في حدود شائعة، على عكس ما عُرف من مذابح بحقهم في الغرب في الوقت الحاضر. أما عن تشتيتهم بعد سقوط الهيكل، فأورد إحصائية تفيد بأن من ترك فلسطين من اليهود قبل سقوط الهيكل يفوق عدد الذين بقوا فيها.

بعد رفض المكتب الإسلامي في واشنطن انتداب متفقّه للمشاركة في حوار يضم حاخاماً يهودياً ورجل دين مسيحياً وشيخاً تديره هيئة الأمم، بذريعة أن الإسلام لا علاقة له بالسياسة؛ قُبِل اقتراح المسيري بأن يذهب للحوار بصفته رجل دين. لم يتحدث في الاجتماع من منظور إسلامي، بل من منظور أخلاقي مسيحي – يهودي، مؤكداً أن الوصايا العشر لا تسمح بقيام إسرائيل. علاوة على ضرورة نأي رجال الدين عن السياسة ورفضهم الحلول البراغماتية العملية، مقابل تطبيقهم القيم الأخلاقية المطلقة. فجاءت النتيجة كما يشتهي بتعاطف رجل الدين المسيحي مع طروحاته، وإحراج الحاخام اليهودي.

علاقات في السعودية وفي مدن عربية، ومع أدباء

هذا الباحث المصري الرصين والمنفتح وجد نفسه في جو ثقافي متميز في الرياض التي أقام فيها ست سنوات. فجامعة الملك سعود تضم أساتذة من أنحاء العالم العربي كافة، لتُتاح له فرصة التعامل مع هذا التنوع، لا سيما أن معظم المثقفين هناك ليس لديهم هموم اقتصادية كبيرة.

مبتعداً عن الخطابات الملتهبة ونظريات المؤامرة التي يتصف بها الخطاب العربي، يلجأ المسيري إلى أساليب عقلية هادئة، مستثمراً رحلاته ومشاهداته لدعم أي فكرة أو قضية أمام الرأي العام الغربي على وجه الخصوص

توزع وقته بين حضور ندوات في الأدب المقارن تعقد أسبوعياً في جو أخوي "لا يختلف كثيراً عن الجو في قهوة المسيري في دمنهور"، وأخرى في الفلسفة باللغة الإنكذليزية، تُعقد شهرياً تضم من لا يجيدون العربية. ولم تنطوِ تجربته في الرياض على الغنى الثقافي فحسب، بل امتدت إلى التفاعل الإنساني مع بعض عائلات المجتمع السعودي.

المسيري في الرياض، 1986

وعلى الرغم من محبته لمجالسة الأصدقاء، يتبدى أنه منعزل نسبياً. يفضل المدينة على القرية، غير أن إقامته في الإسكندرية لبعض الوقت أورثه حب الهدوء. أما سماعه، في القاهرة، بمقهى "ريش" ومقهى "إيزافيتش" وبمن يرتادهما من مثقفين، فلم يُغرِه بزيارتهما. التقى بالشاعر صلاح عبد الصبور، فوجده حزيناً مثل شعره، وبمحمود درويش غير مرة، في القاهرة وعمّان، فوجده ثائراً مركباً مثل شعره أيضاً. قابل نجيب محفوظ مرة واحدة في الإسكندرية. وحضر حفل تكريم للناقد الفلسطيني إحسان عباس في بيروت، مقدماً مداخلة يدحض فيها زعم المحتفى به المزمن اعتلال صحته، ليعم الضحك المكان.

المسيري في مؤتمر عام 2003

قصته مع الشاعر أمل دنقل سادها بداية التوتر والجفاء من قبل هذا الأخير، ظناً منه أن المسيري عميل أميركي لأنه تعلم في الولايات المتحدة. وحين شارك الباحث مع زوجته في مظاهرات الطلبة عام 1971، ووقعا على البيان الذي كتبه فؤاد زكريا، انجلت الصورة لدى الشاعر وتبدل موقفه. فيعرب الباحث عن أسفه قائلاً: "لا التعليم في الولايات المتحدة يجعل من المرء عميلاً، ولا الاشتراك في مظاهرات الطلبة ينفي عنه هذه الصفة!".

لم يقدر لكثير من مشاريعه الأدبية النقدية والإبداعية أن تكتمل؛ إذ إن "الفن طويل والحياة قصيرة". يترك عبد الوهاب المسيري الحكم للقراء على سيرته (تتجاوز السبعمئة صفحة)، وأن يضعوا ما كتبه تحت المسمى الجنسي الذي يرونه مناسباً. ومهما يكن من أمر التجنيس الأدبي، فلا يعني القراء سوى تأمل التجربة الحية والمدونة. جميل أن تتجسد الحياة في كلمات. وهو الأمر الذي دعا إليه المسيري بأن يكتب المفكرون العرب سِيَرهم التي تبرز كيفية تشكل أفكارهم، وأن يضعوا خبرتهم تحت تصرّف الأجيال الجديدة. ولعله محق في أن الفجوة بين الأجيال لا تنفك تتعاظم؛ فلا ترث الحكمة والمعرفة، والخشية حينئذٍ من أن تبدأ من نقطة الصفر.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard