"باريس ردت إليَّ طعم الحياة"... رحلات محمد حسين هيكل إلى أوروبا

الثلاثاء 19 أبريل 202205:36 م

ترك محمد حسين هيكل علامات مؤثرة في كل مجال طرَقه، فوجدنا أديباً مؤسِّساً لفن الرواية العربية الحديثة، منذ إصداره رواية "زينب" عام 1914، وصحافياً شهيراً في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ومؤرخاً، وسياساً بارزاً في مجلس إدارة حزب الأحرار الدستوريين، ورئيساً له في ما بعد، ووزيراً للمعارف ثلاث مرات، ثم وزيراً للشؤون الاجتماعية، ورئيساً لمجلس الشيوخ، ورئيساً لوفد مصر في الأمم المتحدة أكثر من مرة.

كل تلك المناحي التي سار في دربها حسين هكيل، تناولها كثيرون بالدراسة والبحث، لكن ظلّت رحلاته في أوروبا خفية عن الضوء، بعيدة عن البحث، رغم ما بها من جزالة في اللفظ تليق بأديب بارع، ودقة في الوصف لا تخرج إلا من مؤرخ كبير، وكواليس إنسانية جديرة بالمعرفة.

أسفار تعوّض فقدَ الأحباب!

وُلد محمد حسين هيكل عام 1888 بمحافظة الدقهلية لأسرة ثرية، وتوجه في صغره إلى الكتَّاب لحفظ القرآن الكريم "ثم التحق بمدرسة الجمالية الابتدائية، وأكمل دراسته بعدها بمدرسة الخديوية الثانوية، ثم قرر الالتحاق بمدرسة الحقوق المصرية عام 1909م. سافر بعد ذلك إلى فرنسا ليحصل من هناك على درجة الدكتوراه"، بحسب السيرة التي أفردتها له مؤسسة "هنداوي" للنشر الإلكتروني.

انشغل هيكل بأمر الجاليات المسلمة في البلاد التي زارها، إذ أنه يرى "أننا معشر المسلمين متهمون بأننا نقول ولا نفعل، ويعلو صياحنا في بعض الأحايين،"... ما دوّنه محمد حسين هيكل في رحلاته إلى الغرب

تلك النشأة داخل عائلة ميسورة أهّلت حسين هيكل للسفر خارج البلاد لأول مرة في السابع من تموز/يوليو عام 1909. وكما يقول في كتابه "مذكرات الشباب": "أول مرة في حياتي أضع فيها قدمي على غير أرض مصر"، فتم توديعه بالدموع، وسلّم عليه إخوانه الشبان ثم وقفوا جانباً، وقبّله أهله وإخوانه قبلة الوداع.


ارتحل محمد حسين هيكل خارج مصر أكثر من مرة في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، إما لحضور مؤتمرات سياسية أو صحفية، وإما للترويح عن النفس، خلال تلك المسيرة التي انتهت بوفاته عام 1956، ودأب على تدوين رحلاته خارج البلاد، فأصدر بشأن تلك الرحلات ثلاثة كتب، هي "شرق وغرب"، و"ولدي"، و"مذكرات الشباب".

تحفل الكتابة في رحلات هيكل بلغة روائية مدهشة، وأوصاف في غاية الشاعرية، وهو ما يبرز بشدة في مقدمة كتابه "ولدي"، الذي دوّن فيه رحلاته برفقة زوجته هرباً من آلام فقدِ ابنهما التي تحاوطهما من كل جانب في مصر.

يقول هيكل في مقدمة كتابه: "بلغ بي الملال ففكرت في هذا السفر، ولم أجد خيراً من أوروبا مصحّاً لزوجتي ولي، فسافرت وإياها في 19 من يوليو سنة 1926 على الباخرة مونجوليا من بواخر (بنينسيولار وأورينتال) قاصدين مارسيليا فباريس، وكان لي أربعة عشر عاماً لم أرها لما ضربت الحرب ثم تصاريف الزمن بيني وبين أوروبا جميعاً من حجاب، وقضينا في باريس ثلاثة أسابيع، ثم غادرناها إلى لندن حيث قضينا سبعة عشر يوماً، ومنها عدنا إلى باريس لنمر بها مروراً، فقضينا بها أسبوعين آخرين".


يضيف هيكل: "ومن باريس سافرنا في 12 من سبتمبر قاصدين جبال الألب في السافوا العليا لننتقل منها إلى سويسرا نقطعها من الطرف الفرنسي إلى الطرف الإيطالي، ثم ننحدر إلى البندقية نزورها ونأخذ بعد ذلك الباخرة حلوان من بواخر (اللويد ترييستينو) لترسو بنا في الإسكندرية في 18 من أكتوبر يوم تمام الشهر الثالث لمغادرتنا مصر. وبحسبي تقديراً لأثر هذه السياحة أن أذكر كلمة كانت تكررها زوجي: (إن باريس ردت إليَّ طعم الحياة)".

رحلات بنكهة إسلامية

من بين عشرات الكتب التي تركها محمد حسين هيكل طوال مسيرته الأدبية، نستخلص أن جميعها يجنح نسبياً نحو العالم الإسلامي والسيرة النبوية، فكتب "حياة محمد"، و"في منزل الوحي"، و"الفاروق عمر"، و"عثمان بن عفان بين الخلافة والملك"، وغيرها من الكتب الأدبية والسياسية.

أما إسهامات هيكل في مجال الرحلة فلم تكن بالمعنى المتعارف عليه في أدب الرحلة، من حيث وصف الأماكن وطبائع الشعوب، ووقوف على السياق السياسي والتاريخي لتلك البلدان، وإنما كانت انطباعات سريعة يغلب عليها المقارنة بين ما تركه في بلاد العرب، وما أبهره أو كرهه عند الغرب، وفي الغالب حاول الموازنة بين كليهما.

فمثلاً، كانت لباريس معزّة هائلة في قلب هيكل، فكان طبيعياً أن تكون أولى البلاد التي يرتحل إليها. لكن كاتبَ أشهر سيرةٍ نبوية في العصر الحديث كان حديث عهدٍ بالتعامل مع نساء العالم الغربي، لذلك ارتبك حين باغتته فتاة فرنسية حسناء، في قطار ليون، حين دخلت عليه فتاة غرفته في القطار "ووضعت شنطتها على الرف وجلست إزائي فجعلت أدير نظري ساعة إلى جهة النافذة وأخرى ألقي به الأرض وثالثة أغمض عيني خيفة أن تقع عليها، واستولاني خجل لا أفهمه، فلما تحرك القطار انتهزت فرصة اشتغالها ببعض أمرها وانسحبت خارجاً أريد أن أرجع إلى حيث كنت فوجدت أصحابي قد أقفلوا الباب وطمسوا علي النور".

ذلك الموقف المباغت من الفتاة، أشعل أسئلة شتى في عقله، أو كما يقول في "مذكرات الشباب": "وقفتُ في الممر حائراً أسأل نفسي أليس ممكناً أن يكون المحل الذي جلستُ فيه محجوزاً (للستات)؟ ولكن بابه لا يدل على شيء من ذلك. أليس ممكناً كذلك أن تكون هاتهِ الفتاة وجدتني مفرداً فمالت عندي تريد أن تغريني؟ استحوذت هاتِه الفكرة عليَّ تهيج في نفسي أحياناً من السرور وأخرى من التخوف"!

"بحسبي تقديراً لأثر هذه السياحة أن أذكر كلمة كانت تكررها زوجي: (إن باريس ردت إليَّ طعم الحياة)"

لكن سرعان ما تحطمت النظرة العربية عن سفور الغرب، فيقول هيكل: "باريس. كَم حكى لنا عنها الحاكون حتى تصورت بيوتها بلوراً أو ذهباً، وأهلها لا يسير واحد منهم على قدميه، وشوارعها مع السكوت الأخرس مزدحمة لا يُستطاع السير فيها، وتتخطر النسوة في كل مكان، وينظرن لكل إنسان يردن أن يبتلعنه بأعينهن. وها أنا لا أرى من ذلك شيئاً"!

قوة الملاحظة لعقد المفارقة بين تناقض أبناء الشرق ووضوح رجال الغرب، يبرزها هيكل جلياً في سويسرا بقوله: "كنَّا مع صديق يحكي لنا وقائع سكره وفتكه بالنساء، وكم كان ـ جازاه الله ـ حلواً في حكاية وتنسيق وقائعه، كما كان كثيرها إلى حد ما تصورته من قبل أبداً، وقال لنا كذلك سبب تركه الصلاة التي كان يحافظ عليها محافظة الناسك؛ ذلك أن دخل مرة سكران والساعة الثالثة بعد نصف الليل، ولم يكد يضع رأسه فوق مخدته حتى جاءه أبوه يناديه لصلاة الفجر، فقام وأخذ دشّاً يطهر به وصلَّاها، فانتابته حمى ظل في أثرها شهوراً، فحلف من بعدها أن لا يصلي؛ إذ إنها الصلاة جاءته بها. ثم انتقلنا بعد ذلك لحديث آخر جاء في خلاله أن تلوت آية من القرآن، فنظر هو إليَّ وقال: أولاً. أنت طاهر؟"!

واقعة مشابهة أيضاً حدثت له في إنجلترا، فيقول في "مذكرات الشباب": "كنت في إنجلترا وصديق يترافع عن الدين الإسلامي أمامي مرافعته أمام من لا يدين بذلك الدين، يدافع بكل قواه وينصر المبادئ التي قررها، وأنا أوافقه أغلب الأحيان فلا يزداد إلا حدة واندفاعاً (...) فلما أنهكه التعب وجاء عليه اللغوب التفت إليَّ قائلاً: "الواحد تعب… تعال يا شيخ نأخذ كاس ويسكي"!

انشغل هيكل بأمر الجاليات المسلمة في البلاد التي زارها، إذ أنه يرى "أننا معشر المسلمين متهمون بأننا نقول ولا نفعل، ويعلو صياحنا في بعض الأحايين، وإذا كل منا انقلب إلى داره لا يفكر إلا في نفسه وفي مصالحه، ثم لا يكون له من صياحه إلا أنه خدع الناس عن أنانيته، أفنستطيع أن ندفع هذه التهمة بعمل في هذا الأمر الخاص بأقليات المسلمين يكون له في العالم كله مظهره وأثره، إن للأمر من الخطر في شتى صوره ما لا يغيب عن النظر، فليعمل المسلمون، وليكونوا بذلك قوة ذات أثر فعال في حياة العالم"، بحسب ما أورده في كتابه "شرق وغرب".

"ولقد كنت أشعر بالحيرة حين أحاول التقريب بين هذين اللونين من ألوان الحياة يتجاوران في البلاد الإسبانية وفي النفس الإسبانية، وبقيت في هذه الحيرة طيلة مقامي بين القوم ولم ينجني منها إلا أن عُدت إلى مصر"

الأمر ذاته كرره هيكل في كتابه "شرق وغرب"، حين التقى بعض المسلمين في فنلندا، وسألهم: لماذا لا يقيمون مسجداً تُؤدى فيه الشعائر؟ فأجابوه بأن تكلفة بنائه ـ وقتهاـ تتكلف مئة ألف جنيه؛ لكنهم يضيقون بالاكتتاب في هذا المبلغ كله، فرأى الكاتب المصري أن الحل في القاهرة، قائلاً: "في يقيني أن جمع مبلغ خمسين ألف جنيه تُرصد في حساب خاص ببنك مصر لهذا الغرض، والإشراف على إقامة المسجد من أيسر الأمور، وأني لأرجو متى عُدت إلى مصر أن أتفاهم مع دولة عبد الله بك اليافي على الطريقة التي ندعو بها العالم الإسلامي للاشتراك في هذا الاكتتاب، وللإشراف على إقامة المسجد".

شرقية أم غربية؟

حين زار محمد حسين هيكل إسبانيا خصص فصلاً في تدويناته التي جمعها في كتاب "شرق وغرب" عنوانه " إسبانيا… شرقية أم غربية؟" وتساءل: "أقول هذا ثم لا تطاوعني نفسي لأنصرف عن التفكير فيما كان العالم يصير إليه لو أن إسبانيا بقيت إسلامية، فبقيت أمريكا الجنوبية وبقيت المكسيك إسلامية مثلها، وتكلم الجميع اللغة العربية، ولقد تمكن هذا التفكير من نفسي حتى أفضيت به يوماً إلى شاب إسباني مهذب، فقال مبتسماً: ترى لو أن ذلك كان، أفكنت أنا اليوم أسعد مما أنا، إن استطعت أن تؤكد لي ذلك شاركتك فيما يدور بخاطرك، أما وأنت لا تستطيع أن تُؤكده، وحوادث التاريخ تجري بقدر لا سلطان لأحد عليه، فلا غناء في هذا التفكير الذي يشغل بالك، ولا نتيجة له في حياة الوجود".

ولعل أقرب ما يلخص رحلات محمد حسين هيكل المغلفة بوازعه الديني، مقاله في ختام حديثه عن إسبانيا، بقوله: "ولقد كنت أشعر بالحيرة حين أحاول التقريب بين هذين اللونين من ألوان الحياة يتجاوران في البلاد الإسبانية وفي النفس الإسبانية، وبقيت في هذه الحيرة طيلة مقامي بين القوم ولم ينجني منها إلا أن عُدت إلى مصر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard