شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!
حارسٌ أم شيطان... متى نتخطى قلق الأمومة؟

حارسٌ أم شيطان... متى نتخطى قلق الأمومة؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والمهاجرون العرب

الخميس 26 يناير 202303:25 م

عن قلق الأمومة وشياطينه

كان عمرها عامين، عندما ابتلعت ليزا بطاريةً معدنيةً بحجم زر صغير. علِقت في بلعومها وتدفقت الكهرباء التي في داخلها إلى أنسجة المريء، فأتلفتها وثقبته. دخلت الطفلة في غيبوبة لأسبوعين، حاربت خلالها مع طبيبها للاستمرار حيّةً.

ثماني سنوات عمر ليزا اليوم. تأكل وتشرب، لكن لا بد أن تعلق بعض البقايا في المريء المصاب، وتسبب لها نوبات من السعال والقيء. اضطراب صحي سيرافقها بقية حياتها، برغم الجراحات الـ75 التي أجرتها على مدار سنواتها الغضّة.

بذهول وذعر أتابع القصة الحقيقية عبر إحدى القنوات، وأعود بالذاكرة إلى وقتٍ مضى، عندما علِقت قطعة بطيخ في بلعوم ابني، ولم يكمل وقتها عامه الأول. انتشله والده من كرسي الطعام، وقلبَ رأسه إلى الأسفل وضرب أعلى ظهره. وجههُ الطري غالبَه الاحمرار وعيناه جحظتا إلى الأمام، لأجزاء من الدقيقة، قبل أن تسقط قطعة البطيخ ويستعيد نفَسه مجدداً.

لم نتجاوز سنَّ الخطر بعد. عامان وأربعة أشهر ولا يزال فضول عصفوري واضحاً تجاه الأشياء، يكتشفها بيديه وبلسانه أيضاً، بينما الخوف والقلق من الأطعمة لم يفارقني. باتت لدي لازمةٌ أقولها في أثناء تناوله الطعام: "ماما امضغ... بعدها ابلع"، ويدركها ويرددها كما هي. لا يزال يتحدث عن ذاته بضمير المخاطب.

للقلق أشكالٌ وأطوالٌ وقياسات، وقد وجدتُ قلقَ الأمومة أشدَّها وأشقّها. قلقٌ بجناحين وذيل. قلقٌ لا أبعاد له كأصابع ساحرة ماكرة. قلقٌ من الطعام، من المرض، من المستقبل، من الآخرين، من الحياة... إلى درجة أنني أتمنى لو بقي يسبح في جوفي بعيداً عن جنون الكون وسمومه.

أن تنجبي ولداً في البلاد العربية

جذور قلقي بدأت مع بدء الحمل؛ كيف ستجري الأمور؟ هيئة المولود وصحّته وتمام تخلّقه، وأفكار أخرى كثيرة تتأرجح وتتثاقل، ولن تهدأ حتى يخرج الطفل من مرحمه معافى، ثم ما يلبث القلق أن يتحول ويتعاظم ويستمر، ومحاولات السيطرة عليه سوف تتطلب الكثير.

للقلق أشكالٌ وأطوالٌ وقياسات، وقد وجدتُ قلقَ الأمومة أشدَّها وأشقّها. قلقٌ بجناحين وذيل. قلقٌ لا أبعاد له كأصابع ساحرة ماكرة. قلقٌ من الطعام، من المرض، من المستقبل، من الآخرين، من الحياة...

خمسة ملايين طفل ماتوا حول العالم خلال عام 2021. رقمٌ تقرّه الأمم المتحدة وأسمعه عبر الراديو منذ شهر. أفكّر في تلك العوائل المكلومة وأمتنّ لله وللحياة على نعمتي التي تكبر ومعها تتسع الدهشة والفرح. برغم ذلك، سيبقى القلق عالقاً، فنسبة من الأرقام الواردة في التقرير كائنة في بلادنا العربية. ينجز زملائي في رصيف22، ملفاً تحت عنوان "أن تكوني أمّاً لفتاة في البلاد العربية". أن أكونَ أماً لفتى في البلاد العربية هو أيضاً تحدٍّ ومخاطرة، هذه الجغرافيا المُثخنة بالحروب والمآسي والاقتصادات المهلهلة ستعطيني مزيداً من الأسباب والخيوط لأقلق أكثر وأكثر.

أحاول لملمتها خيطاً تلو الآخر. أبحث عن حلول ومخارج، لعل أنجعها التركيز على اللحظة الآنية. التكيف مع صعوباتها وهناءتها. لكن اللحظة قد تطول وتطول ويتوقف الزمن عندها. تحديداً لحظة المرض.

الحرارة، شبحنا الأكبر، أول الخوف وليست آخره. زائر تظنه عابراً، لكنه لن يمر هكذا. بتّ الآن أكثر عمليةً وسرعةً في التعامل معها ومع حالات مرضية أخرى. أستجمع وعيي وحضوري الذهني عند مرض صغيري. لا خيارات أخرى لدي، خاصةً في الغربة.

أستثني مواقف حدثت مؤخراً تدهورت فيها صحته مع دخول الشتاء وتغيّر الطقس. دخلنا متاهة التحاليل والأشعة. النتائج كانت جيدةً، وخلال أسابيع استردّ عصفوري عافيته، لكنه كان وقتاً مثقلاً بالقلق والبطء، خفّف وطأته دعم بعض الأهل والأصدقاء.

أكاد أجزم أن مرض الأبناء أشد محنة تعبرها العائلة، ولعلها أشد ثقلاً على الأبوين منها على الأبناء. حتى في أيام العافية يمسي قلق المرض ظلاً غليظاً لا يبرحنا، غولٌ يبتلع الطمأنينة ويملأ القلب والمكان بالعتمة، أو كما تقول إيزابيل الليندي عن قلقها على ابنتها باولا: "هناك شيء قاتم في الداخل، إنه يبدو في البدء مثل الهواء في الليل، ظلماتٌ شفافة، لكنه ما يلبث أن يتحول إلى رصاص كتيم. أحاول تهدئة نفسي وتقبّل ذلك السواد الذي يحتلّني بالكامل".

الحياة ظلال رمادية

القلق حالةٌ عاطفية وذهنية ناتجة عن تهديد حقيقي أو متخيل، وتعكس عدم اليقين في ما يتعلق بالواقع والمستقبل. أحاسيس القلق تُرسل إشارات تحذيريةً كيميائيةً إلى الدماغ عبر هرموني الكورتيزول والأدرينالين، فيتخذ الجسم قراراً بالدفاع. هذا تعريف علماء النفس للقلق.

يؤكدون أن القلق حارسنا الشخصي، لأنه وسيلة للاستمرار، ينذرنا بالخطر ويحثنا على اتخاذ القرارات لحماية أنفسنا، لكن استمراره يسبب المشكلات خاصةً في غياب آليات حل المشكلة. وهنا يتعمق القلق ويتفرع إلى أنواع أعقد وأكثر تحديداً.

في كتابها "التحرر من قلق الأمومة"، تؤكد الدكتور Dr Catherine Green، أن القلق عاطفة إنسانية يختبرها البشر جميعاً، لكنها لدى الأمهات أكثر عمقاً وإشكاليةً، ولو شرّعت الأمهات أفكارهن وقلوبهن للقلق فإنه سيمتص كل فرح لديهن ويمنعهن من التمتع والاستمرار في الأمومة.

نصائح وأدوات عملية لإدارة القلق والتغلب عليه، تقدمها الباحثة الإنكليزية في كتابها، أقرأها وأحاول إسقاطها على حياتي وإدراك مدى نجاعتها للسيطرة على قلقي.

أشارك قلقي بعض الأهل والأصدقاء، والقرّاء أيضاً، كما تنصح Green، معللةً أن البوح أو العلاج بالكلام، نوع من التطبيب السلوكي المعرفي، أثبتت الدراسات أنه فعال في التصدي للقلق.

خذي وقتك ولا تجلدي ذاتك، جلد الذات شيطان آخر سيزيد الأمر سوءاً ويمنعك من التقدم، ركزي على إنجازاتك، الصغيرة منها قبل الكبيرة، فالانتصار هو متتالية لانتصارات صغيرة تستحق أن تقفي عندها وتحتفي بنتائجها

دراسة قد لا تفيدكِ، عزيزتي القلقة المتحفّظة، وبرغم ذلك تطالبك الباحثة بالتعرف على قلقك ونوعه، وتحديد الأفكار والصور والتخيلات التي تنتابك، والعواطف المرافقة لها: "كلما زادت معرفتك بأنماط تفكيرك وسلوكك، اقتربت من فهم آلية عمل المشكلة وكيفية اتخاذ الخطوات للخروج منها".

بعد إدراكك لما تمرّين به، خذي نفساً عميقاً، ولا تستسلمي لهذه الصور والمخاوف: "تذكّري أن الأفكار المقلقة مجرد أفكار وليست حقائق، تذكّري أيضاً أن شعورك بالخطر لا يعني أن الواقع كذلك، لذلك لا تعبري بعواطفك إلى الواقع فإن في ذلك مصيدة".

في حال نجوتِ من هذه المصيدة فهذا جيد، ولو بقي قلقك عالقاً في رأسك، عليك بالتشتيت، بمعنى، تحويل التركيز إلى أمور أخرى أكثر أهميةً وفائدةً، انغمسي فيها وأعطِها مساحةً تحول دون استمرار القلق.

خذي وقتك ولا تجلدي ذاتك، جلد الذات شيطان آخر سيزيد الأمر سوءاً ويمنعك من التقدم، ركزي على إنجازاتك، الصغيرة منها قبل الكبيرة، فالانتصار هو متتالية لانتصارات صغيرة تستحق أن تقفي عندها وتحتفي بنتائجها. هكذا تقول Green.

أُنهي الاستعانة بكتاب "Break Free from Maternal Anxiety"، بالجزم بأن السعي وراء اليقين والنتائج المضمونة، يزيد من الشك ويفاقم القلق، لذلك علينا، نحن معشر الأمهات القلقات، قبول فكرة عدم اليقين في غالبية أمور الحياة والتعايش معها: "الحياة ليست سوداء أو بيضاء، بل هي ظلال رمادية. فهمُ ذلك سيدفع قلقنا إلى التبدد".

لن نتخطاها ولكن...

ترجمة هذا الحبر إلى أفعالٍ تتطلب صلابةً ومضاء، أمرٌ ليس بالهيّن، لكننا سنحاول، لأجلنا ولأجل أطفالنا. المواصلة هي البوصلة لمواجهة القلق والتحرر منه. كل ما علينا أو -ما عليّ الآن- أن أُشبع صغيري الحب والأمان والفرح، ليمتلئ بالقوة والثقة ويستطيع مواجهة جنون الحياة واضطرابها المستمر.

في مسلسل أمريكي يُعرض بطريقة وثائقية، يقول أحد أبطاله في نهاية حلقة مخصصة عن قلق الآباء: "يخاف الجميع من شيء ما، المرتفعات أو المهرجين أو الأماكن الضيقة، هذه أشياء يمكنك تخطيها، لكن هناك أطفالنا! هل سيتأقلمون؟ هل سيكونون آمنين؟... هذه مخاوف لن نتخطاها، لذا كل ما يمكنك فعله هو أخذ نفسٍ عميق، وجذْبِهم قربك، وتأمُّل الأفضل".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بين دروب المنفى وذكريات الوطن

خلف كلّ مُهاجرٍ ولاجئ، حياة دُمِّرت وطموحاتٌ أصبحت ذكرياتٍ غابرةً، نُشرت في شتات الأرض قسراً. لكن لكلّ مهاجرٍ ولاجئ التمس السلامة في أرضٍ غريبة، الحقّ أيضاً في العيش بكرامةٍ بعد كلّ ما قاساه.

لذلك هنا، في رصيف22، نسعى إلى تسليط الضوء على نضالات المهاجرين/ ات واللاجئين/ ات والتنويه بحقوقهم/ نّ الإنسانية، فالتغاضي عن هذا الحق قد يؤدّي طرديّاً إلى مفاقمة أزمتهم والإمعان في نكبتهم. 

Website by WhiteBeard