أمّي أنهت مهامها في الأمومة... ألا تستحقّ مقالاً؟

الاثنين 21 مارس 202204:07 م

كانت مِيليا في الخامسة عشر من عمرها عندما أهداها والدُها "طرطيرة" (واسطةُ نقلٍ بثلاث عجلات)، لتفوّقها في الشهادة الإعدادية. كان ذلك في نهاية سبعينيات القرن الماضي، لكن حدثاً سيمنع ميليا من استقلال هديتها، لتذهب في رحلة نحو ضفافٍ مغايرة وبعيدة.

أستاذ اللغة العربية كان من المهنئين، وخلال زيارته سيُدهَش بوجهٍ آخرَ لطالبته المجدّة؛ شابة تنبض جمالاً وحيويةً، بقدّ طويلٍ مكتنز، ووجه ناصعٍ بِكر، يعاود زيارتهم بعد أيام، ويطلب يدها.

يقول محللون نفسيون إنّ الفتاة تبني هويتها كأم على شاكلة أمها، وأتساءل إن كنت سأربي ابني بالأسلوب ذاته الذي تبنّته أمي.

والدُ ميليا يعي طموحَ ابنته ويدعمه، ومع ذلك سيعطي هذا القادمَ فرصةً. شابٌ وسيم، ابن عائلة كريمة، لا مالاً كثيراً لديه، فقط شهادة جامعية وحضور يكسب القلوبَ باتزانه وخِفته.

لم تدرك ميليا أن المدرسة ستُمنع عنها بعد زواجها، وأن مدرستها الجديدة ستكون بيتاً وحياةً يملؤهما ستّة أطفال كنتُ أكبرَهم. أما الدروس والتجارب فسوف تكون صادمةً وقاسيةً؛ ضنك وفراق وموت، ما سيكسر أمي ويعيد بناءها كشجرة أيك ضاربةٍ في الأرض وظلها يسع الكون.

لأمي ألف كفٍّ وقلب

"أمي تصعد سطح منزلنا

تمسك يد المقشة

وتزجر القمر بعيداً

كي لا يعرف عددَ دجاجاتها"

لم تكن لأمي دجاجاتٌ كأم الشاعر عماد أبو صالح، ولا وقت لها لتلمح القمر، أو لتهدهد لنا قبل النوم. كانت لديها آلة خياطة، تقدّرها وتلازمها، وتواجه بها الحياة. أقمشةٌ متناثرة هنا وهناك، وأثوابٌ معلقة بعدما أُعدّت بإتقان. إتقانٌ اعتادت عليه أمي ونقلته إلى أخريات، عبر ورشات للخياطة كانت تقدّمها كل حين. محاولاتٌ لفتح أبواب أخرى للرزق، الذي سيأتي أيضاً عبر بيعها زرائع بيتيةً وعبر بيع الملابس الجاهزة.

بقيت الدراسة هاجساً لدى أمي، فنالت الشهادة الثانوية مرتين، أولاهما بينما كنتُ في الصف الرابع الابتدائي، ولظروف عائلية ولوجستية، لم تكمل دراستها الجامعية، ثم لسنوات ستغطي ساعات تدريس في المرحلة الابتدائية، أي تعمل مدرّسةً مؤقتة.

في أريافنا البعيدة، النساء جميلاتٌ، ولهن همّة صلبة وإرادة لا تلين. أمي أجملُهن وأصلبُهن. نعم أصلبُهن، لها ألفُ كفٍّ وقلب، صهرت وقتها وحياتها وفكرها، لتعيل تلك الأفواه والأجساد الغضة.

يقول محللون نفسيون إنّ الفتاة تبني هويتها كأم على شاكلة أمها، وأتساءل إن كنت سأربي ابني بالأسلوب ذاته الذي تبنّته أمي، وإن كنت سأستغرق في تجربة الأمومة حتى العتبة التي ستسحقني في سبيل هذا الكائن الصغير، أم أن تجربتي مع الحياة ستجعل التفاصيل تقود أمومتي بدفة أخرى مختلفة. لكن اليقين أنني أستلهم الكثير من قوتها وصبرها، وأتكئ عليها في الأوقات الصعبة.

كان حزن أمي غيرَ مألوف؛ لم تصرخ، ولم تلطم، ولم تضجّ. كانت تجلس متأهبةً وعيناها ترنوان إلى نقطة بعيدة لن يحددها غيرها، والدموع تتفجّر على خديها من دون توقف. بعد مرور حين على وفاة علي، أخبرتني بأنها كانت بكامل قوتها، تنتظر أن يخبرها أحدٌ أنه حيٌّ في مكان ما

فُراق علي

في إحدى ليالي تموز الصيفية، أنهت أمي أعمال الخياطة وتناولت سريعاً مكدوسةً وكأس شاي، ثم استغرقت في النوم، لتستيقظ بعد ساعتين على خبر سيغيّر حياتها ويغلّفها بالسواد لسنوات طويلة.

استقلّ أخي علي في تلك الليلة دراجته النارية، وبينما كان يسير على الطريق، تقتلعه حافلة وترميه على جانب الطريق، حيث تتلقفه شجرة تين، لكنها لم تمنع ملاك الموت من انتزاع روحه.

كان حزن أمي غيرَ مألوف؛ لم تصرخ، ولم تلطم، ولم تضجّ. كانت تجلس متأهبةً وعيناها ترنوان إلى نقطة بعيدة لن يحددها غيرها، والدموع تتفجّر على خديها من دون توقف. بعد مرور حين على وفاة علي، أخبرتني بأنها كانت بكامل قوتها، تنتظر أن يخبرها أحدٌ أنه حيٌّ في مكان ما، كي تجري سريعاً لإحضاره، بينما النار تضرم قلبَها، لأن الشمس ستشرق بعد ساعات ولن يرى نورَها علي.

قرأتُ أن الموت موجودٌ بيننا دائماً، ويرافقنا في طريقنا أينما تمشينا، في وجبة إفطار أو في طرف كوب نشربه، وكخلفية مكتوبة بحروف باهتة، ستظهر فجأةً، لتمزقَ حياتنا الهشة وتعيد تركيبها على نحو مختلف. وهذا ما عاشته أمي. ستتغير مفاهيم الحياة لديها بعد وفاة علي، وسوف تتكيّف معها بقوةٍ تستمدها من بقية أولادها ومسؤولياتها تجاههم.

اثنان وعشرون عاماً مرت على الفراق، طبعت حياةَ أمي بالكثير من المتغيرات، ولا تزال خيالات علي عالقةً على جدران القلب والذاكرة.

في عامها السابع والخمسين، تجلس أمي على ضفة أخرى من الحياة، بعدما أنهت مهامها في الأمومة، وتخلّت عن آلة الخياطة، تراقبنا وتلاطف أولادنا، وتظللنا بملاحظاتها وأحياناً مشاحناتها

عادية بقدرات غير عادية

في عامها السابع والخمسين، تجلس أمي على ضفة أخرى من الحياة، بعدما أنهت مهامها في الأمومة، وتخلّت عن آلة الخياطة، تراقبنا وتلاطف أولادنا، وتظللنا بملاحظاتها وأحياناً مشاحناتها.

أما الوقت فتمضي جلّه في القراءة والكتابة، تعيش انسجاماً جسدياً وروحياً وعقلياً، يملؤه الوعي والتنوير، بعد ممارستها اليوغا لسنوات، الأمر الذي ساعدها على الشفاء من بعض أوجاعها، والاستمرار بقدر جيد من الصحة والسلام والهدوء. تحاول أمي نشر ثقافة اليوغا عبر الدروس والورش، يقيناً منها بأهمية ممارستها في تغيير شكل الحياة وجوهرها نحو الأفضل.

الممثلة والحكاءة المصرية عارفة عبد الرسول، أخبرتني يوماً أننا "نحن، الناس العاديين، لدينا حكاياتٌ شخصية تحمل مضامين وغنى قد لا نتخيلهما، كل ما علينا روايتُهما". أمي امرأة عادية لكن بإمكانات غير عادية. بقصدٍ، أو من غير قصد، أدركتْ معنى الحياة، فواجهتها وانتصرت عليها، وها هي تستعد اليوم لتروي حكاياتِها في إصداراتٍ قد ترى النور قريباً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard