شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
حراك استخباراتي علني في السودان... ماذا تفعل تركيا في الخرطوم؟

حراك استخباراتي علني في السودان... ماذا تفعل تركيا في الخرطوم؟

سياسة

الأربعاء 25 يناير 202312:40 م

شهدت نهاية العام 2020، وصول أول وفد رسمي إسرائيلي إلى الأراضي السودانية، وذلك بعد فترة قصيرة من إعلان دخول السودان ضمن ما عُرف بـ"اتفاقيات أبراهام"، التي أُعلن من خلالها عن تطبيع أربع دول عربية علاقاتها مع إسرائيل، في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وفي ظلّ ظروف سياسية معقدة يعيشها السودان بعد الإطاحة برئيسه عمر البشير، في ثورة شعبية، تلتها خلافات حادة بين القوى العسكرية والمدنية في البلاد.

كان لافتاً حينها أن الوفد الإسرائيلي ترأسه وزير الاستخبارات آنذاك ووزير الخارجية الحالي، إيلي كوهين، وهو من الشخصيات الاقتصادية التي تولّت وزارة الاقتصاد قبل الاستخبارات، ما يُعدّ إشارةً واضحةً إلى الأدوار التي ترغب إسرائيل في لعبها في السودان، والتواجد بشكل أكبر بالقرب من الساحة التي حاولت تركيا تثبيت وجودها فيها، من خلال مشاريع عسكرية واقتصادية وتنموية.

في المقابل، أعلنت تركيا، في 16 كانون الثاني/ يناير الجاري، عن زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركية هاكان فيدان، إلى الخرطوم، وهي زيارة ذات مغزى، وفي توقيت مهم بعد زيارة رئيس جهاز المخابرات المصري عباس كامل، إلى السودان مطلع العام الجاري، وزيارة مدير المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز، إلى ليبيا.

يشكّل كل من السودان وليبيا على حد سواء، مجالاً حيوياً مهماً لأنقرة على الصعيدين الأمني والاقتصادي، فليبيا شهدت مواجهةً عسكريةً غير مباشرة بين مصر وتركيا، كما تُشكّل الأخيرة ملفاً بالغ الحساسية في ظل ارتباطه بالحدود البحرية، و"الوطن الأزرق"، وطموحات أنقرة في غاز البحر الأبيض المتوسط، فيما يشكل السودان عمقاً إستراتيجياً لتركيا في القرن الإفريقي، وتحديداً مع امتلاك أنقرة قاعدةً عسكريةً في الصومال، واستئجارها جزيرة "سواكن" السودانية في البحر الأحمر. وعليه، رغبة تركيا في التواجد عسكرياً واقتصادياً على سواحل البحر الأحمر تبدو واضحةً للغاية.

تطمح أنقرة في غاز البحر الأبيض المتوسط، فيما يشكل السودان عمقاً إستراتيجياً لتركيا في القرن الإفريقي

وتفتح زيارة كلا الرجلين، كامل وفيدان، إلى السودان، باب الأسئلة حول أسبابها، مع سعي أنقرة المستمر إلى تجاوز أي عقبة في علاقاتها مع السودان وتحديداً مع الأدوار الإسرائيلية هناك من جهة، وتعزيز تواجدها في القارة الإفريقية من جهة أخرى.

كاتما الأسرار

"كاتم الأسرار"، لقب يتشاركه كل من كامل وفيدان لدى وصف علاقتهما برئيسي مصر وتركيا، وكلا الرجلين يشتركان في نقطة أساسية، هي تولّي ملفات غاية في الحساسية والأهمية لبلديهما، وهي أدوار معلنة وليست سرّيةً على عكس عمل الاستخبارات عموماً، وهذا لا يعني الإفصاح عن الأسباب الحقيقية للزيارات المعلنة.

سبق للسودان أن طلبت وساطة تركيا في ملف سدّ النهضة مع أثيوبيا، وهو ملف تشترك فيه السودان مع مصر بطبيعة الحال، وبرغم تراجع العلاقات التركية-السودانية في فترة ما بعد البشير، إلا أن تركيا التي تملك نفوذاً في العديد من بلدان القارة الإفريقية، قد تكون مؤهلةً للعب هذا الدور، وفي المقابل قد تكون للسودان القدرة على لعب دور وساطة في دفع ملف المصالحة المتعثر بين مصر وتركيا، في ظل الأزمات الاقتصادية التي يمرّ بها البلدان وحاجة كل منهما إلى الآخر في ملفات سوريا وليبيا تحديداً، عدا عن الشق الاقتصادي، بالإضافة إلى محاولات تركيا الحثيثة خلال العام الماضي للعودة إلى سياسة صفر مشكلات التي انتهجها حزب العدالة والتنمية منذ صعوده إلى سدة الحكم مطلع الألفية، بعد تغيير في السياسات في أعقاب الربيع العربي.

يصف المتخصص في الشؤون الدولية طه عودة، الزيارة بـ"اللافتة، في وقت حساس يمر به السودان، وبعد زيارة عباس كامل، فيما يبدو أن تركيا تريد لعب دور أكبر في إفريقيا، خاصةً في السودان، ضمن إطار تفعيل دورها في منطقة الشرق الأوسط".

ويضيف في حديثه إلى رصيف22: "عملية التفعيل تأتي من خلال لقاءات مع الشخصيات السياسية والأمنية والاقتصادية في العديد من الدول الإفريقية، بينما يُعدّ السودان دولةً مهمةً لتركيا برغم الفتور في العلاقات في ما بعد مرحلة عمر البشير".

ويشير عودة إلى أن "الملف الليبي يشكل عقدة المنشار الحالية في مسار عودة العلاقات بين مصر وتركيا"، كما يعتقد أن "السودان قد تلعب دور الوسيط بين الطرفين بالفعل خاصةً مع جهود التقارب بينهما والتي تسير بخطى بطيئة من جهة، والاجتماعات الليبية في القاهرة بغياب تركيا من جهة ثانية، كما تأتي بعد أيام من زيارة رئيس الاستخبارات الأمريكي إلى ليبيا".

من جهته، يلفت المستشار السياسي والباحث في السياسة التركية الخارجية باسل الحاج جاسم، إلى "وجود دول كثيرة يمكنها القيام بالوساطة بين مصر وتركيا"، ويستبعد في حديثه إلى رصيف22، أن "تكون زيارة فيدان إلى الخرطوم لهذا الغرض، لكن هناك إمكانيةً لمساهمة الخرطوم في تقريب وجهات النظر بين الطرفين".

تسعى أنقرة إلى تجاوز أي عقبة في علاقاتها مع السودان وتحديداً مع الأدوار الإسرائيلية هناك، وهي تريد تعزيز تواجدها في القارة الإفريقية، ولكن بأي أدوات وكيف؟

وإن لم تكن زيارة فيدان إلى الخرطوم، وهو رجل الأمن الأول تقريباً في تركيا وأحد أكثر الشخصيات المقرّبة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخل دائرة الحكم، لذاك السبب، فما هو سبب الزيارة التي تحمل طابعاً أمنياً، خاصةً أن التصريحات الرسمية لكلا الطرفين لم تخرج عن التصريحات العامة؟

طابع أمني-اقتصادي

يُعدّ هاكان فيدان الذي يرأس جهاز الاستخبارات التركية، إحدى الشخصيات الفاعلة في المشهد السياسي التركي داخلياً وخارجياً، فعدا عن محاولته بالفعل الدخول إلى العمل السياسي بشكل واسع عند تقديم استقالته من رئاسة جهاز الاستخبارات والترشح للانتخابات البرلمانية في عام 2015 (رُفضت استقالته حينها)، اكتسب جهاز الاستخبارات التركي شهرةً واسعةً في عهده خلال السنوات الأخيرة، مع العمليات الأمنية المتتالية لإلقاء القبض على مطلوبين تضعهم أنقرة على قوائم الإرهاب، وإفشال مخطط اغتيال إسرائيليين في إسطنبول من قبل شبكات إيرانية خلال الصيف الماضي، والإعلان عن تفكيك شبكة تجسس إسرائيلية.

قد لا يبدو غريباً اختيار أردوغان لفيدان للتعامل مع ملفات تتصل بالسياسة الخارجية التركية، إذ إن رسالة الماجستير التي حصل عليها الأخير، كانت حول "علاقة دور جهاز الاستخبارات بالسياسة الخارجية"، مع طرح جهازي استخبارات الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا كمثال على هذا الأمر.

ومن جهة أخرى، فإن سعي أنقرة إلى تعزيز نفوذها في القارة الإفريقية خلال السنوات الماضية (افتتحت أكثر من 42 قنصليةً وسفارةً خلال 20 عاماً في إفريقيا وحدها)، لا يمكن له أن يمضي من دون تواجد أمني إلى جانب الاقتصاد والثقافة والسياسة والتنمية، لذا ولكل هذه الأسباب تُعدّ زيارة فيدان زيارةً أمنيةً بطابع اقتصادي وسياسي كذلك.

ويرى الحاج جاسم، أن "زيارة شخصية على هذا المستوى، تحمل طابعاً أمنياً بحتاً لمناقشة ملفات كثيرة ومتعددة وذلك لقدم وتنوع العلاقات بين الطرفين، لكن الدلالة يمكن أن نجدها أكثر في توقيت الزيارة"، إذ يوضح أن التوقيت جاء في "ظلّ مساعي أنقرة لفتح صفحات جديدة مع معظم دول المنطقة وعنوانها التقارب وتصفير المشكلات".

تسعى إسرائيل إلى لعب أدوار أكبر في القارة الإفريقية منذ سنوات، وهي لا تنظر بعين الرضا إلى التحركات التركية هناك

في المقابل، يرى عودة أن "هدف الزيارة أمني بالدرجة الأولى، ولكن أيضاً ستكون لها تداعيات اقتصادية، خاصةً مع الاتفاقيات التجارية وفتح قنوات التواصل السياسي".

أين إسرائيل؟

بالرغم من التقارب الإسرائيلي-التركي خلال العام الماضي، وإعادة تبادل السفراء مجدداً والإعلان عن التعاون في عدد من الملفات التي تشكل أهميةً قصوى لكلا الطرفين وعلى رأسها الأمن والغاز، إلا أن إسرائيل التي تسعى إلى لعب أدوار أكبر في القارة الإفريقية منذ سنوات، قد لا تنظر بعين الرضا إلى التحركات التركية هناك، خاصةً مع إدراك الجانب الإسرائيلي لطموحات أنقرة على سواحل البحر الأحمر.

لدى أنقرة تواجد عسكري متزايد خارج حدودها، ووفق مركز الأناضول لدراسات الشرق الأدنى، إذ تملك تركيا نقاطاً وقواعد عسكريةً في سوريا والعراق وفي ليبيا (غير معلنة بشكل مباشر في الأخيرة)، وفي قبرص، فيما تمتلك قواعد عسكريةً في الصومال وقطر، وتعاوناً عسكرياً مع السودان وأذربيجان التي كان الدعم التركي لها في معاركها الأخيرة ضد أرمينيا لافتاً، عدا عن قواتها الموجودة في إفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية ومالي وأفغانستان والبوسنة والهرسك كجزء من قوات حلف شمال الأطلسي أو قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

وأعلن الرئيس التركي عن نية بلاده رفع التبادل التجاري مع القارة الإفريقية إلى 50 مليار دولار (25.3 مليار دولار حالياً)، وتُضاف إلى ذلك الأعمال الإنسانية والإغاثية التي تنفذها الوكالة التركية للتعاون والتنسيق "تيكا"، والتي لا يبدو من المصادفة أن ترأسها هاكان فيدان في وقت سابق، وذلك قبل عمله في جهاز الاستخبارات، عدا عن مئات المنح الدراسية في الجامعات التركية والتي تقدّمها أنقرة للطلاب الأفارقة.

هذه التحركات التي عملت عليها أنقرة طويلاً قد لا تبدو مريحةً لإسرائيل، التي سعت إلى ملء النفوذ المصري في القارة الإفريقية الغائب منذ سنوات (كانت هذه التحركات قد بدأت تحديداً بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956)، ولهذا الغرض يمكن فهم أسباب اختيار كوهين كأول سياسي إسرائيلي لزيارة السودان، استمراراً للتواجد السياسي والأمني الإسرائيلي في إفريقيا، ومن هذا المنطلق قد لا تنظر إسرائيل بعين الرضا إلى التحركات التركية.

ويرى الحاج جاسم أن "أي تحرك تركي في إفريقيا ستعدّه إسرائيل ذا طابع تنافسي، لكن وفي ظلّ عودة العلاقات بين الطرفين لن يثير مخاوف معيّنةً ضد الطرف الآخر خاصةً أن النشاط الإقليمي والدولي في إفريقيا ليس جديداً".

من جهته، يعتقد عودة أن المنافسة التركية الإسرائيلية في إفريقيا "ليست جديدةً، ولكنها ربما تسبب صداعاً لإسرائيل مع القبول الذي تلقاه تركيا في القارة الإفريقية واتّباعها سياسة الجميع يربح على صعيد الاقتصاد، بالإضافة إلى الطائرات من دون طيار وهو ما يؤثر بشكل ما على الدور الإسرائيلي هناك".

Website by WhiteBeard