شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
لماذا تقرّر لبنانيّات الولادة في مخيّمات اللجوء الفلسطينية؟

لماذا تقرّر لبنانيّات الولادة في مخيّمات اللجوء الفلسطينية؟

حياة نحن والنساء

الثلاثاء 24 يناير 202301:24 م
Read in English:

Why Lebanese women are choosing to give birth in Palestinian refugee camps

يأتي هذا المقال كجزء من مشروع "مش عَ الهامش"، 

والذي يسلط الضوء على الحقوق والحريات والصحّة الجنسيّة والإنجابيّة في لبنان.


راج قبل أيام خبر عن ولادة سيدة لبنانية ثلاثة توائم في مستشفى "الشهيد محمود الهمشري" التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في صيدا (جنوب لبنان) عقب نقل الأم من مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت لاستكمال متابعة الحمل منذ الشهر السادس وإجراء الولادة هناك. 

سعت الأسرة اللبنانية إلى توجيه الشكر بطريقتها لدولة فلسطين على الرعاية الصحية المميزة والمجانية في الوقت نفسه خلال استقبال أطفالها الثلاثة، فأقدمت على تسمية الأطفال وهم بنت وولدان "دولة، ومحمود، وعباس". 

تزامن الخبر مع تقارير صحافية في وسائل إعلام لبنانية عن "ظاهرة جديدة ما كانت معهودة سابقاً بدأت تنتشر وتتكاثر"، "بدأتها اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين" وتتمثل في لجوئهن إلى الولادة في المستشفيات في مخيمات اللجوء الفلسطينية "لأنها أرخص" رغم "المخاطر الأمنية المحتملة" لدخول اللبنانيات إلى المخيمات، وفق ما أوردت.

 وفي هذا التقرير، يسعى رصيف22 للتحقق من دقة هذه المزاعم، ومعرفة أثر الأزمة الاقتصادية المستفحلة في لبنان على الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية في البلاد.

ظاهرة جديدة؟

تنفي دكتورة منال وهبي، من دائرة الطب الوقائي بالهلال الأحمر الفلسطيني، لرصيف22، أن يكون تردد اللبنانيات على المراكز والمستشفيات التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني للولادة أمراً حديثاً وتقول إنه "منذ افتتاح جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني فروعها بجميع أنحاء لبنان، نستقبل الحالات المرضية المختلفة من جراحات وولادات ومن كافة الجنسيات".

"إذا رجعت حبلت مرة تانية رح أخلف عندن أكيد"... المزيد من اللبنانيات يتجهن إلى الولادة في مخيمات اللجوء الفلسطينية. هل هي "ظاهرة جديدة"؟ وما مغريات هذا القرار؟

قال مواطنون ومواطنات من لبنان إنهم ترددوا أو يترددون بانتظام على المخيمات الفلسطينية للحصول على الرعاية الصحية بما فيها متابعة الحمل والولادة وجلسات غسيل الكلى.

وتضيف د. وهبي أن هناك زيادة ملحوظة في نسبة اللبنانيات اللاتي يترددن على مراكز ومستشفيات الهلال الأحمر الفلسطيني للولادة "نظراً لتغير الوضع الاقتصادي الذي أثّر على كل فئات المجتمع"، موضحةً أنهم قادرون على استيعاب هذه الزيادة والتعامل معها وتقديم أفضل خدمة لها.

وتشدد: "المعاملة هي هي ما تغير شي بعد الأزمة الاقتصادية. عم نستقبل اللبناني والفلسطيني والسوري وغيرن".

الأمر نفسه يؤكده الدكتور عماد حلاق، مسؤول الإعلام في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني: "نعم، هناك زيادة في أعداد الحالات المرضية والولادات من اللبنانيين واللبنانيات بالمستشفيات التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني بسبب الأزمة الاقتصادية التي يمر بها لبنان".

كما يلفت إلى أن هذا يشكّل "زيادة في الضغط على المستشفيات. لكنه ليس عائقاً أمام رسالة الجمعية المتمثلة في تقديم الخدمة لكل محتاج دون تمييز، كما أنه لا يؤثر على الخدمات التي نقدمها للاجئين الفلسطينيين في لبنان".

وعن سبب إقبال اللبنانيات على الولادة في مستشفيات الهلال الفلسطيني، تُرشّح د. وهبي سببين، أولهما "توفر الخدمات الطبية الشاملة بتكلفة رمزية تقريباً" وثانيهما "الخدمة الجيدة جداً".

يؤكد د. حلاق ذلك، ويضيف: "لأن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني لا تبتغي الربح ومن ضمن مبادئها تقديم الخدمة لكل محتاج دون تمييز على أساس الدين أو الجنسية أو العرق. ما تقدمه الجمعية عبر دورها الإنساني نابع من رحم معاناة الشعب الفلسطيني الذي يتفهّم أي معاناة أو حاجة لدى أي إنسان ولا ننسى طبيعة الشعب الفلسطيني المعطاءة والسبّاقة إلى الخير وهي المبادئ التي تقوم عليها الجمعية".

ولا توجد أرقام رسمية محددة لأعداد ولادات اللبنانيات في المخيمات الفلسطينية، بحسب د. حلاق الذي يُشير إلى أن هناك نظاماً مالياً في الجمعية يحدد سعر الولادة، بينما يساهم الباحثون الاجتماعيون بدراسة وضع المريض على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وتحديد تكلفة العملية وفق مقدرته.

في الأثناء، تقول د. وهبي إن تكلفة الولادة في الهلال الفلسطيني راهناً، سواء كانت طبيعية أو قيصرية، تراوح بين خمسة ملايين و16 مليون ليرة لبنانية (بين 90 و296 دولار أمريكي بالسعر الحالي لليرة). علماً أن بعض السيدات اللاتي تحدثنا إليهن أشرن إلى تكاليف أقل حتّى من الحد الأدنى الذي أشارت إليه د. وهبي وهو ما قد يكون راجعاً إلى الخفض المترتب على الدراسات الاجتماعية التي تجريها جمعية الهلال الفلسطيني.

"نعم، هناك زيادة في أعداد الحالات المرضية والولادات من اللبنانيين واللبنانيات بالمستشفيات التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني بسبب الأزمة الاقتصادية التي يمر بها #لبنان". لكن التكلفة الاقتصادية ليست الدافع الوحيد وراء هذه الزيادة

وتنفي وهبي أن تكون الخدمة الصحية أقل تكلفة لأنها أقل جودة وتؤكد أن العناية الصحية في الهلال الفلسطيني "بتمام الجاهزية العلمية والمادية والتقنية". "نحنا هون عملنا إنساني، ومحايدين وما عنّا تصنيف (تقصد تمييز بين الجنسيات)" مستدركةً "اللهم إلا إذا إجت خدمات معينة محصورة لفئة معينة".

ولا تتوقف تكاليف الرعاية الصحية للحامل على الولادة، فهناك المتابعة الشهرية والتحاليل والفحوص المنتظمة والتي أُخبِرنا بأنها أقل بكثير في المخيمات الفلسطينية منها في المستشفيات اللبنانية. على سبيل المثال، "زيارة الطبيب النسائيّ تبدأ بمليون ليرة" فيما زيارة المتابعة والكشف الشهري في المخيم "لا تتعدى الـ150 ألف ليرة لبنانية (نحو ثلاثة دولارات)"، وفق صحيفة "الجمهورية" اللبنانية.

فقط لأن الخدمة أرخص؟

"خلّفت طبيعي. كانت ولادتي سهلة. تغلبت بس لما كان يجي الطلق، بس بنشكر الممرضين والدكاترة وقفوا جنبي وساعدوني. ومن بعد ما خلصت الولادة، رجعوا اطمنوا عليّ وفحصوني وسألوني إذا كنت موجوعة. بس الحمد لله كلو كان تمام، وخلق ابني نوح بصحة جيدة".

هذا ما تقوله الشابة اللبنانية ليندا الخطيب (23 عاماً)، من "طريق الجديدة"، عن ولادتها طفلها الأول، نوح، في مستشفى حيفا بمخيم برج البراجنة في الخامس من كانون الثاني/ يناير الجاري.

"جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني لا تبتغي الربح ومن ضمن مبادئها تقديم الخدمة لكل محتاج دون تمييز على أساس الدين أو الجنسية أو العرق. ما تقدمه الجمعية عبر دورها الإنساني نابع من رحم معاناة الشعب الفلسطيني الذي يتفهّم معاناة أي إنسان"

مراراً وتكراراً، خلال حديثها، أشادت الخطيب بتعامل الأطباء وأطقم التمريض معها، لافتةً إلى أنها اختارت الولادة في المخيم أولاً لقرب المستشفى منها، وثانياً لأنه "كان فيني أروح بأيا ساعة بدي ياها وكانوا يستقبلوني بأي وقت"، وثالثاً بسبب التكلفة المناسبة - ثلاثة ملايين ليرة لبنانية فقط (نحو 55 دولاراً أمريكياً).

أكدت الأم الشابة أن الكثير من صديقاتها اللبنانيات سبقنها إلى الولادة في نفس المستشفى وشجعنها على اتخاذ هذه الخطوة التي تقول إنها لن تتردد أبداً في تشجيع لبنانيات أخريات على القيام بها، مضيفةً "أنا حبيت معاملة الهلال الفلسطيني، إذا رجعت حبلت مرة تانية رح أخلف عندن أكيد. الدكاترة والممرضين كتير معاملتن منيحة كتير وبتشكرن. ما كان في تمييز أنو أنا من جنسية تانية".

قبل الخطيب بسنوات، قررت اللبنانية سما أحمد (اسم مستعار بناءً على رغبة المصدر) إنجاب أطفالها الثلاثة في مستشفى حيفا أيضاً بالدرجة الأولى لأنها قريبة من أهلها ولأن طبيبها بالمصادفة يقوم بالتوليد في المستشفى. كلّفتها الولادة القيصرية الأخيرة قبل بضعة أشهر 16 مليون ليرة لبنانية.

تقول أحمد إن الخدمة "منيحة ولا بأس بها" و"ما فيه عنصرية طبعاً" و"المهم قمنا بخير وسلامة". 

وقبل ثلاث سنوات ونصف، استقبلت هنادي شحادة (40 عاماً)، من بلدة "سعدنايل" في محافظة البقاع، طفلها في مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني بعد أن سألت في عدة مستشفيات لبنانية في البقاع والمناطق المجاورة، ووجدت أن ولادتها القيصرية ستكلف 700 دولار أمريكي.

تقول: "بوضع لبنان الحالي، المستشفيات كلّا نار. وأنا وضعي ما خرج إني أولّد بالمستشفيات هنا لأن الماديات تعيسة جداً. رحت على مستشفى الهلال ولدت هناك وكانت الخدمة كتير كتير كتير منيحة وبتجنن وقمنا بخير وسلامة". تكلفت ولادتها في الهلال الفلسطيني 250 دولاراً أمريكياً.

تُشجّع هنادي أي سيدة لبنانية على الولادة في المستشفيات التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني وتتابع: "إن شالله يا رب بالتوفيق للهلال الأحمر الفلسطيني وكل المستشفيات التابعة للفلسطينية لأنه عنجد عنجد عندن شفقة وعندن ورحمة. يعني ما عندن فارق (تقصد تمييز على أساس الجنسية) أبداً أبداً".

وتردف: "إذا بتروحي ع الوزراة (تقصد وزارة الصحة اللبنانية) وبيعرفوكي أنك بدك تولدي ع الوزارة (على نفقة الدولة) دغري بيقولولك أنو تخت ما فيه. دغري بيقفلوها بوجك وبيحطوا لك 900 ألف مليون علّة… وقت رحت ع مستشفى الهلال كانت الحمد لله ميسرة من كل النواحي. ما كنت متوقعة هيك. ما طلبوا متل مستشفيات لبنان بيقولو ادفعي مصاري بتفوتي تولدي، بينطروا الواحد يموت كرمال مصاري… (في الهلال) دخلوني وولدت وبعدين دفعت".

حاول رصيف22 التواصل مع وزارة الصحة اللبنانية ولم يتلقَّ رداً حتى نشر هذه السطور.

قصص النساء جديرة بأن تُروى كلها من دون استثناء. من المهم أن تُوثَّق وأن تُسمَع، لعلها تُحدث فرقاً، ولو كان صغيراً في البداية. شاركينا في أن نكون النسخ التي نسعى إلى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً؟ غيّروا، ولا تتأقلموا!.

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard