شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
بعبع الإنجاب في لبنان... كيف تتحوّل المعايير الاجتماعيّة في الأزمات

بعبع الإنجاب في لبنان... كيف تتحوّل المعايير الاجتماعيّة في الأزمات

رأي نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 20 يناير 202311:45 ص


 يأتي هذا المقال كجزء من مشروع "مش عَ الهامش"، 

   والذي يسلط الضوء على الحقوق والحريات والصحّة الجنسيّة والإنجابيّة في لبنان.

يعتبر الفيلسوف البريطاني كولنجوود في كتابه "فكرة التاريخ"، أن الاقتصاد محرّك أحداث التاريخ، إلا أنّ العديد من المفكرين/ات يحيلون إلى الإنجاب الدور في تحريك العالم وديمومته، فالمرأة أوّل أداة إنتاج عرفها التاريخ، وما الأطفال سوى بيادق في دورة الاقتصاد، منذ اكتشف الإنسان أنّه باستطاعته التحكّم في العالم من حوله، من خلال رأسماله البشري.

سياسيات الإنجاب عالميّاً

هذا الهوس العالمي بسياسات الإنجاب وتنظيم الأسر ليس عبثياً، مثل فرض سياسة تحديد النسل، كما حصل في الصين للتحكّم بالتضخّم السكاني، أو مع الدعوات التشجيعيّة لإنجاب العديد من الأطفال بعد قضاء جائحة كورونا على نسبة من السكّان، ومخافة ما يسمّيه البعض اللا إنجاب الطوعي، الذي تتبعه الكثير من العائلات، رغبة منهم التمتّع بنمط معين من الرّفاه الاقتصادي بعيداً عن متطلبات الأطفال.

إن عالم اليوم يتأرجح على كفتين، ما بين الإنجاب وعدمه، سواء بسياسات دوليّة، بمخاوف بيئية أو بفلسفات لا إنجابيّة.

بينما يشكّل عالم اللا إنجاب والإجهاض تهديداً للعديد من الجماعات الدينيّة، خاصة مع صعود اليمين المتطرّف، في أميركا والبرازيل وغيرها من البلدان. وفي ديستوبيا شبيهة بما كتبته الكاتبة النسوية مارغريت آتوود في كتابها "حكاية الجارية"، حيث تواجه الولايات المتحدّة بسبب اقتصادها و نمط الحياة الاستهلاكي فيها، صعود خطاب ديني وعسكري لجماعات متشدّدة، مؤسسين لدولة "جلعاد" التي تُعنى بإنجاب المواليد من الإماء، فتكون سياسة هذه الدولة المتخيّلة بالتركيز على الخصوبة وإيديولوجيا "النعمة الإلهيّة". فمسألة الانجاب لا تعدّ مسألة عائلية بل هي مسألة قومية، تساهم في التشديد عليها كل من وسائل الإعلام والمراكز والمؤسسات الحكومية.

إن عالم اليوم يتأرجح على كفتين، ما بين الإنجاب وعدمه، سواء بسياسات دوليّة، بمخاوف بيئية أو بفلسفات لا إنجابيّة، كما يقول ديفيد بيناتار، الفيلسوف اللا إنجابي التشاؤمي: "بينما يبذل الكثير من الأشخاص الطيبين أقصى ما في وسعهم لتأمين حياة بدون معاناة لأطفالهم، ينسون أنّ الطريقة الوحيدة الفعَّالة والمضمونة لدرئهم عن المعاناة هي عدم الإتيان بهم إلى الوجود منذ البداية".

الإنجاب في لبنان اليوم

في حين تشكّل السياسات الإنجابيّة شغل العالم الشاغل في الفترة الأخيرة، وخاصة فيما يتعلّق بقوانين تجريم الإجهاض وغيرها، تعتبر إحصاءات الأحوال الشخصيّة الرسميّة في لبنان شبه منعدمة فيما يتعلّق بهذا المجال، ويرجع الأمر إلى الكثير من الأسباب، من ضمنها غياب إحصائيات فعلية لأعداد السكّن المقيمين فيه، كذلك اقتصار بعض الدراسات على اللبنانيين المقيمين فقط، دون سواهم من مهاجرين/ات ولاجئين/ات وعمّال/ عاملات أجانب، وهو ما لا يسمح بإعطاء تصوّر واضح عن معدّل الخصوبة في البلد، كذلك عن معدّل الولادات والوفيّات.

إلا أنّه، وبحسب بعض الدراسات ومع بدء الأزمة الاقتصادية في لبنان، تراجع عدد الولادات بشكل كبير، حسب أرقام المديريّة العامة للأحوال الشخصيّة، وما تزال الأرقام في تراجع، ويرجّح أن الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع تعود إلى تدني الكتلة الإنجابية في لبنان، بسبب هجرة الكثير ممن هم/ن في عمر الإنجاب، وارتفاع معدل العمر عند الزواج، والأوضاع الاقتصاديّة المزرية التي يعاني منها المواطنون/ات، من بطالة وعدم قدرة على الزواج، كذلك تدهور القطاع الطبّي، فباتت واحدة من مخاوف القاطنين/ات هي إنجاب طفل، بينما ليس بإمكانهم/ن تأمين ثمن الحفاضات والحليب وعلب الأدوية، أو مستلزمات الطفل العاديّة والاعتناء بالأم ما قبل وما بعد الإنجاب، مع ارتفاع سعر الاستشفاء.

في حين تشكّل السياسات الإنجابيّة شغل العالم الشاغل في الفترة الأخيرة، وخاصة فيما يتعلّق بقوانين تجريم الإجهاض وغيرها، تعتبر إحصاءات الأحوال الشخصيّة الرسميّة في لبنان شبه منعدمة فيما يتعلّق بهذا المجال

تضرّر النساء من مختلف الجنسيّات

كذلك فإن التعقيدات تطال العائلات غير اللبنانية والمنجبات غير اللبنانيات، لما يتحملونه من صعوبات في تسجيل المواليد، أو بالحصول على الرعاية الصحيّة اللازمة من مقدمي/ات الرعاية الصحيّة، وظروف حياتيّة مستقرّة وآمنة للمواليد الجدد والأمّهات.

في حين تقع أعباء مسؤولية تنظيم الأسرة على المرأة التي تعاني بشكل مضاعف من تداعيات الأزمة، فأي وضع اقتصادي متأزّم ستنعكس آثاره السلبية على الحلقة المستضعفة في المجتمع، من نساء وأطفال، بتعريضهم/ن لأنماط عنف قائم على النوع الاجتماعي، خاصة عنف اقتصادي في هكذا أحوال، كذلك تلعب جنسيّة المرأة في تفاقم العنف الذي تتعرّض له، خاصة ما تتعرّض له النساء اللاجئات والنازحات والمهاجرات وغيرهن، من عنصريّة مضاعفة وسوء معاملة واستهتار بوضعهن الصحيّ من القطاع الطبّي في لبنان، إذا ما كنّ حوامل أو منجبات جديدات.

لذا فإن عزوف البعض عن الإنجاب في ظل هذه الأزمات واضح وجليّ، لكن لا يمكن تعميمه أو اعتباره الخيار الأنسب للجميع.

شرطة الأخلاق الإنجابيّة

إلا أن ما لا يعتبر عاديّاً في مثل هكذا ظروف ليس الإنجاب بذاته، بل نظرة المجتمع أو غالبية الأفراد إلى من يقرّر الإنجاب، فجميعنا نسمع المواعظ التي تنهال على من ينجب وهو لا يملك كفاف يومه، فسلطة المجتمع في هذه المواضيع تخترق الغرف والبيوت المقفلة، باحثة في أشد خصوصيات وحقوق الأفراد، فيصير ما هو واجب مقدّس أو شرط الزواج الأساسي في المجتمعات التقليديّة مكروهاً، وكأن من تقرّر الإنجاب هي أمّ أنانية، أو أب لا يفكر إلا بإشباع نزواته، دون النظر إلى عواقب الأمور، فتنهال الدروس في الأخلاقيات من كل حدب وصوب عليهما، وكأن الأزمات تخلق فجوات في صميم التراكيب الاجتماعيّة أو تصدّعات، سرعان ما ينفذ منها العفن ليبيّن تفسّخاتها وتناقضاتها، فيتحوّل الخطاب من صيغة "و تكاثروا فإني مباه بكم الأمم"، إلى "مش حرام عليهم يخلفوا بهيك وضع"، وتتحوّل المواعظ بدورها إلى دراسات سوسيولوجيّة في أن المشكلة بالوعي والثقافة، وأن الجهل هو ما يدفع البعض لارتكاب هكذا جرم أخلاقي، وفي تحليلات اقتصاديّة تحمّل المُفقَّرين وزر فقرهم. أليس المال يجرّ المال؟

فأنتم أيُّها المُفقَّرون/ات، يا من سرقت البنوك أموالكم/ن واستباحت الدولة حقوقكم/ن، وانتهكت بسياساتها أجسادكم/ن وخلواتكم/ن، مسؤولون/ات عن الويلات التي تعيشونها، وعقاباً لكم/ن على خطاياكم/ن، عليكم/ن العدول عن الإنجاب ولو رغبتم/ن، فذلك لا يناسب نظّارة الواقع المظلمة التي يرتديها البعض... إنّها فُصاميات الواقع، والتخفّي خلف تحليلات واهية بدل مواجهة الوحش الحقيقي.

كذلك فإن التعقيدات تطال العائلات غير اللبنانية والمنجبات غير اللبنانيات، لما يتحملونه من صعوبات في تسجيل المواليد، أو بالحصول على الرعاية الصحيّة اللازمة من مقدمي/ات الرعاية الصحيّة، وظروف حياتيّة مستقرّة وآمنة للمواليد الجدد والأمّهات

نعرف الوحش الذي نواجهه

الفقراء لا يولّدون الفقر بل السياسيات الاقتصادية الكبرى. هي ليست مشاكل فرديّة، أو سوء إدارة من قبل بعض من يصنّفونهم بـ"الجهلة"، بل مشكلة النظام الرأسمالي العالمي الذي ينهش أجساد الطبقات المُفقَّرة، ويحرمهم من الحصول على أدنى حقوقهم. كذلك فإن التوجّه بأصابع الاتهام إلى فئة، ووصف كل سلوك يعتبر حقاً طبيعيّاً حريّ بأي فرد كان ممارسته وإنجاب كم الأطفال الذي يرغب بهم أو اختيار عدم الانجاب الطوعي، هو انتهاك معلن للحقوق والحريّات الإنجابيّة، فليس من قرّر/ت الإنجاب من يدفعون البلد إلى الهاوية، بل اللا عدالة التوزيعيّة التي تفرّق ما بين الطبقات، بمن يحق له الإنجاب لسمو أخلاقياته الاجتماعية، ومن لا يحق له لشيطنة غرائزيّته ودوافعه التكاثريّة. وليس النساء، بما أنّ أجسادهن هي الفضاءات التي تطبّق عليها القوانين والسياسات، هن المسؤولات عما آلت إليه الأمور، وليس امتناعهن عن تناول حبوب منع الحمل، أو ممارستهن للجنس، أو إنجابهن سبباً للانهيار، بل هي ما قادتنا إليه قرارات من هم في السلطة اللبنانيّة، واللا عدالة الجنسيّة والإنجابيّة، فمن يتحمّل غلاء وسائل منع حمل وعجز الرعاية الصحيّة غيرهم؟ ومن اعتبر مستلزمات الدورة الشهريّة خارج سلّة الأولويات؟

من يتحمّل غلاء وسائل منع حمل وعجز الرعاية الصحيّة غيرهم؟ ومن اعتبر مستلزمات الدورة الشهريّة خارج سلّة الأولويات؟

كثرة المواليد في الأزمات

ترى الكاتبة الأمريكية ريبيكا سولنيت بأنّ "الكارثة تستوجب قدرةً على احتضان التناقض في أذهان من يمرّ بها ومن يحاول فهمها عن بعد"، فليست كثرة المواليد أحياناً إلا ردّة فعل نتيجة حادث صادم، ولا سيما في حالة بلد مثل لبنان توالت عليه الأزمات والكوارث في السنين الماضية بشكل متواتر، من انفجار مرفأ العاصمة وجائحة كورونا، إلى الانهيار الاقتصادي، فتتالي هذه الكوارث تحفّز تلقائيّاً دوافع البقاء عند المواطنين/ات.

في مقال بعنوان ربما يكون الجنس هو ردّ الفعل الأكثر بدائية بعد الكارثة، تظهر التفاوتات في ردود الفعل عند البشر عند الصدمة، ما بين الهرب والقتال، فمنهم من يختار العزلة الاجتماعية والانكفاء على الذات، فتنكمش الرغبات الجنسية، وينظرون للإنجاب بطريقة مختلفة، واضعين نصب أعينهم تداعيات هكذا قرار في ظروف كارثيّة، ومنهم من يختار القتال من أجل البقاء، وذلك بإنجاب المزيد من الأطفال، وحيث يصبح ما يُطلق عليه "جنس نهاية العالم" وسيلة البعض للتعامل مع مشاعر الخوف والحزن، وكأنها البيولوجيا تنادي: "يجب أن تتكاثروا إذا اقترب العالم من نهايته"، في ردّة فعل غريزيّة.

يرى مؤسس علم الاجتماع الحديث إميل دوركايم في كتابه عن الانتحار، أن الناس يميلون للانتحار في أوقات السلم أكثر مقارنة بأوقات الحروب والأزمات، كما أن الناس يكونون أكثر وحدةً وتقارباً رغم الظروف الصعبة التي يمرون بها، ويتمسّكون بالحياة أكثر وأكثر، وتدفعهم غريزة البقاء لإنجاب الأطفال الذين يمثّلون النور رغم الظلام الذي يكسوهم.

لذا يحتاج الناس إلى فهم أن الدافع لممارسة الجنس بدافع الإنجاب أثناء الكوارث والأزمات قد لا يكون بدافع الشهوة حصرياً، ولو أنّنا لا نستطيع إلغاء وجودها كلّياً، ولكن بسبب الحاجة إلى الطمأنينة والراحة أو تأكيد الحياة، وفي بعض الأحيان يكون الملل والسأم هما الدافع.

لذا لا يمكن حصر سواء خيارات الناس أو لا خياراتهم في هكذا ظروف، وعزلهم عن محيطهم بإطلاق الأحكام وتذنيبهم إذا ما أرادوا ممارسة حقوقهم وحرّياتهم بشكل طبيعيّ.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard