شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
مجلس برلين الثقافي... المزيد من المساحات للثقافة العربية في أوروبا

مجلس برلين الثقافي... المزيد من المساحات للثقافة العربية في أوروبا

حياة نحن والمهاجرون العرب

السبت 21 يناير 202305:00 م

تعج العاصمة الألمانية برلين بالعديد من الفعاليات الفنية والثقافية بمختلف اللغات إلى جانب الألمانية، وأصبحت اللغة العربية خلال السنوات العشر الأخيرة حاضرة بقوة في الكثير من زوايا العاصمة بدءاً من التظاهرات وليس انتهاءً بالحفلات الموسيقية والمحاضرات.

إلا أن الشغف والرغبة والطلب على المزيد من الحضور والتعرف والتعلم تفسح المجال أمام المزيد من المبادرات والفعاليات التي تتحدث عن الثقافة العربية وتقدمها وتحتويها، ومن هنا جاءت الفكرة لهاني زيتون، السوري الذي يعيش في برلين وهو مرتبط بالثقافة العربية، ليتواصل مع سلطان سعود القاسمي الباحث والمحاضر الإماراتي، مؤسس مؤسسة بارجيل للفنون وهي مبادرة مستقلة تم إنشاؤها للمساهمة في التطوير الفكري للمشهد الفني في المنطقة العربية، بعدما عرف أن الأخير سيكون في برلين لمدة ستة أشهر.

تأسيس المجلس

أسس زيتون والقاسمي مجلس برلين الثقافي الذي يقدم سلسلة من الفعاليات الأسبوعية مع فنانين/ات وشعراء/شاعرات وصانعي/ات الأفلام والمثقفين/ات من الشرق الأوسط، بدعم من مؤسسة بارجيل للفنون. عن المجلس قال القاسمي لرصيف22: "هو امتداد لفكرة المجلس الذي بدأته في أمريكا قبل حوالي خمس سنوات، والذي جاب نيويورك، وواشنطن، وبوسطن، ولكن مبادرة مجلس برلين قامت بعد تواصل هاني زيتون معي، عندما علّم أنني قادم إلى برلين وسألني هل هناك مبادرة شبيهة، وجوابي كان لا أعرف برلين ولا أعرف من يعيش فيها، فتولى هاني هذا الجانب وأصبح هناك تواصل أسهل مع المؤسسات والأشخاص هنا في برلين".

"مجلس برلين الثقافي هو امتداد لفكرة المجلس الذي بدأته في أمريكا قبل خمس سنوات، والذي جاب نيويورك، وواشنطن، وبوسطن". سلطان سعود القاسمي، باحث ومحاضر إماراتي، أحد مؤسسي مجلس برلين الثقافي

زيتون، الذي وُلد في دمشق وحصل على شهادة البكالوريوس من كلية ديفدسون في نورث كارولينا وكلية كينغز لندن في العلوم السياسية والاقتصاد، ثم الماجستير من ألمانيا في الإدارة العامة، ويعمل حالياً في مجال  رأس المال المغامر، لا يزال قلبه يدق للثقافة والفن العربيين: "نحن الذين نعيش بعيداً عن بلداننا، نبحث عن أي شيء لنتعلق بها، نعبر عن أنفسنا عن طريق سماع موسيقانا، نقتني قطعة فن من بلدنا، هكذا نبقي الصلة بيننا وبين الوطن الأم، لأن الكثيرين منا لا يستطيعون العودة لهذه الأوطان، فنجلب ثقافتنا معنا ونعيشها هنا". يقول زيتون. 

"الكثيرون منا لا يستطيعون العودة إلى أوطانهم، لذلك نجلب ثقافتنا معنا ونعيشها هنا". هاني زيتون، مهتم بالشأن الثقافي العربي، وأحد مؤسسي مجلس برلين الثقافي. 

يُبيّن زيتون ما دفعه لتأسيس هذا المجلس مع سلطان القاسمي: "أعيش في برلين حالياً، بعد أن عشت في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، والحقيقة أننا كجالية عربية لا نعرف عن ثقافتنا وفننا الكثير، فقط القليلون/ات يعرفون، وفي الوطن العربي ليس هناك الكثير من المبادرات التي تدعم هذا الأمر، لذلك أحسست أننا بحاجة للتعرف على الفنانين العرب خاصة الذين يعيشون في أوروبا وألمانيا. زرت سلطان سابقاً في بيته في جورج تاون، وهو شخص يسهل الكلام معه والتواصل، وعندما علمت أنه قادم إلى برلين بادرت بالاتصال به للعمل على مبادرة ما، فكان المجلس".

استضاف المجلس الذي انطلق في الأسبوع الثاني من يناير/ كانون الثاني الفنان السوري زياد دلول، الذي ناقش أعماله الفنية مع الحضور.

 "المجلس هو فعالية ثقافية بحتة، نتكلم فيها عن الثقافة العربية وثقافة ما يُسمى بالشرق الأوسط، فسنستضيف ضمن فعالياتنا فنانين/ات ومثقفين/ات من المنطقة الناطقة بالعربية بالإضافة لإيران وتركيا، بنسبة 90٪ من فعاليات عربية، والهدف هو إبراز الثقافة العربية المختلفة. ورغم كونها ثقافية لن تخلو من أمور اجتماعية وسياسية وحياتية" كما قال القاسمي.

يقيم القاسمي في برلين ضمن زمالة في معهد الدراسات المتقدمة، تستدرج مثقفين من حول العالم للبحث والكتابة لمدة ستة أشهر، وهو ثالث عربي يحصل عليها خلال الأربعين عاماً الماضية، وفي نفس الوقت سيتولّى التدريس في جامعة بارد الأمريكية، بالإضافة لإدارة فعالية المجلس.

طلب متزايد

عما يضيفه المجلس للمشهد الثقافي العربي في برلين قال القاسمي: "هناك الكثير من المبادرات في برلين، وهو أمر مفرح، ولكن الوجود العربي وجود كبير، وكثرة المبادرات هو عنصر حسن ويعكس أن لدى العرب اهتماماً بالثقافة، فقد سجل 450 شخصاً في المجلس خلال شهر، منهم 250 خلال أسبوع، من بينهم/ن من هم/ن من مدن ثانية ألمانية، كذلك بعضهم من دول مجاورة كبلجيكا وهولندا".

"هناك الكثير من المبادرات في برلين، وهو أمر مفرح، فكثرة المبادرات هو عنصر حسن ويعكس أن لدى العرب اهتماماً بالثقافة، فقد سجل 450 شخصاً في المجلس خلال شهر واحد". سلطان سعود القاسمي

وهو ما أكد عليه زيتون أيضاً: "هناك طلب على الفعاليات الثقافية العربية، وبسبب الحاجة الكبيرة فإن الموجود من الفعاليات والمبادرات لا يكفي، هناك لا تزال حاجة للمزيد من هذه الفعاليات، فعند لقائي مع فنانين/ات من أصول عربية عبروا عن صعوبة الوصول للجمهور والتمويل لذلك نحن بحاجة للفت الانتباه لهم/ن، لحاجاتهم/ن ولفنهم/ن وابداعهم/ن".

تُقام أغلب فعاليات المجلس باللغة العربية وهو مجاني للجميع: "لأننا نريد الوصول إلى الجالية العربية، لنجعل الثقافة العربية أقرب لكل الطبقات وليس للمثقفين/ات فقط". كما أوضح زيتون.

استضاف مركز عيون الثقافي الفعالية الأولى للمجلس، وسيستمر في استضافة أغلب الفعاليات:"قدموا لنا المكان مجاناً، ونشكرهم علي ترحابهم وتعاونهم، فلدينا الرغبة أن يكون جمهور عيون جمهورنا أيضاً، نريد أن نتوجه للناس الذين لا يعرفون عنا وعن ثقافتنا، فإذا كانت الناس تأتي إلى عيون فسنأتي نحن أيضاً إلى عيون"، يقول القاسمي.

الفن للجميع

عن نخبوية هذه الفعاليات وشعبيتها يرد القاسمي: "للأسف ترى الناس أن الفن العربي نخبوي وهو غير صحيح، فهناك الكثير من الفن في كل الأوساط، وأتمنى أن نتعلم من الدول المليئة بالفعاليات الفنية كباكستان والصين، لنبني ثقافة زيارة المتاحف، وحضور فعاليات ثقافية، وزيارة المعارض، فقد يكون الفن نخبوياً ولكننا نحاول دمقرطة الفن وجعله متاحاً للجميع".

"قد يكون الفن العربي نخبوياً ولكننا نحاول دمقرطة الفن وجعله متاحاً للجميع". سلطان سعود القاسمي

ويضيف: "هذه المبادرات هي جزء من هذه المحاولة، فخلال العشرين عاماً الماضية أعمل على محاولة إيصال الفن إلى الآخرين، عن طريق تأسيسي لمؤسسة بارجيل للفنون، وعبر المعارض التي تقيمها والكتب التي تنشرها وتنشط المؤسسة على جميع وسائل التواصل الاجتماعي لنتواصل مع الناس، ومن خلال البرنامج الذي كنت أقدمه على الجزيرة بلس، فهي جميعها تصب في هدف أخذ الفن إلى حيث الناس".

تمول المبادرة حالياً مؤسسة بارجيل للفنون، ويستضيفها مركز عيون الثقافي: "عمل على الإطلاق عدد من أصدقائنا من تصميم البوسترات والتقنيين وغيرهم، حالياً نعمل وفق مبدأ "أهلية محلية" لتثبيت المبادرة وجودها الذي لا يتخطى الخمسة أسابيع". يوضح زيتون.

وعن استمرارية المشروع بيّن زيتون: "أردت استثمار وجود سلطان في برلين، خصوصاً أنه يعرف الناس والفنانين/ات ولديه خبره في الاستضافة وعقد الفعاليات الثقافية، ولكن نرغب أن يكون ذلك نواة لعمل مستدام، عبر التواصل مع الجهات المختلفة لتنمية هذه المبادرة واستمراريتها، خصوصا أنني لا أعمل في الوسط الفني والثقافي".

يستضيف المجلس اليوم 21 يناير/ كانون الثاني، الباحثة الفلسطينية رلى خوري التي ستناقش أبحاثها عن الفن الفلسطيني داخل الخط الأخضر في مركز عيون الثقافي.

قصص المهاجرين وتفاصيلها تعكس حال بلادنا، كما تعكس ما كنا نسعى إليه في هذه البقعة من الأرض. توثيق التجارب سيتيح لنا بناء المجتمعات التي نرجوها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

نؤمن في رصيف22، بأن متابعة قضايا العرب خارج العالم العربي، في المنفى، هي أيضاً نظرة إلى أنفسنا، وإلى الأسباب التي اضطر -أو اختار- من أجلها الكثيرون إلى الهجرة بحثاً عن أمانٍ في مكانٍ آخر، كما أنها محاولة للفهم وللبناء وللبحث عن طرائق نبني بها مجتمعات شاملةً وعادلةً. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard