تكبير صور ضحايا سجن أبوغريب وعرضها... أسباب انسحاب عراقيين من معرض ألماني دولي للفن

الاثنين 12 سبتمبر 202203:18 م

"ما يحصل الآن في العراق من نتائج الغزو الأمريكي على الفنانين العراقيين الذين عاشوا هذه الحقبة وما زالوا يعيشونها وعلى أعمالهم المشاركة في برلين بينالي، يسلط الضوء على انتهاكات الاحتلال الأمريكي والواقع الذي يعيشه العراقيون كشهود حقيقيين بأدوات فنية تعبّر عن الفنانين وتفردهم باستخدام لغة فنية مختلفة تماماً". هذا ما قاله الفنان العراقي سجاد عباس الذي شارك بعمل فني في برلين بينالي لهذا العام قبل أن ينسحب هو والفنانان رائد مطر وليث كريم.

برلين بينالي هو معرض دولي للفن المعاصر، انطلق في العام 1996، ويقام كل عامين في مواقع مختلفة في ألمانيا، بتمويل من المؤسسة الثقافية الفيدرالية الألمانية.

احتج الفنانون العراقيون المشاركون في برلين بينالي على العمل الفني "السم القابل للذوبان"الذي يعرض صوراً لضحايا التعذيب العراقيين في سجن أبو غريب.

احتج الفنانون العراقيون المشاركون في برلين بينالي على العمل الفني Poison Soluble أو "السم القابل للذوبان" للفنان الفرنسي جان جاك ليبل الذي يعرض فيه صوراً من سجن أبو غريب، وقد سُربت في العام 2004، وتظهر التعذيب والقتل اللذين كان الجنود الأمريكيون يرتكبونهما بدم بارد وبابتسامات تعتلي وجوههم، ويأخذ هذا العمل الفني شكل متاهة يدخل فيها الزائر للمعرض المقام في محطة قطارات هامبورغ، أحد مواقع بينالي الإثني عشر.

عبّر الفنانون العراقيون المشاركون في المعرض عن احتجاجهم عبر رسالة مفتوحة نشروها على موقع Artforum متهمين القائمين على المعرض بنشر صور عراقيين مسجونين ظلماً، تم تصويرهم وهم يتعرضون للتعذيب الجنسي والبدني، كما هددوا بسحب أعمالهم من المعرض، معتبرين الاعتذار الذي صدر عن اللجنة المنظمة "غير كاف"، إذ ورد في رسالتهم: "لا نجد صدقاً أو شفافية في هذا الرد الأبوي"، معتبرين أن المعرض هو: "محاولة استغلال لعملنا وهوياتنا كعراقيين".

عبّر الفنانون العراقيون عن احتجاجهم عبر رسالة مفتوحة إلى القائمين على المعرض، لنشرهم صور عراقيين مسجونين ظلماً، تم تصويرهم وهم يتعرضون للتعذيب الجنسي والبدني

وجاء في الرسالة المفتوحة التي كتبتها الفنانه العراقية ريجين ساهاكيان: "تم تكبير حجم صور ضحايا التعذيب والاعتداءات الجنسية ضد العراقيين، ونسّقت داخل متاهة تعد فخاً فجّاً. ويقال إن هذه الدورة من البينالي تتمحور حول الالتزام بإنهاء الاستعمار، والإصلاح وتمثل نقطة انطلاق لنقاش نقدي من أجل أن نجد معاً طرقاً للاهتمام بالحدث الآني. إلا أن البينالي اتخذ القرار بتسليع صور الأجساد العراقية المعتقلة والمعنفة، وعرضها من دون موافقة الضحايا ومن دون استشارة للفنانين العراقيين المشاركين، والذين وضعت أعمالهم إلى جوارها من دون معرفتهم. لمن تتوجه هذه الفاعلية في هذا النوع من "الإصلاح"؟ قطعاً ليست للضحايا العراقيين الذين في الصور، ولا للفنانين العراقيين المشاركين في البينالي، ولا للزوار العراقيين الذي تعرضوا مجدداً للصدمة النفسية بسبب هذه الاستعادة القاسية لواحدة من أسوأ جرائم الحرب الأمريكية سمعة".

وقد أدى هذا الاحتجاج لاستقالة عضوة ضمن الفريق الفني في المعرض، آنا تيكسيرا بينتو، احتجاجاً على العمل، فيما تضمن بيان اللجنة المنظمة اعتذاراً جاء فيه: "نعتذر على وضع لوحات الفنانين العراقيين، بالقرب من عمل جان جاك ليبل مما تسبّب لهم في ألم شديد، لم نقدر حساسية الموقف. ونعتذر عن عدم مناقشة تنسيق وضع لوحاتهم مسبقاً في هذه الحالة الخاصة. وبالمثل، نأسف لأنّ عملية تغيير مكان الأعمال استغرقت وقتاً طويلاً".

ويضيف سجاد في حديث لرصيف22: "الاعتذار غير مقبول تماماً وجاء بعد ضغط وكتابة رسالة مفتوحة تم توقيعها من قبل قرابة 400 شخص، وبعد نشر الاعتذار جرى عقد اجتماع من أفراد الفريق الفني للبينالي الذين بقوا على موقفهم بالرغم من التوضيح المتكرر من قبلنا عن حساسية هذا الموضوع وإخفاء أمر وجود مثل هذا الشيء إلى جانب الأعمال العراقية المشاركة بشكل متعمد، وتقسيم العمل الخاص بي لنصفين، النصف الأول فيديو وبعد ذلك يجب عليك المرور بهذه المتاهة لتجد الجزء الآخر من العمل وهو العين بالجهة الأخرى، أخيراً بعد شهرين من التواصل مع الفريق تم تغيير مكان العمل".

وفي رده عما إذا كان هو والفنانون الآخرون المنسحبون قد ضيعوا فرصة للمشاركة في حدث فني عالمي، قال سجاد عباس: "على المستوى العراقي الوضع الأمني لا يسمح بتطور عجلة الفن وكل ما هو موجود على الساحة الفنية هو نتاج جهد شخصي، فقد شارك ستة فنانين عراقيين بستة أفلام في مهرجان دوكومنتا 15 المقام في مدينة كاسل في ألمانيا (إعادة تجمع صدى)، هذه الفرصة مهمة وجيدة بالرغم من المعوقات التي حدثت في برلين بينالي لكنها قد كسرت حاجز العزلة التي تحاصرنا كفنانين عراقيين منذ مدة طويلة بسبب العقوبات الأمريكية والغزو الذي دمر البنية التحتية للدولة العراقية ومزّق النسيج المجتمعي وبسبب سياسات الدول المحيطة بالعراق".

"تم اتخاذ قرار الانسحاب بعد نفاد كل الخيارات المتوفرة". 

ويضيف: "تم اتخاذ قرار الانسحاب بعد نفاد كل الخيارات المتوفرة، هذه الخطوة تمثل الفنانين المشاركين فقط" وعما إذا حقق الانسحاب الهدف منه، قال: "أعتقد أن الحوار الذي يدور حتى هذه اللحظة، هو خير دليل على ذلك".

أما الفنانة ريجين ساهاكيان فقالت لرصيف22: "لا نعتقد أن هذا العمل الفني (السم القابل للذوبان) يحتوي على دعوة إلى العدالة، ولا ينقل مدى الوحشية الأمريكية، والإفلات من العقاب، هو عمل يحتوي على نسخ من صور التقطت كجزء من تعذيب مدنيين عراقيين مسجونين بشكل غير قانوني، وتستخدم لأغراض العرض. كما لا يعتبر العمل الفني بمثابة تذكير، فهو يستخدم صوراً حاضرة في الوعي العالمي، وهي الصور الأكثر وضوحاً وإمكانية الوصول إليها متوفرة وسهلة عند ذكر غزو العراق واحتلاله".

وتواصل: "قاموا في المتحف بخلق تجربة  موافق عليها من البينالي لاستراق النظر المروع وتجميل صور الاعتداء الجنسي وغيره من أشكال التعذيب للسجناء العراقيين تحت الاحتلال. الصور لرجال عراقيين وهم يتعرضون للاعتداء. لا نعتقد أنه يجب استخدام هذه الصور لضحايا التعذيب و/ أو الاعتداء الجنسي دون موافقتهم، يواصل ضحايا سجن أبو غريب متابعة المساءلة عن الجرائم التي تعرضوا لها في المحكمة، ولم تتم استشارتهم أو الاعتراف بهم بأي شكل من الأشكال في هذا العمل. هم فقط، في هذا العمل، معروضون على أنهم لوحات للاعتداء الجنسي والجسدي. لا توجد دعوة للعدالة، فقط تذكير بتجاهل دولي لحياة العراقيين".

"يواصل ضحايا سجن أبو غريب متابعة المساءلة عن الجرائم التي تعرضوا لها في المحكمة، ولم تتم استشارتهم أو الاعتراف بهم بأي شكل في هذا العمل". ريجين ساهاكيان، فنانة عراقية

وعن تحقيق أي هدف من الانسحاب توضح ساهاكيان: "ليس لدينا هدف من انسحابنا. فنحن لم نتمكن من مواصلة العمل بحسن نية مع البينالي، لم نطلب مطلقاً في أي وقت، إزالة عمل ليبل. لقد أوضحنا فقط خلافنا مع النوايا المعلنة للعمل، وعلاقته بمشاركتنا (بدون علمنا)، ومزاعم البينالي بأن هذا يخدم فرضية العدالة والإصلاح".

ورفض الفريق الإعلامي لبرلين بينالي الرد على أسئلة رصيف22، مكتفين بإرسال رابط لبيان الاعتذار والبيانات الأخرى التي أصدرها المنظمون، بحجة أن "كل الإجابات هناك"، وقد جاء في بيان اللجنة المنظمة: "نحن نفهم أن (السم القابل للذوبان) مشاهد من الاحتلال الأمريكي لبغداد في عام 2013، تثير الألم والصدمة. ومع ذلك، فقد اعتبرنا أنه من المهم عدم الانغماس في الدافع لغض الطرف عن جريمة إمبريالية حديثة جداً، جريمة ارتكبت في ظل الاحتلال العسكري وسرعان ما تم تجاهلها بقصد التسبب في نسيانها سريعاً. لأن هذه هي الطريقة التي تتبعها الإمبريالية لاستمرار إفلاتها من العقاب".

وأشار البيان إلى أن "الإصلاح والإصابة متأصلان في بعضهما البعض، وإظهار الجروح هو جزء من عملية كشف - وإصلاح - الجرائم التي ارتكبها البشر، وإن ما يريده وجود العمل Poison soluble هو تحريض استفزازي لمواجهة عنف الاستعمار والإمبريالية الأمريكية في جميع أنحاء العالم، ليس فقط على العراق".

عادة ما يثير تعرض الفن للسياسة العديد من وجهات النظر المختلفة، ونقاشات متضادة الاتجاهات بين المهتمين بالفن أو بالسياسة أو بالاثنين معاً، وقد تؤدي كما في برلين بينالي لصراع أو قطيعة أو انسحابات، تؤدي بدورها لطغيان اختلافات السياسة في أروقة الفن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard