شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

قدّم/ ي دعمك!
كيف تخدش شتائم

كيف تخدش شتائم "الحارة" الحياء العام؟.. فيلم أردني يثير حنق "المملكة" الفاضلة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن وحرية التجمع

الأربعاء 18 يناير 202305:22 م

يتسع الجدل في الشارع الأردني، بعد عرض فيلم "الحارة" على منصة نتفلكس، وسط انقسام الجمهور إلى فريقين؛ أحدهما صفّق عند انتهاء المشهد الأخير للفيلم، والآخر طالب بوقف عرضه، في ظل انعدام الحوار عند الجميع.

الأمر هنا لا يتعلق بعلاقة الحب الرئيسية وحسب، بل بآراء الكل إذ يعرفون أدق التفاصيل ويراقبون بعضهم بعضاً 

قصة الفيلم

قصة الفيلم تحدث في حارة شعبية (شرق العاصمة عمّان)، بوجود فئات طبقية مختلفة يعتريها الغموض، وتتمحور قصة الفيلم حول علاقة حب سرّية بين علي ولانا، تتحول إلى كابوس بعد وصول فيديو مصوّر لهما إلى والدة لانا، التي تبحث عن مخرج من خلال الهرولة واللجوء إلى رجل العصابات (البلطجي)، في الحارة، عباس.

تبدأ أحداث الفيلم بالتصاعد، وكل شخصية تدور في فلك صراع البقاء بما يتناسب مع مصالحها في أجواء سينمائية مثيرة للمشاهد، كما لم تخلُ من الكوميديا السوداء وسط أجواء التشويق والأكشن.

داخل "الحارة" وأزقتها الضيقة، تتولد فكرة أخرى وهي صعوبة العيش في مجتمع لديه توقعات صارمة من سكانه، فالأمر هنا لا يتعلق بعلاقة الحب الرئيسية وحسب، بل بآراء الكل إذ يعرفون أدق التفاصيل ويراقبون بعضهم بعضاً بدافع الفضول. الفيلم من تأليف وإخراج باسل غندور، وبطولة عماد عزمي، بركة رحماني، منذر رياحنة، ميساء عبد الهادي، نادرة عمران ونديم ريماوي.


المحافظون غاضبون

الفيلم قدّم صورةً عن الواقع الذي تعيشه حارات كثيرة في الأردن، وتحديداً في المناطق الشعبية ذات الكثافة السكانية الكبيرة، مثل منطقة شرق العاصمة ووسط محافظة الزرقاء (وسط المملكة)، إلا أن ما أثار بعض الأردنيين وجود شتائم عدّوها "خادشةً للحياء العام"، برغم وجودها بكثرة في الشوارع الأردنية، ويمكن سماعها في المدرسة والجامعة وحتى العمل، حسب ما يقول آخرون.

الغضب تصاعد من التيار المحافظ في المملكة، مع مناقشة مجلس النواب لأحداث الفيلم، إذ هاجمه النائب محمد أبو صعيليك، وطالب بمحاسبة ومحاكمة القائمين على الهيئة الملكية للأفلام، قائلاً إنها "دعمت أفلاماً شوّهت الصورة العامة للمجتمع الأردني".

النائب أضاف: "إذا كان من دعم ونفّذ وموّل أفلام ومسلسلات الحارة وبنات عبد الرحمن وجنّ ومدرسة الروابي يعيشون البيئة التي مثّلوها، فهذا لا يعني السماح لهم بتصدير هذا الأمر باسم المجتمع الأردني، لافتاً إلى أن الهيئة دعمت أعمالاً قبيحةً، ولا ينبغي تركها تستمر في ذلك تحت الاسم الملكي الذي له مكانته واحترامه".

أما الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام السابق، فطالب وزارة الداخلية "بإلقاء القبض على المؤلف والتحقيق معه في الجرائم التي تحدّث عنها الفيلم"، بحجة "أنه ربما لا تكون من الخيال وإنما واقعاً هو يعرف عنها (أي المؤلف)".

يعود غضب التيار المحافظ أو الإسلامي إلى سببين رئيسيين، أولهما غياب المنظومة الأمنية في الفيلم، وحضور الشتائم في مجتمع أغلبيته محافظة، والسبب الأخير عدم واقعية الأحداث أردنياً، وذلك بحسب ما رصده رصيف22، على منصات التواصل الاجتماعي.

هنا يردّ الناقد السينمائي ناجح حسن، على ما سبق، بالقول إن الشتائم حاضرة في المجتمع الأردني ويمكن سماعها في المقاهي ووسائل النقل ومن ذكور وإناث أو حتى من صغار السنّ، غير أن الأفلام السينمائية لها عناصرها المرئية والسمعية الخاصة بها والمختلفة عن الأعمال الدارمية، بحكم أن الفيلم في السينما يذهب إليه الجمهور، على عكس الدراما على الشاشة التلفزيونية التي تذهب إلى الجمهور في منازله.

ويضيف حسن لرصيف22، حول غياب المنظومة الأمنية، أن للمخرج الحق في تناول ما يريد عرضه، بمعنى أن الفيلم عالج بعض التفاصيل الخاصة بحياة أفراد في المجتمع، من دون الذهاب إلى التفاصيل الأخرى، مؤكداً أن الفيلم يعكس ما يحدث في رحم بيئات الأردن الشعبية والعالم بالكامل.


حذف مشاهد وردود

وفي ذروة الغضب، جاءت تأكيدات من مدير هيئة الإعلام بشير المومني، في تصريحات صحافية، بأن الهيئة حذفت كل الألفاظ والمشاهد الخارجة عن قيم المجتمع الأردني من فيلم "الحارة" قبل إجازة عرضه في دور السينما الأردنية، مشيراً إلى أن ما عُرض مؤخراً على شبكة "نتفليكس" هو ما أثار غضب الناس.

وردّ بطل الفيلم الأردني منذر الرياحنة، في تصريحات تلفزيونية، بأن "الحارة يمثّل شريحةً موجودةً في المجتمع، وقدّمنا فيلماً له علاقة بشريحة ظُلمت في المجتمع، وكانت نهايتها واضحةً، وهي موجودة، و’ما حدا يتفلسف’، ففي كل مكان وفي كل العالم، ووجودها له أسباب واضحة".

الرياحنة زاد أن "الهدف من الفيلم ليس الشتائم وإنما هذه الشريحة من المجتمع، التي لم يهتم بها أحد، متحفظاً على مناقشة مجلس النواب لفيلم الحارة تحت قبة البرلمان، متسائلاً: "ألم تبقَ مشكلات في الأردن لمناقشتها؟"، لافتاً إلى أنه في إحدى جلسات مجلس النواب تم شتم الذات الإلهية.

من جهتها، قالت مديرة الإعلام والاتصال في الهيئة الملكية للأفلام ندى دوماني، في تصريحات صحافية، إن الهيئة منذ تأسيسها تحاول خلق بيئة إبداع وحرية ولا تتدخل في محتوى الأفلام التي يتم تصويرها، إذ يُعدّ محتوى الفيلم من حرية ومسؤولية المخرج، مؤكدةً أنه برغم احتواء الفيلم كلمات مثيرةً للجدل ورفض البعض لها فإن هناك من أُعجب به، والفيلم حصل على استحسان واسع وجوائز عديدة ومنها ما هو عالمي.

السؤال: هل يجب أن تبقى التابوهات المجتمعية  حبيسة الأدراج؟

جوائز دولية

الفيلم الروائي يُعدّ الأول الذي يشارك في مهرجان "لوكارنو السينمائي" في سويسرا، وشهد عرضه الأول عربياً في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، وفاز بجائزة لجنة التحكيم لبرنامج صناعة الأفلام "Eastern Promises" ضمن فعاليات مهرجان "كارلوفي فاري" السينمائي الدولي في التشيك.

كما حصل أيضاً على جائزتين من ملتقى القاهرة السينمائي للأفلام الروائية في مرحلة ما بعد الإنتاج ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

وتلقّى الفيلم دعماً من صندوق الأردن لدعم الأفلام التابع للهيئة الملكية الأردنية للأفلام، ومؤسسة الدوحة للأفلام (قطر)، ومعمل مهرجان البحر الأحمر السينمائي لتطوير الأفلام (السعودية).

ولم يكن فيلم "الحارة" الإنتاج الأول الذي يثير ضجةً واسعةً في الشارع الأردني، فقد سبقته أعمال أردنية عرضتها نتفلكس سابقاً كفيلم "جن"، ومسلسل "مدرسة الروابي"، و"بنات عبد الرحمن".

ويبقى الجدل مستمراً حول الفيلم، سواء عبر الفضاء الافتراضي أو حتى في الشارع الأردني، وما يجوز وما لا يجوز قوله أو عرضه من خلال الفن السابع، لأن التابوهات المجتمعية يجب أن تبقى حبيسة الأدراج.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

وُلِد الإنسان حرّاً

ينزع الإنسان نحو حريّته دائماً، لكنّ سعيه الحثيث نحو تحقيق نزعته، قد يُعَرقل في بلادٍ تتجمّل بالديمقراطية كزينةٍ مُصطنعة، وحتّى في "المساحات العامّة" على الإنترنت.

آفة الحكومات والأنظمة العربية لا تفتأ تتفشى في عوالمنا الرقمية، وبات حتى الانترنت مجالاً لاستبدادها. وعليه، يقدّم رصيف22 مساحةً آمنةً لـ"ناسه" بالالتقاء، من دون حواجز وهميّة.

Website by WhiteBeard