شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
هل يعالج "المحشي" جروحنا العاطفية... جرّبوا العلاج بالطبيخ

هل يعالج "المحشي" جروحنا العاطفية... جرّبوا العلاج بالطبيخ

حياة نحن والتنوّع

الاثنين 16 يناير 202311:44 ص

مثلما تنتشر أمراض العصر المرافقة لصراعات الإنسان الجديد في المدينة كالاكتئاب والقلق والوسواس القهري، تنتشر العلاجات والحلول، فإلى جانب العلاجات الإكلينيكية في الطب النفسي؛ تظهر دائماً اقتراحات جديدة مثل العلاج بالموسيقى، والعلاج باليوغا وتمارين التنفس.

لكن هذا التقرير لرصيف22 يقدم مقترحاً أسهل وألذ، وتكاد أدواته تتواجد في كل منزل، عن العلاج بالطبيخ. والمقصود هنا بدقة العلاج بصناعة الطبيخ وليس تناوله، لكي لا يساء فهم هذه المادة التي "تفتح النفس" وتقدم مقترحاً حقيقياً مدعماً بالدراسات المتخصصة على قدرة فن الطهي على علاج بعض أشكال الاكتئاب.

هل الطبخ علاج؟

لا تًصنف كل الروائح الجميلة على أنها عطور، رائحة البصل المكرمل حين تضاف له الطماطم فالثوم المفروم، ومن ثم يمتزجون سوياً مع رشة من الملح والفلفل هي رائحة جميلة. أو رائحة اللحم المشوي المُتبل بالبهار حين تعبق في المكان، هي روائح تبعث على السعادة أيضاً. أو كما تقول "ليندا وازمر" الباحثة في "Psychology Today" الطبخ هو حالة من التأمل.

مؤخراً ظهر مصطلح يعرف بالطبخ العلاجي "Therapeutic cooking" أو "Culinary Therapy" وغيرها من المصطلحات التي يقصد منها أن الطبخ هو أحد الوسائل التي يمكن استخدامها لتخطي بعض المشاعر السلبية أو حتى التعبير عنها.

فوفقاً لجمعية علم النفس الإكلينكي فعندما تطبخ لنفسك أو لآخرين، فأنت تضع لنفسك هدفاً قابلاً للتحقق، هذا يناسب نوع العلاج المعروف باسم "التنشيط السلوكي" الذي يُستخدم لعلاج أمراض عديدة مثل الاكتئاب والقلق، ويركز على زيادة "اتصال الشخص بمصادر المكافأة".  

العلاج بالطبيخ يعني أن تضع لنفسك هدفاً قابلاً للتحقق، وهو ما يتشابه مع العلاج بالتنشيط السلوكي ويركز على زيادة اتصال الشخص بمصادر المكافأة

أن تكون مبدعاً في الطبخ يعني أنك ستحصل على طاقة إيجابية ستعزز حالتك النفسية والعقلية، وبحسب دراسة نشرت عام 2016 في دورية "The Journal of Positive Psychology" فقد تبين أن الأشخاص الذين يشاركون في أنشطة إبداعية مثل الكتابة والغناء والطبخ يعيشون حياة أكثر سعادة.

ووجدت الدراسة التي تتبعت حياة 658 شخصاً على مدار أسبوعين أن الأشخاص الذين يقومون بمهام إبداعية صغيرة في المطبخ مثل الطهي أو الخَبز يشعرون براحة وسعادة أكبر في حياتهم اليومية. 

الطبخ مؤنس الوحدة  

عبرت الكاتبة أمنية طلعت في كتابها "طبيخ الوحدة" عن آلامنا جميعاً وعن المساحة الصغيرة في البيت التي تبقي الحياة في دواخلنا، ففي المطبخ نتفاعل مع الألوان والروائح والأصوات، عنه تقول: "داخله امتزج ملح دموعي بملح الطعام وعلمتني أبخرة الطعام الذكية كيف أتلذذ بالكون، مع كل أكلة جديدة أجيد فن طهيها أشعر بأن جبلاً من الهموم انهار داخلي، ومع كل وصفة جديدة أعثر عليها، أشعر بأنني امتلكت صرحاً أقيمه بيني وبين الألم".

أما الكاتبة رانيا هلال الباحثة في أنثربولوجيا وأدب الطعام ومؤسسة ورشة "طعم الكلام" فاختصرت الحديث في جملتها لرصيف22: "الملامح ترتخي حين أقوم بالطهي أو الخبز".

وتقول بأنها تنفصل عن الواقع عند الطبخ وتذهب بإرادتها إلى طبخة جديدة هرباً من الواقع أو من مشكلة ما تؤرقها أو من ضغوط الحياة عموماً، فيحدث تفاعل أو كيمياء بينها وبين الطعام. كما اكتشفت أيضاً أن هناك طبقات لا بد من التحرر منها داخل نفسها، من بينها أنها كانت تخشى تجربة الأشياء الجديدة.  

أن تكون مبدعاً في الطبخ يعني أن تحصل على طاقة إيجابية تعزز حالتك النفسية والعقلية، فقد تبين أن الأشخاص الذين يشاركون في أنشطة إبداعية مثل الكتابة والغناء والطبخ يعيشون حياة أكثر سعادة 

ذات المشاعر أخبرتنا عنها ورقة بحثية نشرت في "Psychology Today" رجّحت أن الطبخ يمكن أن يكون أحد الوسائل التي تساعد في علاج التوتر والقلق والاكتئاب واضطرابات الطعام ومرض فرط الانتباه والحركة.  

مزيج المشاعر والتوابل

رانيا اختبرت امتزاج المشاعر مع التوابل والأصوات والروائح المنبعثة في المطبخ منذ صغرها، فقد تشربت المهارة على يد جدتها، غير أن والدتها لم تدعمها على الابتكار بحسبها، وكانت تتمنى يوما أن تحظى بمطبخها وأدواتها لتطلق العنان لخيالها الطبخي.

كانت جدتها معلمتها الأولى للطبخ فكانت تحب جلستها بجوار الفرن وتحضير العجين ثم خبزه وإخراج الخبز الطازج الساخن من الفرن، واعتادت أن تراقب جدتها أثناء جلوسها على السلم المؤدي إلى السطح وهي تصنع البيض بالكشك وغيرها من الأكلات التي حفرت في ذاكرة رانيا أن الطبخ فعل حميمي مرتبط بالمشاعر الجيدة.

أطلقت رانيا قبل عامين ورشتها الإبداعية "طعم الكلام" لتحفز المشاركين/ـات على التعبير عن ذواتهم وأحساسيهم ومشاعرهم من خلال الطبخ والطهي في نصوص إبداعية شيقة، لكنها وجدت أن الورشة كانت تتخذ دوماً مسار الطبخ العلاجي، خاصة وأن أحد طقوس الورشة هو أن يتبادل الأعضاء الذكريات والأفكار التي تربطهم بالطعام عندما يتناولونه سوياً أسبوعياً.

تقول: "ذلك لم يكن هدف الورشة، لكنه أصبح هدفاً يتم تحققه أثناء الورشة، حيث كان القصد أن الطبخ فعل حميمي سيقرب المشاركين بعضهم من بعض، فوجدت أن البعض أثناء التعبير عن عملية الطهي اكتشف أزمات نفسية لم يكن يعلم بوجودها إلا حينما تحدث عنها، وأنها مرتبطة بالأساس بالطبخ".

هذا الأمر أدى برانيا إلى أن تفكر في تطوير ورشتها لتكون نسخة منها "الطبخ العلاجي".

حلة وصل

مطبخ ثقافي أو مساحة للطبخ تشاركية بين الأفراد، هكذا أرادت مي حسن أن يكون مشروعها "حلة وصل"، حيث يتشارك خلاله الحضور الونس والحديث عن موضوعات متنوعة، لكن أكثر ما اهتمت به مي كان تبادل المشاعر والقيم التي يكتسبها الناس أثناء الطبخ التشاركي.  

أطلقت رانيا  ورشتها الإبداعية "طعم الكلام" لتحفز المشاركين على التعبير عن مشاعرهم من خلال الطهي وفي نصوص إبداعية شيقة، لكنها وجدت أن الورشة كانت تتخذ دوماً مسار الطبخ العلاجي  

بدأ إيمانها بمشروعها "حلة وصل" منذ 3 سنوات، حينما وجدت أنها تعاني من اكتئاب جاء بعد تجربة انفصال عاطفي مرت بها، عانت قبلها وبعدها ولم تستطع القيام بالمهام التي اعتادت عليها داخل المنزل.

وللخروج من تلك الحالة كانت تَحضر -مستمعة فقط- لبعض التدريبات على العزف التي كانت تعطيها صديقتها الموسيقية، فكانت تُحضّر أثنائها الكعك وكانت تشعر باستمتاع كبير، اندمجت بهم دون أن تتحدث لغتهم فحدثت حالة من الحب والود تقول مي: "رجعوني تاني للدنيا مكنتش بميّز الناس ولا الألوان".

ثم بدأت تعي وجود مشكلة فذهبت للأطباء وتم تشخيصها باكتئاب في مرحلة شديدة منذ الطفولة، فكان ما يساعدها على الخروج من تلك الحالة هو الطبخ لما فيه من ألوان مختلفة مثل مزج الفلفل الملون، وكانت تلك القيمة التي انطلق منها المشروع، فكان كل المشاركين يحضرون سويا سلطة خضروات.

حينما جربت مي متعة الطبخ والأحاسيس الجميلة وقت الطبخ حسب وصفها أرادت أن يجرب الناس نفس الإحساس، تقول لرصيف22: "عاوزة الناس تجرب السعادة اللي أنا وصلتلها، أكيد في ناس تعبانة ومش قادرة تكمل ومعندهاش القدرة ولا الطاقة على التواصل، حبيت إني أنشر الفكرة وأطورها".

خرجت الفكرة من رأس مي في أول "ورشة حكي" حضرتها في عام 2021 وقدمتها في المعهد البريطاني في مصر، وكذلك في حاضنة أعمال "أورانج كورنرز" وبرنامج "رابحة لتمكين المرأة"، كل منهم رحب بالفكرة ودعمها، فبدأت بالعمل عليها وتطويرها.

تظن مي أنها من الـ25% من الناس الذين يصنفون كانطوائيين، وهم الأشخاص الذين لا يستطيعون التواصل مع الناس بالطرق التقليدية والمعروفة، فيفضلون العزلة عوضاً عن التواصل، المشروع أيضاً يدعم التواصل بين المنعزلين والانطوائيين بطرق مختلفة، وكل من لا يستطيع الكلام بالطريقة المعروفة مثل ضعاف السمع والكلام واللاجئين والمغتربين.

أسست مَي مشروع "حلة وصل"، حيث يتشارك خلاله الحضور الونس والحديث عن موضوعات متنوعة، لكن أكثر ما اهتمت به كان تبادل المشاعر والقيم التي يكتسبها الناس أثناء عملية الطبخ التشاركية 

لم تكن مي تعرف عن الطبخ العلاجي لكن حينما قرأت عرفت أن الطبخ يساعد في تطبيق مبدأ "أنا هنا أنا الآن" فعندما يكون الشخص في حالة صدمة أو قد خرج للتو من علاقة مسيئة سيحاول الطبيب المعالج تطبيق هذا المبدأ معه، لذلك وبحسب مي ساعد الطبخ العلاجي في مجموعات الأعضاء على الانتباه ونسيان أحزان الماضي والتفكير في المستقبل.

للرجال نصيب أيضاً 

المشاعر المرتبطة بالطهي ليست حكراً على النساء، فبعض الرجال يؤمنون بأن للطبخ القدرة على مساعدتهم على تجاوز المشاعر السلبية، من هؤلاء أكرم وهو اسم مستعار لشاب ثلاثيني. كانت بداية أكرم مع الطهي عندما أراد استذكار والدته الراحلة، فهو يعتبره أن الطعام هو شكل من أشكال التواصل بينه وبينها، لذا يطبخ الأكلات التي كانت تحبها باستخدام أدواتها وطريقتها في الطهي وتحضير الطاولة.

ساعده الأمر على تحويل افتقاده لوالدته إلى مشاعر إيجابية، واستسلم لمزيج الروائح والألوان، كان يشعر في هذه الأوقات يأنه قريب منها. واليوم يستطيع طبخ العشرات من الأكلات الكلاسيكية مثل اللحوم والدجاج والأرز والطواجن خاصة البامية والمسقعة، لأنهما كانتا المفضلتان لدى والدته، كما أنه يتفنن في أكلات جديدة من ابتكاره.

أما محمود عبد السلام (31 عاماً) ويعمل كمدير محتوى، فاضطر أن يتعلم الطبخ بعد اغترابه عن بيت العائلة من الاسكندرية إلى القاهرة، لكن فيما بعد ساعده الطبخ على تجاوز مشاعر سلبية عديدة يعتبرها مزيجاً بين الاكتئاب والقلق ونوبات الهلع، وبحسب وصفه: "سحل دماغه بعيداً عن الأفكار السلبية التي تتزاحم فيها" وحتى لو لم يكن جائعاً، فطبق "باستا ألفريدو" الذي يقوم بتحضيره قادر دائماً على إشعاره بالسعادة.

لماذا يصعب تقبّل الآخر كما هو؟ شاركونا آلامكم (أو تجاربكم) إن كنتم قد تعرضتم لرفض ما، من أي نوع. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

نرفض أن نكون نسخاً مكررةً ومتشابهةً. مجتمعاتنا فسيفسائية وتحتضن جماعات كثيرةً متنوّعةً إثنياً ولغوياً ودينياً، ناهيك عن التنوّعات الكثيرة داخل كل واحدة من هذه الجماعات، ولذلك لا سبيل إلى الاستقرار من دون الانطلاق من احترام كل الثقافات والخصوصيات وتقبّل الآخر كما هو! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، فكل تجربة جديرة بأن تُروى. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard