الطبخ والكتابة... موائد الأدب العامرة بالطعام والحكايات

الجمعة 15 أبريل 202204:15 م

تقوم رواياتٌ على الطعام كأنه شخصية من شخصياتها، تصنع الأحداث وتُصعّد الإيقاع بروائح وطعوم وألوان الأكل، حتى لكأنّك تتذوق منها وأنت تقرأ، ويغيب تماماً أي ذكر للطعام والطبخ في أعمال أخرى. ويدخل الطعام في أخرى ضمن تفاصيل عابرة؛ مثل أن تجلس الأم لتنقية البرغل أو العدس، أو حشو كوسا أو لف ورق العنب في الأدب السوري أو اللبناني، ويكون هذا الفعل متّجهاً نحو شرح مكانة المرأة في البيت، خاصة الأم التي غالباً ما تكون مهامها اليومية البيتية علامة على كونها شخصاً مغلوباً على أمره.

أو أن يتناول البطل طاجناً من الجارة المعجبة به في روايات مغربية؛ هنا الطعام رسول حب يقول ما تعجز عنه الكلمات، لكنه رسول باتجاه واحد. في هذه الأعمال يكون الطعام علامة خضوع تعبر عن مكانة أدنى، تكون فيها المرأة وحدها صانعة الطعام، والرجل المُستقبِل المرحّب والمشتاق والمتحكم أيضاً، فهو زبون هذه الصناعة، و"الزبون ملك"، كما يقال.

في كتاب "طعام، صلاة،  حب" لإليزابيث جيلبرت، يكون الطعام إحدى طرق البحث عن الذات، التي تتضمّن الطعام والصلاة والحب. فتعثر على ذاتها بعد طلاق مرير من خلال إشباع حواسها بهذه الحاجات الثلاث، التي تراها ركائز الحياة. في رواية "كالماء للشوكولاتة" للمكسيكية لَاوْرا إسكيبيل، تتفنّن تيتا في الطبخ "من دون جدوى، فكلّ جهودها تذهب أدراج الرياح. لم تتوصل إلى أن تنتزع من شفتي بيدرو كلمة ثناء واحدة. ولكن ما لم تكن تعرفه هو أن ماما إيلينا قد طلبت من بيدرو أن يمتنع عن امتداح الطعام، إذ يكفي روساورا ما تعانيه من عدم الثقة بسبب بدانتها وتشوّه قوامها بعد الولادة، ولا حاجة لأن تتحمل فوق ذلك مجاملاته لتيتا بحجة لذة طبخها".

عمل الكاتب وعمل الطباخ متطابقان في الواقع. فالأول يستعمل الأصوات والثاني النكهات. ولكن كلاهما يطمح للهدف نفسه، وهو خلق الانسجام

الطعام والجنس

يُحرّك طبخ تيتا الشهوات، ويثير من يتناول أطباقها، خاصة تلك التي تُعدّ تحت تأثير من عاطفتها المحرّمة تجاه بيدرو، زوج شقيقتها، في رواية "كالماء للشوكولاتة". فيما يساعدنا علماء العصور القديمة في فهم سبب اهتمام الكثير من النصوص القديمة بمخاطر الرغبة والشهية، حيث كان يعتقد بأن الكبد يضم الرغبتين، الجسدية والروحية، في مكان واحد. وهذا خليط قوي يجب برأيه أن يُوضَع في نطاق السيطرة، خصوصاً عند ربطه بالأوجه الاجتماعية للرغبة، مع وفرة السلع لحظة اتساع الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية.

في المقابل يمكن الاعتماد دائماً على الطعام لقتل الذكريات والأشخاص، وهل من طريقة ألذ وأكثر قدرة على المحو من إشغال الحواس بذكريات مثيرة بالطعوم والروائح والألوان؟ بينما تعتمد تيتا بطلة "كالماء للشوكولاتة" عليه لإحياء الذّكريات والراحلين، "فيما الحشوة ترتاح، يكون مبهجاً الاستمتاع بالرائحة التي تفوح منه، لأن للروائح خاصية إعادة إنتاج أزمنة غابرة جنباً إلى جنب مع أصوات وروائح لا مثيل لها في الحاضر".

الخبز الحافي وطعام الفقراء

كلّ شيء يُطبخ، السياسة، الأدب، الفن، بمقادير مختلفة. بعضها دقيق دقة ميزان الحرارة، وبعضها مرتجل كخطاب أُلقي على عجل بحكم الحاجة والضّرورة القصوى، وقد يكون أفضل ما قدمه صاحبه، أو أسوأه. لكن في الحالتين، يكتسب الإرث والثقافة أهمية في الطبخ.

إذا كانت الكتابة تشبه الطبخ، فما الفرق بين من يرى أن الكتابة بذل للحواس مثلما القراءة تذوقٌ بها، ومن يرى الأدب أسمى أنواع الطبخ الذي هو عملية دنيوية تهدف إلى ملء البطن بينما القراءة غذاء للروح والعقل؟

عدا الثقافة والهوية، يُعبّر الطعام عن الوضعية الاجتماعية لإحدى الشخصيات في الأدب؛ فـ"الـخبز الحافي" في رواية محمد شكري لم يكن مجرد استعارة فحسب، بل هو منح الخبز الحافي دور المعبّر عن حياة خالية من المتع، تقوم على أقل الضّروريات للبقاء على قيد الحياة لا غير، بملء البطون ومواجهة الأيام بما يقي من الجوع. واختيار شكري لحياة الفقراء في طنجة للتعبير عنها، أثّر على اختيار أديب آخر هو الشاعر سعدي يوسف، الذي كتب ديواناً عن طنجة، مع اختيار الانتصار لموائد الفقراء: "أحب موائد الفقراء... أليس خبز الفقير ألذ؟ كم أشقى إذا لم أجد خبزي مع الفقراء". وفي نص آخر يكتب: "في حانة ازميرالدا/ صحن من سمك خيطي، وبقايا رز/ حبات من زيتون يقطر ملحاً/ وحديث يخفت".

الطعام بوصلةٌ في متاهة الحياة

إذا كانت الكتابة تشبه الطبخ، فما الفرق بين من يرى أن الكتابة بذل للحواس مثلما القراءة تذوقٌ بها، ومن يرى الأدب أسمى أنواع الطبخ الذي هو عملية دنيوية تهدف لملء البطن بينما القراءة غذاء للروح والعقل؟

في رواية "كالماء للشوكولاتة" تكتب لاَوْرا اسكيبيل: "مثلما يتلاعب شاعر بالكلمات، كانت تتلاعب-تيتا- على هواها بالمكوّنات والمقادير، متوصّلة إلى نتائج مذهلة". "كان يبدو كأن نتاتشا نفسها (التي علمتها الطبخ) هي التي تنجز في جسد تيتا تلك الأعمال كلها؛ نتف الطيور على الناشف، وانتزاع أحشائها والبدء بِقلْيها... كي تحتفظ بوضع جميل عند تحميرها في الزبد، بعد أن تُرش بمسحوق الفلفل والملح حسب الذوق... وهذا واحد من أسرار المطبخ التي لا تُحصى ولا تكتسب إلا بالممارسة".

لعل الأدباء الذين اشتهروا بتركيزهم على الطبخ هم روائيو أمريكا اللاتينية الذين يحضر في أعمالهم الطعام بقوة في الأدب والفنون. وفي علاقة التوابل والمقادير والمكونات بين الطبخ والإبداع، يحتار الكاتب بين وصفات لها دقة وصرامة القواعد والمعايير العلمية، أو المرتبطة بتقدير الطباخ وذاكرته ونظرته إلى الأشياء، وميله لاتخاذ طريقه الخاص ولمسته الخاصة مثلما يفعل الكاتب نفسه.

تشبّه الكاتبة الشيلية إليزابيث أليندي، الطبخ بالشعر، من حيث الارتجال والحس الخفي بموازين الأشياء، قائلة؛ "كانت بحاسة شمها التي لا تكل قادرة على تحديد المواد والأعشاب والبهارات وهي مغمضة العينين، مثلما كانت تحفظ قصائد الشعر. كانت تتمتع بميل غريب إلى الطبخ..."

تقدم النساء الطبخ بشكل أقوى من الرجال، ويدخلن في تفاصيل وافية عن الأطباق وعملية الطبخ. بالنسبة لهن إجادة الطبخ علامة على قوة حيلة المرأة، إلى جانب ذكائها، فهو يفوق الجمال الذي قد يكتفين بقدر منه لبطلاتهن. وهن حريصات على وجود معلّمة لهن، إضافة إلى قوة حدسهن الخارقة وإحساسهن بالروائح والطعوم. لذا تشبّه الكاتبة الشيلية إليزابيث أليندي، الطبخ بالشعر، من حيث الارتجال والحس الخفي بموازين الأشياء، في روايتها "ابنة الحظ" تصف إلزا بطلة الرواية قائلة؛ "كانت بحاسة شمها التي لا تكل قادرة على تحديد المواد والأعشاب والبهارات وهي مغمضة العينين، مثلما كانت تحفظ قصائد الشعر. كانت تتمتع بميل غريب إلى الطبخ. ففي السابعة كانت قادرة، ودون قرف، على سلخ لسان بقرة أو انتزاع أحشاء دجاجة، أو عجن فطيرة دون أن تشعر بالتعب".

في حوار لها، تقول الروائية الغوادالوبية الشهيرة ماريز كوندي (نسبة إلى جزر غوادلوب المستعمرة الفرنسية في الكارايبي) عن كتابها "النصر، النكهات، الكلمات": "أردت أن أشرح بالتفصيل في نظري، عمل الكاتب وعمل الطباخ من حيث أنهما متطابقان في الواقع. فالأول يستعمل الأصوات والثاني النكهات. ولكن كلاهما يطمح للهدف نفسه، وهو خلق الانسجام". كوندي كتبت بعدها الجزء الثاني من سيرتها الذاتية بعنوان "أطعمة وعجائب"،  خصصته للطبخ أيضاً الذي يمثل ركيزة ثانية لحياتها إلى جانب الأدب.

تَستمدُّ عدد من الأعمال الأدبية من التفاحة التي أكلها آدم وحواء وأخرجتهما من الجنة، هذا المغزى العميق للقصة، وتستوحي قوة تأثير فعل الأكل على مصير الإنسان بكامله

الخروج من الجنّة بتفاحة أو فاكهة لوتس

لا يقتصر الطعام على ما هو مطبوخ، إذ تَستمدُّ عدد من الأعمال الأدبية من التفاحة التي أكلها آدم وحواء وأخرجتهما من الجنة، هذا المغزى العميق للقصة، وتستوحي قوة تأثير فعل الأكل على مصير الإنسان بكامله. في ملحمة "الأوديسا" لهوميروس تنحرف سفينة أوديسيوس ورفاقه عن مسارها وتستغرق الرحلة سنوات، لتصل إلى شمال أفريقيا: "حيث يلتقي أوديسيوس ومن معه بآكلي فاكهة اللوتس ذات المذاق الحلو الشبيه بالعسل؛ ويُقدّم إليهم هؤلاء هذه الفاكهة التي تجعل من يأكلها يفقد هويتَه ورغبتَه في العودة إلى وطنه؛ لإجبار رفاقِ أوديسيوس على مغادرة هذا الفردوس بعد أن يأكلوا من هذه الفاكهة".

يُشير كتاب "الطعام في العالم القديم" لجون إم ويلكنز وشون هيل، إلى دور المسرح الكوميدي في ابتكار صور مبكرة عن الفردوس، تخلو من أي أزمات خاصة بنقص الطعام، ويتوافر فيها الطعام في قالب مثالي، يكاد يتوسَّل فيه الناس ليأكلوه. ويقدِّم الشاعر فيريكراتيس الذي عاشَ في القرن الخامس قبل الميلاد مثالاً لحياة الجنة، وذلك في مسرحيته "عمَّال المناجم" بسرد مكونات جنّة الطعام:

الجحيم يعني الحرمان من الطعام، الذي تناوله بتفوّق كبير نص مسرحي للكاتبَيْن ديفيد ديسولا وبيدرو ريفيرو، ثُم تَم تحويله إلى فيلم "the platform" الذي أُنتج عام 2019. حقق الفيلم نجاحاً كبيراً، بفضل تقديمه لأهمية الطّعام للإنسان كمُحرّض حصري لغريزة البقاء

"أنهارٌ تمتلئ بالعصيدة والمَرق أخذت تتدفَّق في القنوات وهي تُصدر خريراً، وتجد فيها ملاعقَ وغير ذلك، وتمتلئ أيضا بقِطع من كعكِ الجبن؛ ولذلك، كان من السهل أن تنزلق اللقمة من تلقاء نفسها إلى داخل أفواه الموتى. وكانت تتوافر قِطع السجق المصنوع من لحم ودم الخنزير".

الجحيم أيضاً يعني الحرمان من الطعام، الذي تناوله بتفوّق كبير نص مسرحي للكاتبَيْن ديفيد ديسولا وبيدرو ريفيرو، ثُم تَم تحويله إلى فيلم "the platform" الذي أُنتج عام 2019. حقق الفيلم نجاحاً كبيراً، بفضل تقديمه لأهمية الطّعام للإنسان كمُحرّض حصري لغريزة البقاء. حيث كانت الجنة هي الطعام الوفير، وكان الجحيم هو الغياب الكلي له. حين تصل المنصّة إلى الطوابق السّفلى خالية، يكون على السجناء قتل رفاق الطابق، والتهامهم للبقاء أحياء...

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard