شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
أنا و"الشقّ الشرجي وآلام الباسور"

أنا و"الشقّ الشرجي وآلام الباسور"

مدونة نحن وحرية التعبير

السبت 14 يناير 202312:53 م

يجهلُ الإنسان -هذا الكائن البائس- أهميةَ العضو المسمّى باللغة العربية "مؤخِّرة"، أو باللهجة العاميّة "الطيز"، أو بشكل أدقّ ذاك الثقب في المؤخرة الذي يُدعى تشريحياً بـ"الشرج"!

أقولُ يجهل أهميته ليس فقط عضويّاً وبيولوجياً، بل معنوياً وروحياً وعاطفياً... نعم لهذه الدرجة لأننا -وأقول "إننا"- لأننا جميعاً نشترك في هذا الجزء الحميميّ من أجسادنا، والذي نُخبّئه عميقاً احتشاماً وخجلاً وحمايةً... إذ يمكن للمرء أن يمشي برأسٍ مرفوع لكن لا يمكنه المشي بـ"مؤخرة" مرفوعة!

من يقرأ هذا الكلام سيتّهمني بالتخريف أو الانحطاط إلى سفاسف الأمور بدلاً من الاهتمام بقضايا أسعار الطاقة العالمية، ومجاعات البلدان الفقيرة، والزلازل والفيضانات في أنحاء الكوكب... لكن صدّقوني لو أصابكم ما أصابني، لأدركتم أن الحديث عن موضوع آلام المؤخرة لا يقل أهميةً عن النقاش في حرب أوكرانيا، وخط الفقر... لكن لندخل في صلب الحكاية (كِدتُ أقول في ثقب الحكاية):

كنتُ قد هزلتُ هزالاً بشعاً وأصبحتُ مثل "روزينانتي" حصان "دونكيشوت" الشهير، وذلك بسبب مرض خطير يُدعى "مرض الحب"، وقررتُ نكايةً بالحبيبة الهاربة أن أستعيد ما خسرتُه من وزنٍ -كرمى لعينيها- معتقداً حينها أنني المجنون صاحب الهوى، الذي مشى على النار ولم يشعر لأنه كان غارقاً في التفكير بغزالته الهائمة "ليلى"، وكنتُ أحسبُ أنّ عليَّ أنْ أُظهِرَ علائمَ العشق وتباريحَ الهُيام ومكابداتِ الجوى التي كنتُ ألهَجُ بها طوال الوقت:

"لِي في محبّتكُم شهودٌ أربعُ... وشهودُ كُلِّ قضيّةٍ اثنانِ

خفقانُ قلبي، واضطرابُ جوانحي...ونحولُ جسمي، وانعقادُ لساني".

بعد أن عذّبتني تلك العشيقة الضارية وصلبتني وشَوَتني ونغّصت روحي وتفكيري كما تفعلُ الحسناءُ القاتلة في أفلام "هيتشكوك"... قررتُ بضربةِ عزيمةٍ مفاجئة أن أستعيدَ كيلوغرامات اللحم التي كوتها نارُ الوجدِ

لكن، وبعد أن عذّبتني تلك العشيقة الضارية وصلبتني وشَوَتني ونغّصت روحي وتفكيري كما تفعلُ الحسناءُ القاتلة في أفلام "هيتشكوك"... قررتُ بضربةِ عزيمةٍ مفاجئة أن أستعيدَ كيلوغرامات اللحم التي كوتها نارُ الوجدِ، وأسترجعَ أوقياتِ الدهون التي ذوّبَها جمرُ اللوعة... فسجّلتُ في نادٍ لبناء الأجسام، ورحتُ بعد فترة التدريب المسائية، وعلى غير العادة، أحشو بطني بكل ما أجده في البراد وعلى رفوف المطبخ، من مكدوس، ومعكرونة، وخبز أبيض، وسمّون، وبيض مسلوق، وبطاطا ونشويات، وسمك سردين مع زيت الفلفل الحارّ من ذاك النوع الذي جعلَ حِمارَ بيت عمّتي يعطسُ ويضرطُ من شدة حدّته... فما كانَ مِن معدتي المسكينة وأمعائي البائسة من شدّة الإمساك، وبعد أقل من شهر، إلا أن دافعتا عن نفسيهما ضدّي، ورفستاني بهذا "الشقّ الشرجي والتهاب البواسير"... وأطاحتْ بالضربة القاضية كل فكرتي السخيفة عن "إرادةِ القوة" النيتشويّة، وجسدِ "هرقل" الذي كنتُ أنوي أن أصيرَهُ لأحققَ مأثرة استرجاع محبوبتي من أحضانِ غريمي المدجّج بأنياب من دولارات ومخالب من نفوذ!

وهكذا يا أعزّائي من الجنس البشري، يجهلُ المرء أنّ مع كلّ حركة من جسده إنما يحرّك معها، من دون أن ينتبه، ذاكَ "الثقب الوضيع الحقير" في أسفله...

وهكذا يا أعزّائي من الجنس البشري، يجهلُ المرء أنّ مع كلّ حركة من جسده إنما يحرّك معها، من دون أن ينتبه، ذاكَ "الثقب الوضيع الحقير" في أسفله... ففي الضحك ستشعر -عزيزي القارئ المرتاح الآن على قفاك بوداعة مطمئنّة- أنكَ تكاد تتحول إلى بالون على وشك الانفجار، وعندَ الغضب ستتمنى لو أنك تعضُّ مُحدّثك من شدة الألم الذي يضرب أسفلك مثل سيخ النار، أما قمة الوجع فهي حينَ تذهب إلى المرحاض لتُخرِجَ من أحشائك تلك القلة القليلة من فضلاتِ طعامٍ تناولتَهُ فقط ليبقى جسدُكَ حيّاً...

وقتها ستتمنى حرفياً وبكل خلية فيك، لو أنّ الإله خلقكَ من دون مؤخرة، وتتمنى لو أنك دودة أرض أو كائن وحيد خلية يتكاثر بالانقسام، لو أنك لم تَخرُج من "هيولى" التشكّل الأولى ولم تتحول إلى هذا الشيء الرهيب المسمّى: جسداً بشرياً!

في الـWC هناك، كنتُ أنازعُ، أستغيثُ، أصرخُ صراخاً يشبه زئيرَ حيوانٍ محبوس ومعزول، أخورُ مثلَ ثورٍ يسوقونه للذبح، كنت أتمسّكُ بأعضائي، بالمنشفة، بالمغسلة بحوض الحمّام... وأندم، يا الله كم ندمتُ على كل شيء جميل لم أفعله في حياتي. ندمتُ على كل ما ابتلعتُه بعَجَلةٍ من دون نعمة البطء والاعتدال، من مبدأ "ما أكلتَهُ وأنتَ مستمتِع؛ فقد أكلتَهُ... وما أكلتَهُ وأنتَ غير مستمتِعٍ؛ فقد أكلَكَ"... وقد أكلني الألمُ فعلاً وبصقني مثل خرقة معلوكة في فمِ كلب!

افتقدتُ في تلك اللحظة أكثر إنسانٍ في العالم يمكن له أن يحتملَ غضبي ودموعي و"خرائي" ومخاطي وخواري... افتقدتُ أمّي، وزعقتُ مثل طفلٍ لوّثَ ثيابه: يا أمّييييييي.... وأدركتُ أنّ الألمَ هو الحقيقة الوحيدة في الكوكب، هو الحقيقة السرمدية التي ننساها لفرط غرورنا البشريّ ونرجسية عقلنا الذي يعتقد أنه عارفٌ بكل شيء وما هو بعارفٍ شيئاً!

عدتُ من الحمّام ببطء شديد مثل حلزون يتآكلُ بفعلِ الماء الفاتر والملح الذي نقعتُ فيه مؤخرتي كنوع من التعقيم، تكوّمتُ في الفراش، ودفنتُ وجهي في الوسادة، فيما جسدي بوضعية السجود... وبكيت، بكيتُ ضعفاً وخوفاً وحقداً على كل شيء!

افتقدتُ في تلك اللحظة أكثر إنسانٍ في العالم يمكن له أن يحتملَ غضبي ودموعي و"خرائي" ومخاطي وخواري... افتقدتُ أمّي، وزعقتُ مثل طفلٍ لوّثَ ثيابه: يا أمّييييييي.... وأدركتُ أنّ الألمَ هو الحقيقة الوحيدة في الكوكب

رحتُ أواسي نفسي، بأنني لستُ الوحيد، وتذكرتُ -في نوعٍ من تصعيدٍ أدبيّ ونفسيّ- الملازمَ أول "بانتاليون بانتوخا" (في رواية "بانتاليون والزائرات (العاهرات)"، لماريو باراغاس يوسا، وهو في يوم الاحتفال بعيد العلَم الوطني للبيرو، حين كان يُراقِصُ زوجة الكولونيل، كيف شعَرَ بأن فتحةً مستقيمةً أصبحت وكرَ زنابير حوّلت تلك الحفلة الرسمية البهيجة إلى لحظات ألم جنونيّ مِنْ عقْصِ نِمالِ تُفرقِعُ وتلسع مؤخرةَ المسكين "بانتيتا"، ما جعلَ عينيه متخثرتين بالدموع وهو يضغط على أسنانه حتى كسرها، لكيلا يفقد إيقاع الفالس وحميمية الالتصاق بجسد زوجة الكولونيل التي كانت تتألّق بين ذراعيه غيرَ عارفةٍ بالعذاب الجهنميّ المتصاعد في دوّامةٍ حلزونيةٍ من شرجه حتى قطراتِ العرق الجليدية على جبهته!

وحين استرخيتُ قليلاً وهدأتْ براكين النار في قفاي، رحتُ أهلوس: تخيلتُ ملياراً ونصف مليار "طيز" في وضعية السجود، ورحتُ بنوعٍ من الشطَطِ أحاولُ أن أحصي كم مؤخرةً منها تعاني في هذه اللحظة بالذات من جحيم البواسير، وتعيقُ الإخوةَ المصلّين عن الاندماج التامّ في ما يقومون به وما يحتاج فعلاً إلى حالة تعبّدٍ هادئة ومستغرِقة!

ثم فكّرتُ: لماذا لا أستفيدُ فعلاً من حالة التأمل العميق وطريقة "اليوغا" في تطويع الجسد وقهره... لكن يبدو أنني غصتُ عميقاً زيادةً في تأمل مؤخرتي، وراحت الصورُ والأخيلةُ تغيمُ في ذهني، رحتُ أفكر وأتعاطف مع فتيات "الغيشا" اليابانيات المسكينات، وكيفَ كان يُطلَبُ منهن الغناء والمشي باستقامةٍ، فيما هناك قلمٌ محشورٌ في أقفيتهنّ! رحتُ أتخيلُ مؤخرات فتيات "البورنو" اللواتي يستخدمن أدوات معدنيةً وبلاستيكيةً ومُطرّياتٍ وألعاباً جنسيةً لتوسيع "منطقة اللذة" هذه، "فتحة فينوس" الملائكية، الحفرة الأثيرة عند محبّي "السكس" الضالعين في مغامراتهم حتى آخر ثُقبٍ من ثقوب الجسدِ/ المجرّة... لكني فكّرتُ في ذلك وأنا أتألمُ ألماً منعني من الانتصاب كما العادة حين أشردُ في هواجس إيروتيكيّة تخييلية كأفضل محرّضٍ جنسيّ حتى مع وجودِ الجسد الأنثويّ بزهورِ لوتسه، ونوّارِ شهواتهِ، وشهدِ إغواءاته!

ثم فكّرتُ: لماذا لا أستفيدُ فعلاً من حالة التأمل العميق وطريقة "اليوغا" في تطويع الجسد وقهره... لكن يبدو أنني غصتُ عميقاً زيادةً في تأمل مؤخرتي

بقيت شهراً ونصف الشهر منقوعاً بمراهم الأعشاب الطبية كبديلٍ من العملية الجراحية التي أخشاها مثل "فوبيا" الخوف من المصاعد، ثم راجعتُ الطبيب في آخر مرحلةٍ من العلاج، وحين غرزَ إصبعيه المغطّيَين بقفّازٍ طبيّ في شرج حضرتنا، ليتأكدّ من أنه في طريقه إلى المعافاة، كتمتُ صرخةً أشبهَ بعواء جروٍ يتشكّى لكنه ممتنٌّ لطبيبه العطوف، وتذكرتُ مشهداً من طفولتي:

دجاجةٌ مسكينةٌ كادتْ أن تموت من إمساكٍ شديدٍ أصابها من كثرة ما ابتلعتْ من حبوبِ الشعير والقمح بشراهةِ الغريزة، فما كان من جدتي إلا أن أمسكتها برفق سنوات من الخبرة، ووضعَتْها في حُضنها وهي تُحدّثها بحنان وتعاطف مُعاتِبٍ على شراهتها، ثم أدخلتْ إصبعها في طيز الدجاجة وأخرجتها بسرعة، فأطلقت الدجاجةُ رشقاتٍ من الذَّرَقِ، ثم كرجتْ بعيداً وهي تنقضُ ريشها وتقأقئ بسعادةٍ غامرة كأنها تشكرُ جدتي ولمسةَ يدِها المباركة!

مستمرون في كسر الصمت الذي ورثه بعضنا من الآباء حتى ظنّ أن للحيطان آذاناً بالفعل... نحن في حاجةٍ إلى مساعدتكم. شاركونا في أن نكون النسخ التي نسعى أن نكونها ضمن مجتمعاتنا العربية. شاركونا بما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نرفض تحويلنا إلى كائنات خائفة يسهل حكمها. لذلك كنّا وسنبقى موقعاً يرفع الصوت ضد كل قمع لحرية التعبير ويحتضن كل الأفكار "الممنوعة" و"المحرّمة". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا مسيرتنا!/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard