شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
في ظل الأزمة الاقتصادية... هل نُشرك أطفالنا في أوضاعنا المالية؟

في ظل الأزمة الاقتصادية... هل نُشرك أطفالنا في أوضاعنا المالية؟

رأي

الجمعة 13 يناير 202302:04 م

خلال الأشهر القليلة الماضية، وجدت معظم الأسر المصرية نفسها في ورطة بسبب انهيار قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار، ارتفاع نسبة التضخم والغلاء الجنوني بشكل يومي وغياب التسعيرة المحددة لأسعار المنتجات، ما تسبب في فوضى للأسعار ووقوع المستهلك فريسة لجشع التجار، وباقي التداعيات السلبية لشروط صندوق النقد الدولي لإقراض مصر؛ فالقطاع الأكبر من المصريين، ولاسيما الطبقة الوسطى، باتت تواجه صعوبة بالغة في توفير احتياجاتها الرئيسية من مواد غذائية وأدوية وحفاضات وحليب للأطفال، ناهيك عن ارتفاع أسعار الإيجارات السكنية وفواتير الكهرباء والمياه والبنزين والإنترنت والمصروفات الدراسية وكتب المدارس والجامعات، وفي الوقت نفسه، أصبح محدودو الدخل، من الموظفين الحكوميين والعاملين بالقطاع الخاص وأرباب المعاشات، يعيشون في كابوس جرّاء برنامج الإصلاح الاقتصادي؛ فرواتبهم الشهرية التي كانت بالكاد تكفيهم لم تعد قادرة على توفير احتياجاتهم الأساسية بعد التعويم الثالث للجنيه، وحتى من يملك منهم مدخرات فإن قيمتها انخفضت بشكل كبير.

وفي الوقت الذي يكافح فيه الملايين من الآباء والأمهات بمصر لتوفير احتياجات أسرهم الأساسية، وفي ظل تلك الظروف الاقتصادية المتردية التي انعكست تأثيراتها على الكثير من الأطفال، يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: هل من المفيد أن نُشرك أطفالنا في أزماتنا المالية؟

للإجابة على هذا السؤال علينا أولاً أن نتعرّف على مفهوم الوعي المالي لدى الأطفال، وكيف يمكن مناقشة الإدارة المالية مع أطفالنا؟

يشير هذا المصطلح إلى معرفة الطفل بالنقود وأهميتها وكيفية التعامل مع المال بحكمة وترشيد الإنفاق وترتيب الأولويات وقيمة الادخار للأمان المالي، ويرى خبراء التربية الحديثة أن العملية التعليمية للأطفال يجب ألّا تقتصر على المدارس والفصول الدراسية فقط، بل يكتسب الطفل أيضاً معلوماته كل يوم مما يدور حوله، والجزء الأكبر من شخصية الفرد تتكون في مرحلة الطفولة، لذا يجب على ذويه غرس الوعي المالي لديه منذ الطفولة.

اكتساب مبادئ الوعي المالي

كثيراً ما نُصادف طفلاً يبكي أو يدخل في نوبة غضب إذا رفض أحد الأبوين أو كلاهما شراء لعبة أو قطعة حلوى غالية الثمن، وربما يتهم البعض الأهل بالقسوة أو الطفل بقلة التهذيب، لكن الحقيقة أن الأبوين لم يعلما طفلهما أساسيات الوعي المالي، وبالتالي لا يُدرك قيمة النقود وكيف يُنفقها في محلها دون إهدار أو تبذير؟

يكافح الملايين من الآباء والأمهات بمصر لتوفير احتياجات أسرهم الأساسية، وفي ظل تلك الظروف الاقتصادية المتردية التي انعكست تأثيراتها على الكثيرين، يأتي السؤال الذي يطرح نفسه: هل من المفيد أن نُشرك أطفالنا في أزماتنا المالية؟

يتعرّف الطفل على مبادئ الوعي المالي منذ اللحظة التي يحصل فيها على مصروفه الشخصي اليومي للمرة الأولى، والذي يرتبط عادة بالالتحاق بالروضة أو المدرسة، فيبدأ بالتعرّف على القيمة الشرائية وأسعار الحلوى والمقرمشات التي يشتريها من مقصف المدرسة أو متجر البقالة.

وعند التحاقه بالصفوف الدراسية الأولى، يتعلم الطفل، ضمن المناهج الدراسية لمرحلة رياض الأطفال، الفرق بين الاحتياجات والرغبات؛ حيث يندرج كل من الطعام والشراب والمسكن والملابس ضمن احتياجات الإنسان الأساسية، بينما تعد الحلوى والألعاب والدمى مثلاً ضمن الأمور الترفيهية التي تصنف كرغبات.

وباصطحابنا لأطفالنا أثناء التسوق فإنه يبدأ بالتعرف على مفهوم القدرة الشرائية ومفاهيم التوفير وترشيد الإنفاق، عبر الاستفادة من العروض والخصومات ومن خلال إرشادات وشرح الوالدين له بشأن تفضيلات الشراء، ولماذا نحتاج لاقتناء منتج ما ولا نحتاج لآخر؟ وما هي الضرورات في الوقت الراهن، وما هي الأشياء التي يمكن تأجيلها لوقتٍ لاحق أو الاستغناء عنها؟

من الضروري أن نتحدث مع أطفالنا بشكل مبسط عن مبادئ الاستثمار، وضرورة ألا يضعوا كل مالهم في أمر واحد، وكيف يمكن أن يشتروا أشياء تعود عليهم بالنفع

الادخار والأمان المالي

امتلك معظمنا "حصالة" أو صندوق مخصص للادخار في الصغر، غالباً ما كان يحتوي على عملات نقدية فضية ونحاسية، وخلال المناسبات، كالأعياد، كنّا نتلقى أوراقاً نقدية من العائلة كعيدية، البعض منّا كان يدخرها لشراء شيء غالي الثمن، كلعبة كبيرة مرتفعة السعر أو ثوب أو حذاء جديد أو حتى حلية ذهبية، بينما كان البعض الآخر ينفق كل أموال العيديات على الحلوى والألعاب؛ فالأطفال بطبيعتهم يميلون لإنفاق أي أموال يحصلون عليها، حتى لو كانت أكثر مما يحتاجون، لذا يجب على الأهل تعليمهم أهمية الادخار للمستقبل، لا سيما أن ذلك يؤثر على سلوكهم طوال حياتهم، فإما أن يتحلوا بالحكمة وحسن التدبير، أو يتصفوا بالتبذير والإسراف، ما يجعلهم يقعون في الكثير من الأزمات المالية والإخفاقات والديون مستقبلاً.

وفي الوقت الراهن، لم يعد الطفل مضطراً للادخار في حصالته، بل يمكنه الاستعانة بحساب مصرفي أو دفتر توفير بريدي، تحت وصاية الأبوين، واستخدام بطاقات الخصم المباشر منذ الصغر.

وعند قيامنا بتعليم أطفالنا أساسيات الادخار، فإنه يتوجب علينا جعلهم يضعون  أهدافاً لتوفير المال ووضع ميزانية لأنفسهم والالتزام بها، فإذا كان الطفل مثلاً يحصل على عشر قطع نقدية كمصروف يومي أو مكافآت نظير قيامه بأداء بعض الأعمال المنزلية؛ فيمكنه حينها إنفاق خمسة منها وادخار البقية، ويمكنه أيضاً تدوين جميع نفقاته الفعلية والمتوقعة.

الإحاطة بالوضع المالي للأسرة

من الطبيعي أن تلقي الأزمات الاقتصادية بظلالها على الأطفال، كأن يتم التخلي عن كثير من الأمور الترفيهية، كالسفر للمصيف والرحلات أو التنزّه أو شراء ثياب وأحذية جديدة أو الحلويات وطعام المطاعم، أو خفض قيمة المصروف الشخصي للطفل، أما في البيئات الأكثر فقراً فيكون الأمر أسوأ، كأن تقل حصص الطعام أو تختفي اللحوم من على مائدة الطعام، أو تعجز الأسرة عن دفع مصروفات الدراسة لأطفالها.

فما الذي يجب علينا فعله كآباء وأمهات عندما نواجه الظروف الاقتصادية السيئة والأزمات المالية، وكيف نُشرك أطفالنا في الوضع المالي للأسرة؟

حين نرغب في غرس الوعي المالي بعقول أطفالنا وإشراكهم في الوضع الاقتصادي للأسرة، هناك أمور علينا وضعها في حسباننا، أبرزها أن نكون قدوة لهم في الكثير من الأمور المتعلقة بالمال، حيث يكون الأهل مصدر معظم العادات المالية

في البداية علينا أن نبدأ بالتحدث بهدوء ودون توتر مع أطفالنا عن الأزمة الحالية، سواء كانت متعلقة بالأسرة ومواردها المالية أو بوضع البلاد الاقتصادي السيء، ثم نُبيّن لهم تأثير تلك الأزمة الحالية على الأسرة أولاً ثم أطفالها بالضرورة، وعقب ذلك نبدأ في التساؤل عن حلول تمكنهم من تجاوز الأزمة، كالتخلي عن الأمور غير الضرورية، وتأجيل بعض الرفاهيات واللجوء لبدائل أرخص، وتخفيض النفقات وترشيد استخدام الطاقة والمياه وشبكة الإنترنت، والاستعانة بمدخرات الأسرة، وإيجاد بدائل موفرة، مثل صنع الأطعمة السريعة "الفاست فود" والمخبوزات والبيتزا والكعك والحلويات بالمنزل بدل شرائها جاهزة، على أن تشجعوا أطفالكم على العصف الذهني والمبادرة لتقديم مقترحات وحلول، وفي النهاية لا تنسوا شكرهم على تعاونهم وتفهمهم للأزمة.

ومن الضروري أن نتحدث مع أطفالنا بشكل مبسط عن مبادئ الاستثمار، وضرورة ألا يضعوا كل مالهم في أمر واحد، وكيف يُمكن أن يشتروا أشياء تعود عليهم بالنفع، وإذا كان أطفالكم قد تجاوزوا العاشرة من العمر، قوموا بإشراكهم في شراء قائمة بسيطة من احتياجات الأسرة، من مواد غذائية وسلع استهلاكية، بمبلغ محدد، وذلك لتطوير مهارات التخطيط والتحليل والمقارنة لديهم بجانب الترسيخ للوعي المالي والادخار.

تطبيقات للتخطيط المالي

يمكننا أيضاً الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية وتطبيقات الهواتف الذكية في تعليم الأطفال أسس التخطيط المالي، عبر تحميل لعبة العربات المتمردة (Renegade Buggies) والتي تعتمد على تجميع الأطفال للفكّات والكوبونات والأموال أثناء تحركهم بعربة التسوق، ليتمكنوا من شراء أكبر قيمة بأقل كلفة.

أو تحميل لعبة مغامرة ستار بانكز (Star Banks Adventure)، التي ستعلمهم ادخار المال لبناء المستلزمات الفضائية وإنقاذ كوكب بولاريا من الأزمة المالية.

أو لعبة مرح التوفير (Savings Spree)، التي تعلّم الأطفال أهمية المبالغ الصغيرة في إنفاق أو ادخار مبالغ أكبر، وتساعدهم في تحديد خياراتهم وفقاً لأولوياتهم.

أمور علينا ألاّ نغفلها

حين نرغب في غرس الوعي المالي بعقول أطفالنا وإشراكهم في الوضع الاقتصادي للأسرة، هناك أمور علينا وضعها في حسباننا، أبرزها:

أن نكون قدوة لهم في الكثير من الأمور المتعلقة بالمال، كترشيد استخدام الكهرباء والماء، حيث يكون الأهل مصدر معظم العادات المرتبطة بالإدارة المالية، ونعلّمهم وضع أهداف مالية ذكية، لنعوّد أطفالنا على القناعة وأنّهم لن يحصلوا على جميع الأشياء التي يريدونها، لنحرص على تبنّي سلوكيات الكرامة المالية وتعليم أطفالنا كيفية إنفاق المال بحكمة.

 من الضروري أن يتحلى الأطفال بقيم المشاركة والعطاء وتقدير الأشياء المعنوية والهدايا الرمزية، وأن هناك أشياء تسبب السعادة ولا تقدّر بثمن يمكن أن نجدها من حولنا، مثل الكلمة الطيبة والحضن الدافئ، لنحرص على إشراكهم في كتابة مصروفات الأسرة، دفع الفواتير أو تحضير قائمة المشتريات التي يحتاجها البيت، لنحاول حماية أطفالنا من تأثير التسوّق العاطفي والإعلانات، ضغط الأصدقاء وتأثير بعض المشاهير والشخصيات الكرتونية التي تستخدمها الشركات في الترويج لمنتجاتها؛ وذلك عن طريق التحدث معهم برفق واكسابهم الوعي.

ولكن من الضروري ألاّ نحرم الطفل نهائياً مما يطلبه، فيمكن الاكتفاء بتقديم هدية رمزية له ونشر السعادة بين أفراد الأسرة، حتى لو لم يتوفر المال، كالقيام بنشاطات مجتمعية وترفيهية مع الطفل، كالمشي، الزيارات العائلية والتنزه في الهواء الطلق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard