مستقبل مثير للقلق… ماذا ينتظر الجنيه المصري بعد الإجراءات الأخيرة؟

الأربعاء 23 مارس 202207:21 م

في اجتماع استثنائي، فاجأ البنك المركزي المصري الأسواق بتطبيق اثنتين من أدوات السياسة النقدية في آن واحد، إذ قرر رفع سعر الفائدة بنسبة 1% - أي 100 نقطة أساس- من جهة، وسمح بمزيد من المرونة في سعر صرف الجنيه من جهة أخرى، ليصل الأخير (لدى نشر هذا التقرير) إلى 18.37 جنيه مقابل الدولار الواحد، بعدما كان 15.7 صباح الإثنين 21 مارس/ آذار الجاري.

وقال محافظ البنك المركزي المصري، طارق عامر، إن البنك يستهدف من خلال إجراءاته "الحفاظ على المقدرات المالية لمصر وسيولة النقد الأجنبي من أجل تأمين احتياجات المجتمع في ظل الظروف التضخمية العالمية"، واصفاً قرار خفض قيمة العملة بأنه "عملية تصحيح" تعكس التطورات العالمية والمحلية.

وعقب الاجتماع، أعلنت وزارة المالية إعداد حزمة من الإجراءات المالية والحماية الاجتماعية بقيمة 130 مليار جنيه للتعامل مع تداعيات التحديات الاقتصادية العالمية، وتخفيف آثارها على المواطنين. وشملت الحزمة ضم 450 ألف أسرة جديدة للمستفيدين من معاشات "تكافل وكرامة"، وصرف الزيادة السنوية للموظفين والمحالين للتقاعد بدءاً من أول أبريل/ نيسان المقبل بدلاً من يوليو/ تموز، إضافة إلى زيادة حد الإعفاء الضريبي بنسبة 25% من 24 ألف جنيه إلى 30 ألفاً (بحسب تكلفة التضخم كان من المنتظر رفع حد الإعفاء إلى 36 ألف جنيه).

وأعلنت وزارة المالية عن تثبيت سعر الدولار الجمركي للسلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج عند 16 جنيهاً للدولار، إلا أن رصيف22 اطلع على منشور البنك المركزي الموجه إلى هيئة الجمارك والذي حدد فيه  سعر الدولار الجمركي ليوم 23 مارس/ أذار بـ18.28 جنيه للدولار.

فهل تكفي هذه الإجراءات جميعها لتحقيق استقرار نقدي واقتصادي أم أن مستقبل الجنيه يحمل المزيد من الاضطرابات؟

 هل تكفي هذه الإجراءات جميعها لتحقيق استقرار نقدي واقتصادي؟ أم أن مستقبل الجنيه يحمل المزيد من الاضطرابات؟

قرض جديد؟

بحسب رويترز، دفع الغزو الروسي لأوكرانيا المستثمرين الأجانب إلى سحب مليارات الدولارات من أسواق الخزانة المصرية، مما زاد الضغوط على العملة، كما تركت الحربُ مصرَ في مواجهة تكاليف أعلى لاحتياجاتها الكبيرة من استيراد القمح، فضلاً عن خسارة في عائدات السياحة من الزائرين الروس والأوكرانين.

وتسارع التضخم الرئيسي إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مسجلاً 8.8% الشهر الماضي، ولمس الحد الأعلى للنطاق المستهدف للبنك المركزي بنسبة 9%.

وكثيراً ما يضيف رفع الفائدة أعباءً على موازنة الحكومة، لأنها ترفع كلفة الاقتراض، كما يرفع خفض قيمة العملة تكلفة الاستيراد، لكنه من ناحية أخرى يجذب المستثمرين لأدوات الدين الحكومية "الأموال الساخنة"، خاصة بعد قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع معدلات الفائدة على الأموال الساخنة بربع نقطة مئوية لتصبح 0.5%، للمرة الأولى منذ عام 2018، وهذا ما يقلل من جاذبية الاستثمار في أدوات الدين في الاسواق الناشئة وعلى رأسها مصر.

ووصل حجم استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية إلى 334.1 مليار جنيه، حتى كانون الثاني/ يناير الماضي، أي أكثر من 18 مليار دولار، لكن الكثير من المستثمرين سحبوا دولاراتهم بسبب "المغالاة في قيمة الجنيه المصري" الذي كان يرتفع عن قيمته الفعلية بنسبة 15%، بحسب التقارير الدولية.

ووفقاً لوكالة فيتش للتصنيف الائتماني، تكمن خطورة هروب الاستثمارات الأجنبية من سوق الدين المصري، في حجم الاعتماد الكبير عليها في احتياطات النقد الأجنبي وأصول العملات الأجنبية الأخرى في البنك المركزي.

وذكر كبير الاقتصاديين في بنك غولدمان ساكس، فاروق سوسة، للوكالة الأمريكية، أن خفض قيمة الجنيه قد تحفز تدفقات العملة الأجنبية، بينما من غير المرجح أن يبيع المستثمرون الذين لديهم أموال في سندات الخزانة المصرية الآن، مشيراً إلى أن القرارات المصرية تهدف إلى حبس السيولة في السوق وجلب المستثمرين الذين ينتظرون وصول الجنيه إلى أدنى مستوياته.

ونوهت رويترز بأن أشخاصاً مقربين من دوائر الحكم قالوا إنها تجري مناقشات مع صندوق النقد الدولي بشأن المساعدة المحتملة، لكنها لم تعلن عن أي طلب رسمي حتى الآن. وهو ما ذكرته وكالة بلومبرغ أيضاً، وخلاصته أن مصر تجري محادثات سرية مع صندوق النقد الدولي بشأن الدعم المحتمل الذي يمكن أن يشمل قرضاً يرجح أن يراوح بين 10 و 12 مليار دولار، بحسب توقعات رويترز. إلا أن السلطات المصرية نفت وجود محادثات "حالية" من دون أن تستبعد الإقدام على خطوة الاقتراض من الصندوق مجدداً.

وأضافت الوكالة أن المناقشات تبحث في العديد من الخيارات، بما في ذلك ما يسمى "خط التمويل الاحترازي"، وهو ائتمان يمكن الاستفادة منه عند الضرورة، أو شكل آخر من أشكال المساعدة المالية.

لكن الخبير الاقتصادي مدحت نافع قال لرصيف22 إن وزيرة التخطيط نفت وجود مفاوضات حالية حول قرض جديد من صندوق النقد، وتالياً لا يمكن المزايدة على التصريحات الرسمية، لكن السؤال هو: هل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية تخولها طلب قرض جديد؟

خبير اقتصادي: صندوق النقد الدولي يرى أن الظروف الطارئة التي يعيشها العالم تستدعي تقديم قروض طارئة قيمتها حوالى 100% من اشتراك الدولة العضوة، وفي حالة مصر تصل إلى 2.5 مليار دولار فقط

يجيب نافع أن صندوق النقد الدولي يرى أن الظروف الطارئة التي يعيشها العالم الآن تستدعي تقديم قروض طارئة قيمتها حوالى 100% من اشتراك الدولة العضوة، وفي حالة مصر تصل إلى 2.5 مليار دولار فقط. وتساعد الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي مصر على طلب الأموال من صندوق النقد بفائدة ميسرة وفترة سداد مناسبة، من دون مواجهة رفض أو اعتراض.

وبناء على تقرير نشرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في سبتمبر/ أيلول 2021، زاد الدين الخارجي لمصر في شكل قفزات عام 2013 حتى عام 2016، وأخيراً عام 2020. وإجمالاً تضاعفت مستويات الاستدانة بين عامي 2010 و 2020. فعام 2020 بلغت نسبة الدين الخارجي نحو 35% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 15% عام 2010، وتوقع صندوق النقد الدولي أن تصل تلك النسبة إلى 38% عام 2023.

وأوصت دراسة للمبادرة بعنوان "الدين الخارجي 2020: كورونا ترفع الاستدانة"، بوضع سقف قانوني للاقتراض الخارجي بحيث لا يتجاوز نسبة محددة مسبقاً من الناتج المحلي الإجمالي، كما كان الوضع في فترة حكم مبارك من دون التزام تشريعي، وسقف آخر للاقتراض الخارجي لا يتخطى نسبة محددة مسبقاً من الاحتياطي الأجنبي الموجود في حوزة البنك المركزي.

ماذا عن مساعدات الخليج؟

في 8 مارس/ آذار، توجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية في زيارة رسمية، وفي اليوم التالي، أشار تقرير عن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري إلى تمديد آجال استحقاق وديعة سعودية بقيمة 2.3 مليار دولار حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2026.

وأظهر التقرير أن قيمة الودائع الخليجية في مصر وصلت إلى 12 مليار دولار، متراجعةً ثلاثة مليارات عن أيلول/ سبتمبر 2021، وتوزعت قيمة الودائع بين 5.7 مليار دولار للإمارات، وأربعة مليارات للكويت، و2.3 مليار للسعودية. 

يبدو أن هناك تحولاً في سياسة دول الخليج  الراعية للنظام المصري، إذ أعلن في اليوم نفسه الذي اتخذ فيه المركزي إجراءاته عن استحواذ الإمارات على حصص الحكومة في اثنين من أنجح المشروعات المالية في البلاد، وتلاها الإعلان عن استحواذها على حصص الحكومة في شركات حيوية للأسمدة والنقل

لكن يبدو أن هناك تحولاً واضحاً في سياسة دول الخليج التي كانت دوماً راعية للنظام المصري في ما يتعلق بتوفير الدولار للدولة المصرية، إذ أعلن في اليوم نفسه الذي اتخذ فيه المركزي إجراءاته عن بيع حصص الحكومة في اثنين من أنجح المشروعات المالية في البلاد، هما بنك CIB وشركة فوري للمدفوعات الرقمية. واشترت الإمارات حصص الحكومة فيهما بمبلغ لم يتخطَّ ملياري دولار، في اليوم نفسه، أعلن عن استحواذ شركة تابعة للصندوق السيادي السعودي على حق لإدارة فندق شبرد، وهو واحد من أفخم وأقدم فنادق وسط العاصمة المصرية.وفي إطار التساؤلات حول لجوء مصر إلى دول الخليج للمساعدة في الضغوط الاقتصادية التي تواجهها، قال لرصيف22 رشاد عبده، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المصري للدراسات الاقتصادية، إن هذا يعتمد على مدى جودة العلاقات مع دول الخليج. وأضاف: "الخليج مش بيرمي فلوسه، حتى في عز أزمة مصر خدنا منهم قروض بفائدة عالية، فده هيتوقف على حسن العلاقات ومعدل الفائدة وضوابط الاقتراض".

اقتصاديون: "لا بد من التعايش مع فكرة أن الفترة القادمة صعبة"

وأعلنت "القابضة أبو ظبي"، وهي إحدى شركات صندوق الثروة السيادي الإماراتي، نيتها الاستحواذ على حصص مملوكة للحكومة المصرية في شركات أبو قير للأسمدة ومصر لإنتاج الأسمدة والأسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، وذلك ملياري دولار. وهذا ما يمنح الإمارات فرصة القبض على مشروعات مفصلية في إدارة الاقتصاد الزراعي والمالي المصري مقابل مليارين إلى أربعة ملايين من الدولارات، بالإضافة إلى نفوذها الواسع في مجال الموانئ والنقل.

الجدير بالذكر أن دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، تشهد فوائض غير مسبوقة بسبب ارتفاع أسعار النفط.

التقليل من حدة التضخم

وقال مدحت نافع إنه يبدو أن هناك أزمة سيولة دفعت الحكومة للتعجيل باجتماع السياسة النقدية، وعقده الاثنين بدلاً من الخميس المقبل كما كان مقرراً، واستخدام أداتين من أدوات السياسة النقدية معاً. وأضاف: "طالما فيه تعجل يبقى صعب الإجراءات كانت تتخذ على مرحلتين، ومع ذلك لو كنا أقدمنا على تحريك سعر الفائدة وتقديم المنتجات زي الشهادات بفائدة 18% المعلن عنها، قبل أسبوع، كان من الممكن أن يكون لهذا أثر إيجابي على حجم التراجع في العملة الصعبة".

ولفت إلى أن الهدف من اجراءات البنك المركزي هو التقليل من حدة التضخم، الذي تأتي معظم قنواته من الخارج لأسباب تتعلق بجائحة كوفيد-19، ورفع سعر الفائدة على الدولار الأمريكي، والحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل الإمداد. واستطرد: "الحكومة بتحاول تفرمل التضخم الناتج عن كل الأسباب دي".

هل تشهد قيمة الجنيه انخفاضاً جديداً؟

رداً على هذا السؤال، أجاب مدحت نافع أنه "وارد بالتأكيد"، لأن ترك العملة للعرض والطلب قد يؤدي إلى انخفاض جديد في قيمتها، لأن التضخم مستمر على مستوى العالم، مؤكداً أنه "لا بد من التعايش مع فكرة أن الفترة القادمة صعبة".

وأقدمت عدة دول على تحريك سعر فائدتها استجابة لقرار البنك الفيدرالي الأمريكي رفع الفائدة بنسبة 0.25%. في عداد تلك الدول السعودية والإمارات والكويت وقطر التي رفعت الفائدة بالنسبة نفسها، فيما جاءت حركة مصر أوسع إذ رفعت الفائدة أربعة أضعاف القرار الأمريكي.

وينتظر أن يُقدم الفيدرالي الأمريكي على رفع الفائدة ست مرات أخرى، وينتظر أن يصل إجمالي حركة الفائدة صعوداً 3% بالنسبة للدولار، وهذا ما سيجبر مصر على الاستجابة لرفع الفائدة مراراً خلال العام الجاري. ومن المنتظر أن يؤثر هذا تباعاً على التضخم وعلى قيمة الجنيه كذلك. 

وفي 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، قرر البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات بهدف القضاء على السوق السوداء التي انتعشت نتيجة الضغوط على الدولار، والنقص الحاد في موارد مصر من العملات الأجنبية، حتى أن سعر الدولار في السوق السوداء وصل إلى 18 جنيهاً، بينما كان محدداً رسمياً بـ8.8 جنيهات. لكن الدولة بعدما أطلقت سراح عملتها الرسمية لتحتل مكانها المناسب أمام الدولار عادت وثبتّت قيمتها مرة أخرى إذ استقر الجنيه عند مستوى 15.7 مقابل الدولار منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2020.

ماذا عن الأسعار؟

برغم تصريحات رئيس مصلحة الجمارك، الشحات غتوري، المتعلقة بمساهمة قرار تثبيت سعر الدولار الجمركي عند 16 جنيهاً في تثبيت الأسعار داخل السوق المحلي وعدم رفعها أكثر من اللازم، قال مدحت نافع إن للقرار مردوداً إيجابياً على الأسعار، لكنه لن يمنع ارتفاعها تماماً.

وأضاف أن الأسعار ستشهد ارتفاعاً خلال الفترة المقبلة: "كدا كدا هيحصل ارتفاع، الأسعار بتزيد نتيجة العرض والطلب، والتضخم اللي في مصر يتجاوز فكرة تحييد قيمة سعر الصرف، لكن هناك تضخم عالمي ينعكس على مصر مع الاستيراد، على سبيل المثال حجم التضخم في الولايات المتحدة وصل 7.9% وهي بتستهدف 2% فقط، وبالتالي أي شيء  مستورد من أمريكا هايجي غالي، ده بخلاف ارتفاع أسعار المنتجات المحلية".

ورأى أن زيادة الإنتاج وتعميق الصناعة المحلية "روشتة معروفة" لتحسين وضع الاقتصاد، لكن مثل هذه الإجراءات تؤتي ثماراً على المدى المتوسط أو الطويل، أما مع الحاجة لإجراءات تظهر نتائجها في المدى القصير، فالإجراءات التي اتخذتها الحكومة محمودة، خاصة أنها لم تغفل التأثير على المواطن البسيط. واتخذ الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتخصيص 130 مليار جنيه  لتخفيف وطأة الوضع الاقتصادي عليه. وقال: "صحيح المبلغ ده ممكن يخلق قوة شرائية قد تنعكس على مزيد من التضخم، لكن الحكومة تستهدف الفئات التي تستهلك الجانب الأكبر من دخلها في شراء الأساسيات، ثم طرحت الأوعية الادخارية ورفعت سعر الفائدة لامتصاص السيولة من أصحاب الفائض".

أما رشاد عبده، فقال إن ضبط الأسعار يتوقف على رقابة الدولة على الأسواق: "لو مفيش رقابة التجار الجشعين هيستغلوا الموقف ويرفعوا الأسعار".

وقالت هدى الملاح الخبيرة الاقتصادية ومديرة المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى إن الدولة اتخذت الإجراءات التي من شأنها مواجهة الأزمة الضاغطة الحالية بشكل عاجل، لكن عليها البدء فوراً في الإنتاج لرفع القيمة الشرائية للجنيه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard