شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
بنات عبد الرحمن… أوتار العود ما زالت تصدح

بنات عبد الرحمن… أوتار العود ما زالت تصدح

رأي

الخميس 12 يناير 202309:02 م

في بيت البنات، كل شيء قابل لأن يكون في العلن، ليس بسبب أصواتهن عند المشاجرات، بل لأن وجود بنات في محيط واحد، ما هو إلا مادة مثيرة لتلصص الجيران، ويتعداه للتحكم أيضاً في إطلاق ما يمكن إطلاقه من مفردات تحط من ذلك البيت وأهله، يزرعون الخوف في قلوبهن ويحملونهن مسؤولية أي حدث لا أخلاقي يحدث أمام منزلهن. فالمتحرشون مثلاً موجودون، إذ في الحارة بيت للبنات، وزوج فلانة عينه زائغة بسببهن أيضاً، والأب لا أحد يتحدث معه من الجيران والأقارب بعد هروب ابنته الصغرى إلى دبي. كلّ هذا يحدث بشكل دقيق في الفيلم الروائي الطويل الأوّل «بنات عبد الرحمن» للمخرج الأردني زيد أبو حمدان، وهو يعرض حالياً على منصة شاهد بعد انتهاء جولة المهرجانات السينمائية،من بطولة الممثلة الأردنية صبا مبارك التي لعبت دور أمل، والممثلات الفلسطينيات فرح بسيسو التي لعبت دور زينب، وحنان الحلو التي لعبت دور سماح، ومريم باشا التي لعبت دور ختام، وضيفة الشرف هيفاء آغا بدور عمّتهن.

تكمن أهمية الفيلم في قدرته على نقل مشاعر أربع أخوات، لكل واحدة شخصيتها المختلفة تماماً عن الأخرى، لكن يجمع بينهن الغضب تجاه كل شخص يطلّ من شباكه عليهنّ، مما أثّر أيضاً على علاقتهن بعضهن ببعض، فكل واحدة منهن اختارت طريقها إما هرباً أو تمرداً، كي لا تكون أسيرة لبيت تلقى الضربات كثيراً في حضرة أب لم يستطع إلا الخضوع لمفهوم الأبوية الذكورية، فنتج عن ذلك أربعة نماذج لنساء محطمات.

أربع شخصيات سيجتمعن تحت سقف واحد، لكل منهن تناقضاتها، تحديداً شخصية أمل المتدينة التي تخبئ علبة السجائر في عبها، فهي التي تجسد فعلاً معنى القهر وقلة الحيلة

يبدأ الفيلم مع شخصية زينب وينتهي أيضاً معها، لأسباب عديدة سيتم إدراكها من قبل مشاهدي الفيلم الذي تدور أحداثه في منطقة الأشرفية في عمان الشرقية في الأردن. يتم التعرف على زينب من خلال المشاهد الأولى، فهي راعية لوالدها عبد الرحمن الذي أدى دوره الممثل خالد الطريفي، الذي يعاني من فقدان تدريجي للذاكرة. زينب غير متزوجة، تعمل في الخياطة، وتعيش أحلامها مع كل قطعة تخيطها سواء كانت قمصاناً حريرية للنوم أو فساتين عرس، ترتديها وتتأمل نفسها في المرايا، وتأخذ من كل فستان قطعة تحتفظ فيها بدرجها الخاص، تحضّر الفطور لوالدها، تطعم القطة، إنّها حياة روتينية مكررة تكسرها ربما أحاديث كل زبونة تأتي إلى زينب.

علاقة زينب مع والدها وهو صاحب مكتبة لا تتجاوز بضع جمل، أو سؤالاً تكون إجابته بنعم أو لا، مثل سؤاله اليومي إذا ما تلقت زينب مكالمة من شقيقاتها.

هذه المقدمة التي لا بد منها، اعتمدها أبو حمدان كي ينقل شخصية زينب، وتكون في مقارنة مع شقيقاتها اللواتي سيظهرن، بعد اختفاء الأب من المنزل، وكأن البيت احتاج إلى مصيبة كي تصدح الأصوات فيه.

منذ لحظة توافد الأخوات إلى المنزل، بالتزامن مع عودة ختام الأخت الصغرى من دبي، يتم إدراك الشرخ الكبير بينهن، فقد مضت سنوات لم يجتمعن تحت سقف واحد، فأمل التي تزوجت مبكراً من رجل يعنّفها، ترتدي النقاب، وكل كلامها عن الحلال والحرام، تحديداً مع أختها سماح المتزوّجة من ثري، وقد قضت حياتها معه وهي تراقبه بسبب خياناته المتكررة، وحرمت نفسها من إيجاد حل لمشكلة عدم إنجابها، وفي المقابل تظهر ختام التي قررت الذهاب إلى دبي، واستطاعت أن تعيش كما تريد، لكنها تجاوزت الحدود حسب المفهوم المجتمعي، تحديداً لأنّها تعيش مع حبيبها دون زواج.

أربع شخصيات سيجتمعن تحت سقف واحد، لكل منهن تناقضاتها، تحديداً شخصية أمل المتدينة التي تخبئ علبة السجائر في عبها، فهي التي تجسد فعلاً معنى القهر وقلة الحيلة.

في هذا اللقاء الجامع الذي يتم الاعتقاد بأن اختفاء الأب هو الأساس، يتم الكشف عن حياة كل امرأة في هذا المنزل، بداية من علاقتهن بوالدهن، مروراً بقصصهن السرية وليس انتهاءً بضحكات تؤكد أن كلّ امرأة تحتاج إلى انتفاضتها الخاصة بوجه من توهم أنه قادر على السيطرة عليها.

في هذا اللقاء الجامع الذي يتم الاعتقاد بأن اختفاء الأب هو الأساس، يتم الكشف عن حياة كل امرأة في هذا المنزل، بداية من علاقتهن بوالدهن، مروراً بقصصهن السرية وليس انتهاءً بضحكات تؤكد أن كلّ امرأة تحتاج إلى انتفاضتها الخاصة بوجه من توهم أنه قادر على السيطرة عليها

بنات عبد الرحمن فيلم مليء بالتفاصيل التي من الممكن أن تتحول إلى عبء وزخم، يثقلان كاهل العمل، لكن الحديث هنا، عن مخرج أراد فعلاً أن ينقل حكايات من محيطه، وهي نقطة في بحر مقارنة بما لم يرو بعد. القوة أيضاً في أداء الممثلات اللواتي استطاع أبو حمدان أن يديرهن بشكل محترف. ثمة تجسيد من الصعب أن تجعله بهذه البراعة إذا لم تكن الممثلات على ثقة برؤية المخرج، فالانتقال في تطور شخصية كل واحدة منهن، تحديداً شخصية زينب التي يتضح أنها الجامعة بينهن، أكثر من فكرة الأب الضائع والأم الراحلة، هو ذكاء في النص، فمن خلالها مرّر أبو حمدان قصة الحب بين مختلفات في الدين، بشكل سلس، مع شخصية لا يمكن أن تشكك فيها، بسبب خضوعها التام، لكن هنا مكمن الذكاء، فهذا الخضوع كان الثمن لكي يرضى الأب على ابنته.

 يمرر أبو حمدان بعض المواضيع التي ما زال من الصعب الحديث عنها بشكل موسع مثل المساكنة، والمثلية، وقيمة غشاء البكارة...

في المقابل، تظهر مشاهد من غير المنصف الكشف عنها لإعطاء فرصة لمشاهدة الفيلم، لكنها مشاهد تستحق الذكر، مثل وقت انتفاضة أمل على زوجها بسبب رغبته بتزويج ابنته ذات الـ15 عاماً، وكيف تكاتفت الأخوات في تنفيذ المهمة، في ذلك الوقت، تبدأ عودة الثقة بين الأخوات، وتكشف كل واحدة منهن عن حياتها وما آلت إليها، دون أحكام، بكل تفهم وإنصات.

فالتناقضات تحضر في حوار بين أمل وسماح "بيخونك وانت بتفاجئيه… بيضربك وانتِ قاعداله بالدار"، هذا الحوار كان كفيلاً بتلخيص واقع النساء اللواتي تربين في بيت قبل أن يخضع لقوانين الحارة، على حساب سعادة بناتهن، فسماح مستعدة لبيع ذهبها مقابل إبر تجميل، مع علمها بخيانة زوجها لها، وأمل المستهجنة تتحمل الضرب والعنف اللفظي خوفاً من لقب مطلقة تحديداً، بعد جملة أبيها لها، بأنه يفضل عودتها بكفن على أن تحمل لقب مطلقة.

من ناحية أخرى، يمرر أبو حمدان بعض المواضيع التي ما زال من الصعب الحديث عنها بشكل موسع مثل المساكنة، والمثلية، وقيمة غشاء البكارة، تحديداً أن ختام ستتزوج من شاب ليس هو الذي فقدت عذريّتها معه، فأراد أبو حمدان وهو كاتب الفيلم أن يلفت الانتباه إلى نماذج من المجتمع موجودة فعلاً، حتى لو كانت صفة (مقرّن) التي أطلقتها سماح عليه هي السائدة.

في هذا الفيلم الذي يندرج تحت فئة الكوميديا السوداء، استطاع أبو حمدان أن ينقل معنى التناقض المجتمعي، في حضرة الخياطة زينب، التي نسي أهل الحارة أن أخبارهم كلها عندها، فكان مشهد المواجهة مصنوعاً بحرفية، واستطاع أن يحكي ادّعاء التدين في حضرة متحرش بالأطفال، ونجح في نقل المعنى الحرفي لعدم المساواة بين المرأة والرجل، ومعنى العنف، سواء كان جسدياً أو لفظياً. وضع أبو حمدان كلّ الآفات المجتمعيّة التي تعاني منها غالبية المجتمعات العربية عن طريق حكايات نساء، إذ من السهل أن تجد كل امرأة نفسها في واحدة منهن بشكل أو بآخر، لكن المؤكد أنه استطاع أيضاً أن يوصل فكرة العود الذي تخبئه زينب في خزانتها، وأنّ أوتاره ما زالت تعمل، لكنه يحتاج إلى ميزان ودوزنة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard