أخوات مقموعات يبحثن عن أب غائب… فيلم "بنات عبد الرحمن"

الأربعاء 1 ديسمبر 202103:37 م

هل نحن عالقون في دائرة من النساء التعساء والرجال المبرمجين على القمع؟ كم من أحلام ورغبات تضيّعها المرأة في طريق امتثالها لأحكام المجتمع وتقاليده؟ وماذا لو قررت التمرد على واقعها واختارت العيش بحرية؟

كانت هذه الأسئلة هي الحافز، الذي دفع بالمخرج الأردني زيد أبو حمدان لصناعة فيلمه الأول "بنات عبد الرحمن"، المشارك ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ43. وقد ظلت تتردد في ذهنه كلما تأمل حال نساء عائلته، وتضحياتهن الكثيرة في سبيل نيل رضا محيطهن الاجتماعي. فثمة حزن دفين يتوارى خلف الشفاه المبتسمة الصامتة، يحتاج لمن يتحدث عنه، ويعري أسبابه. 

أربع نساء يبحثن عن الأب

في حي ينتمى إلى عمان الشرقية، التي تتمسك بطابعها الريفي المحافظ، وعاداتها العتيقة، على الرغم من احتضانها الكثير من مفردات الحداثة، تنطلق أحداث فيلم يتناول علاقة أربع شقيقات، يتشاركن النشأة القاسية، ويختلفن في طباعهن ونمط الحياة الذي تعيشه كل واحدة منهن.

وقد تسبب هذا التباين في تعميق الخلافات وإحداث قطيعة امتدت سنوات بين الأخوات، لم ينهِها سوى اختفاء الأب واجتماعهن كلهن للبحث عنه.

يختار أبو حمدان أن يعرفنا على الشخصيات الأربع تباعاً على الطريقة الهوليوودية، إذ تظهر كل منهن في بيئتها المعبرة عن تفاصيل يومها، ثم يكشف بالتدريج عن الأزمات والمخاوف، التي تقف حائلاً أمام تحررهن.

 العود المكسور الذي يشغل حيزاً في غرفة الابنة الكبرى، المحجبة الأربعينية، هو أكبر دليل على ما تفعله النظرات والألسنة بحياة البشر

يبدأ من الأكبر سناً، زينب (فرح بسيسو) المحجبة الأربعينية، التي ضحّت بالزواج حتى ترعى أباها المسن. هي خياطة الحي، التي تعرف عنه الكثير بفضل ثرثرة زبوناتها، ولكنها تخشاه لأن العيون المتلصصة لا ترحم، وتبحث دوماً عن كل ما هو مثير وخارج عن المألوف لتتبادل الأحاديث حوله، وتُطلق الأحكام عليه.

ولعل العود المكسور الذي يشغل حيزاً في غرفتها هو أكبر دليل على ما تفعله النظرات والألسنة بحياة البشر.

أما آمال (صبا مبارك) الأم والزوجة المعنفة، التي ترتسم آثار الضرب على وجهها، وتعيش في حالة خوف مستمر تحاول إخفاءه وراء مظهرها الديني المتشدد وأسلوبها العنيف، فتأمل أن يحصنها إيمانها من بطش زوجها المتزمت، ولكنها تدرك في أعماقها أن لا سبيل للنجاة إلا إذا تحلت بشجاعة المواجهة وامتلكت مصدر دخل يمكنها من الانفصال.

 فيما تبدو سماح (حنان الحلو) على النقيض منهما، فهي سيدة سليطة اللسان، وجريئة تحرص على الاعتناء بجمالها، وتغالي في إظهار أنوثتها حتى تلفت انتباه زوجها الثري، الذي لا يعبأ بها. توهم نفسها بأنه يخونها، ولكنها تعيش في حالة إنكار، وترفض الاعتراف بحقيقة زيجتها الصورية.

وأخيراً ختام (مريم باشا) الشابة المتحررة، التي تركت البلاد لتنعم باستقلالية في علاقاتها العاطفية، واختياراتها الحياتية، ولكن ذلك وصمها أمام الجميع، وأدى إلى خسارتها لأبيها.

هذه التناقضات تبدد سكون البيت، الذي ابتعدن عنه مدة طويلة، وتؤدي إلى صدامات قوية في البداية، خاصة مع وجود مشاعر غضب متبادلة في ما بينهن ، وتجاه الحياة عموماً، ولكن عبارات الرفض والعتاب تتراجع مع زيادة لحظات البوح والمشاركة، سواءً للمعاناة التي عشنها في الماضي أو المفروضة عليهن في الحاضر. إذ ذاك تستجمع كل منهن قوتها وقدرتها على التعامل مع الواقع بمساندة شقيقاتها.

أجرى زيد أبو حمدان دراسة استقصائية ليستطيع نسج التفاصيل، التي تمنح كل شخصية من الشخصيات الأربع أصالتها. فقد تواصل مع نساء أردنيات من خلفيات متباينة ليستمع إلى قصصهن، ويتمكن من تقديم عمل سينمائي يعبر عن وجهة نظرهن وصراعاتهن الداخلية والخارجية.

يقول أبو حمدان خلال المؤتمر الصحافي: "أنا ابن مجتمع عربي، وشاب شرقي، غالباً ما يكون قلبي وعقلي بالمكان الصحيح تجاه النساء، ولكنّ هناك تأثيراً واقعاً علي من الإرث الذكوري، لذلك كان لا بد أن أبذل جهداً حتى أسرد الحكاية بصدق".

شعور بالمرارة

يقوم النظام البطريركي بالأساس على تأكيد تفوق الذكر وتثبيت هيمنته على النساء، ثم تحمل المجتمعات الأبوية عداءً عميقاً للمرأة، فتنفي وجودها الاجتماعي وتقف في وجه كل محاولة لتحريرها، كما يشير المفكر هشام الشرابي في كتابه "النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي".

يتبنى فيلم "بنات عبد الرحمن" وجهة نظر جريئة ضد هذا النظام، معتمداً لغة خطابية مباشرة ومونولوغات طويلة أحياناً تدين ممارساته المختلفة من عنف أسري وزواج قاصرات ووصاية مجتمعية.

لم ينجب الأب في الفيلم سوى البنات، فأغلظ في معاملتهن، مما أشاع مناخ الكراهية بينهن، لتمر السنوات ويختفي فجأة، فتجتمع بناته للبحث عنه، وتكتشفن حياتهن من جديد

من هذه الأفكار المزدحمة، تبقى الفكرة الأكثر نضجاً وهي العلاقة بين البنات وأهلهن لا سيما الأب. فهناك شعور مستمر بالمرارة نتيجة الحرمان من دعم الأب، الذي اختار الغلظة في التعامل معهن بدلاً من الحب والتفاهم، ولم يقو على الوقوف في وجه مجتمع يعتبر إنجاب الفتيات مشكلة، ويمارس الكثير من الضغوط على كل من يخالف موروثاته وأفكاره البالية.

وقد أثر هذا على الصورة الذاتية لكل منهن عن نفسها، وقدرتها على الوصول إلى حالة اتزان وتوافق مع العالم.

ولكي يخفف أبو حمدان من قتامة السرد الميلودرامي، لجأ إلى المواقف الكوميدية والمفارقات الطريفة ليوازن الشحنة العاطفية التي يقدمها، فالشخصيات جذابة ومتنوعة، وتتميز الحوارات بالديناميكية والتلقائية اللافتة.

كل هذا دفع المشاهد إلى التجاوب مع الفيلم في عرضه العالمي الأول، وانتزع الكثير من الضحكات.

وقد حدثت حالة من التماهي بين الجمهور في الصالة والشخصيات على الشاشة، لأن الموضوع لا يعبّر عن وضع المرأة في الأردن فحسب، بل أيضاً في مختلف البلدان العربية، إذ تعالت الصيحات وصفق البعض في مشاهد تتخذ موقفاً من الظلم الواقع على النساء، كالتصدي لزوج عنيف أو إهانة الجيران المتطفلين، وفضح أفعالهم الدنيئة.

برغم وجود تحفظات على المعالجة، يبقى "بنات عبد الرحمن" ممتعاً وصادقاً في مساعيه لمجابهة البيئة الذكورية وقيمها الفاسدة. وتترك نهايته أثراً محبباً في النفوس. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard