فيلم "جنائن معلّقة"... لا فرق بين أزمنة الوجع العراقي

الخميس 15 سبتمبر 202210:41 ص

استطاع المخرج العراقي أحمد ياسين، في شريطه الروائي الطويل الأول "جنائن معلّقة"، أن ينقل حكايةً عراقيةً خالصةً بكل تشرذماتها الاجتماعية والسياسية والدينية مع مخلّفات الغزو الأمريكي، ولا يوجد أدق من مكب لطمر النفايات في نقل هذه العلاقة، المكان الرئيسي لأحداث الفيلم الذي عُرض مؤخراً في الدورة 79 الفائتة من مهرجان ڤينيسيا السينمائي الدولي.

في هذه التجربة الأولى للمخرج ياسين، نستطيع لمس قدرته على إدارة عناصر الفيلم مع المخرج (أول مساعد) وارث كويش، وخياراته في من يمثّل الحكاية التي كتبها بنفسه وشارك في كتابة السيناريو الخاص بها، إلى جانب مارغريت جلوفر.

يُفتتح الفيلم في مشهد عريض لمكب للنفايات في العاصمة بغداد، وهو مكبّ ضخم، تقصده مجموعة من الناس ليسترزقوا من خلاله، عبر نفايات من كل صوب وجانب، لكن أهمها من الناحية المادية عند بيعها، هي المخلّفات التي تركها الجنود الأمريكيون، مثل الملابس، الأكسسوارات، ودولارات منسية في جيوب بنطال جينز، كل هذا في حضرة دبابة بالية ساكنة في مكانها في ذلك المكبّ، وتصبح لها دلالات أخرى بعد تطور الأحداث.

إن بُعد هذا الوجع والاهتمام به، يتعلقان ربما بكميات المآسي التي تعيشها أقطار عربية عديدة، بحيث أصبح العراق في غياهب النسيان

أحداث الفيلم تدور في عام 2021، وهو عام قريب إلينا، وكأنها إشارة إلى أن لا فرق بين زمن وزمن مع الوجع العراقي. وبُعد هذا الوجع والاهتمام به، يتعلقان ربما بكميات المآسي التي تعيشها أقطار عربية عديدة، بحيث أصبح العراق في غياهب النسيان.

هذه الأحداث أيضاً مبنية على قصة حقيقية بطلها طفل عمره 12 عاماً، واسمه "أسعد"، أدى دوره بإحكام حسين محمد جليل. هذا الأسعد هو المحرك الأساسي لكل ما سيحلّ على الفيلم من ويلات درامية مضحكة، ربما إلى حد البكاء قهراً. ولأنها من خلال طفل، فالتأويل فيها يتمركز بنظرة طفل إلى كل ما يحدث حوله، والتعبير لا يكون إلا من خلال ردات فعل طفولية، وهنا العمق الدرامي في كل الحكاية التي أدارها بنظرة ثاقبة مخرج العمل، فليس من السهل أن تحمل فيلماً كاملاً على كاهل طفل إلا إذا كانت بالفعل لدى المخرج دراية كاملة بآلية التوظيف، وهذا ما ستتم ملاحظته، في كل مشهد في هذا العمل المميز، الذي يضعنا في مواجهة مكب نفايات يتحمل العالم كله جزءاً منه.

في المقابل، وبعيداً عن مكب النفايات، تعريف بالشخصيات التي تظهر في الفيلم، وتبدأ بعلاقة "أسعد" بشقيقه الأكبر "طه"، الذي يمثل دوره وسام ضياء، وهي علاقة جافة لا تخلو من بضع حنّية من حين إلى آخر. أسعد ينظر إلى طه كشقيق أكبر، ويحاول أن يثير إعجابه، تحديداً بعد مشهد تلصصه على جارتهم، وهنا الإشارة إلى الكبت الجنسي المقترن بالفقر. في تلك الأثناء أيضاً، يتم التعرف على شخصية الحجي، صاحب العمامة المسؤول عن شراء النفايات، والآمر الناهي، الذي يهدد ويتوعد من يخالف شرع الله. لكن هذا لا يتوافق معه تحديداً عندما تتنبّه إلى نظرته الجنسية تجاه الأطفال الذكور، ولا يتوافق مع جماعته التي تستسقي صفحات المجلات الإباحية. كل هذا مع أسعد الشاهد على كل هذا التناقض.

كان لا بد من هذا التعريف حول ظروف الشخصيات التي تعيش في الفيلم، لأنها ستكون حاضرةً ولها تأثيرها عندما تنتقل الأحداث إلى الحبكة الرئيسية فيه، والتي تتلخص في عثور أسعد على دمية جنسية شقراء ترتدي البيكيني الملوّن بعلم أمريكي.

فيلم له رائحة نشعر بها من حين إلى آخر، وكأننا فعلاً نستنشق الروائح التي تخرج من ذلك المكب المليء بحكايات من وطن كامل

علاقة "أسعد" مع هذه الدمية لا تشبه علاقة البالغين معها. هو يتعامل معها بطريقة إنسانية، ويخاف عليها، تحديداً بعد أن كشف شقيقه طه وجودها في المنزل. وتبرير أسعد كان أن جاء بها إليه، كي يكفّ عن التلصص على جارته. من هذا المشهد يختلف كل شيء في الفيلم، ويصبح أسعد مع دميته الشقراء الأمريكية في مواجهة كل الشخصيات في الفيلم، ومن ضمنها صديقه الذي يقنعه بتحويل هذه الدمية إلى مشروع تجاري، وإعطاء فرصة للمحرومين جنسياً من الشباب المراهقين وحتى الكبار في السن، من ممارسة الجنس معها مقابل مردود مادي، ويبدأ مع هذه المهمة كشف المستور عن كل الشخصيات في الفيلم التي لم تكن عابرةً أبداً، بل كان لكل شخصية تأثيرها على التعريف على المشهد العام الذي وصل إليه العراق. لكن أسعد وحده هو الذي حاول التمسك بطفولته، فالدمية لا تثيره جنسياً، فهو لم يبلغ بعد، لذلك تراه حانياً عليها، ينظّفها باستمرار، ويتشاجر مع من يتعامل معها بعنف. لكن هذه البراءة لم تنقذه في حضرة كل هذا الغضب والقهر والحرمان والتستر بالدين، في كل شخصية تظهر وتختفي.

أسعد الذي لم يعرف الإجابة عن سؤال صديقه عن حلمه، لأنه لا يعرف معنى الأحلام، حاول التمسك بهذه الدمية قدر استطاعته، لكنه في النهاية تذكر ربما أن الدمية الجنسية تحمل ملامح وعلم من تسبب بحرمانه من والده. هكذا كبر أسعد فجأةً وقرر بطريقة تراجيدية أن ينهي اللعبة كلها وينتقم، لكن هذه المرة ليس بحسّ طفولي.

يطغى على الفيلم اللون القاتم في أغلب مشاهده، ونعيش معه كمشاهدين تفاصيل حياتيةً للفرد العراقي، في ظل الخوف والفقر والحرمان وسيطرة الخطاب الديني، فيلم له رائحة نشعر بها من حين إلى آخر، وكأننا فعلاً نستنشق الروائح التي تخرج من ذلك المكب المليء بحكايات من وطن كامل. رافقت كل هذا موسيقى قادرة على استيعاب كل هذا التناقض، من تأليف سعاد بشناق، التي من الواضح أننا سنرى اسمها كثيراً في الفترة القادمة بعد تجارب مهمة في أفلام عربية عدة. هذا الفيلم من تمثيل حسين محمد جليل، ووسام ضياء، وأكرم مازن علي بدور، وجواد الشكرجي وغيرهم.

تفاصيل كثيرة في هذا الفيلم الذي تقترب مدته من الساعتين، كفيلة بأن تترك المتلقّي كي يفكر قليلاً في ذلك الوطن المقهور، وكفيل بأن يترك في النفس غصةً، وكأنها تستجدي "أسعد" ألا يكبر أبداً

شاركت في دعمه وإنتاجه مؤسسات عربية وعالمية، فهو من إنتاج هدى الكاظمي، عشتار العراق للإنتاج السينمائي، ومارغريت غلوفر من بريطانيا، ومي عودة، عودة للأفلام / فلسطين، ومحمد حفظي ودانيال زيسكيند من شركة فيلم كلينك/ مصر، وسيشكّل حالةً انتقاليةً في صناعة الفيلم العراقي، خاصةً أن الكثير من الحكايات لم تُروَ بعد.

في "جنائن معلّقة"، عنوان لا يشبه بشاعريته أبداً أحداث الفيلم، الذي ستقف محتاراً أمام مشهد جثة طفل ملقاة في ذلك المكب، وخداع من الحجي المستمر لفرض السيطرة، ومشاجرات لها علاقة بتعريف العار، حتى لو كان من خلال دمية، وقيمة المرأة التي من الممكن أن تُدفن باسم ذكر؛ تفاصيل كثيرة في هذا الفيلم الذي تقترب مدته من الساعتين، كفيلة بأن تترك المتلقّي كي يفكر قليلاً في ذلك الوطن المقهور، وكفيل بأن يترك في النفس غصةً، وكأنها تستجدي "أسعد" ألا يكبر أبداً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard