شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
آني إرنو وتطريز الحبّ والكتابة

آني إرنو وتطريز الحبّ والكتابة

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الخميس 12 يناير 202302:53 م

ما وراء الكتابة، لدى البعض من الكتاب، نصوص غير مكتوبة، لا تقل ثراء عن الإبداع. نصوص مطوية ربما تصير خلفية عمل أدبي، وقد تظل مطمورة، رصيدا من جمر يتوهج في حياة صاحبه، أو عندما يعثر عليه آخرون. النصوص المعيشة حياة حافلة بالحياة، تفاصيل هامشية وأسرار صغيرة وكبيرة، ينخرطون فيها بشغف لا يعنيهم أن ينتهي إلى كتابة. من هذه الزاوية يمكن النظر إلى إبداع آني إرنو الفرنسية الفائزة بجائزة نوبل 2022، وإلى حياتها أيضا. أظنها من قلة تمحو المسافة بين الحياة والكتابة. عشق الحياة غايته عشق الحياة، ثم تأتي الكتابة أو لا تأتي، فإذا جاءت فلا تكون أقل صدقا من التجربة.

كتاب "خزائن لم تعد فارغة" يرسم، بإيجاز يبلغ 112 صفحة، جدارية عن آني إرنو، الإنسانة والكاتبة. من حسنات جائزة نوبل تقديم أدباء لم يكونوا مشهورين في العالم العربي، جوزيه ساراماجو مثلا. الجائزة تصحح عثراتها، فتذهب سريعا إلى ذوي الجدارة. بعضهم معروف، ولم يلق الاهتمام اللائق عربيا. وسارعت مجلة "الثقافة الجديدة"، بحماسة من رئيس التحرير طارق الطاهر، إلى فتح خزائن إرنو، وقدمت إلى القراء هدية، كتابا أعدته الشاعرة إسراء النمر، وشارك في فصوله، ترجمة وكتابة، كل من إسلام رمضان، رحيل بالي، رفيدة جمال ثابت، لميس سعيدي، مجدي عبد المجيد خاطر، محمد عبد السميع، محمد محمد عثمان، نسرين شكري، يسرا عمر الفاروق.


آني إرنو لا تستغرقها الكتابة تماما، ولا تستغني بها عن الحياة. ما أخلصت له هو الحياة، أن تغامر وألا تراقب نفسها. وظلت وفية لكتابة اليوميات منذ سن مبكرة. في 24 فبراير 1990 كتبت في يومياتها عن كتاب صدر في بدايات عام 1990، عنوانه "يوميات زمن الحرب" لسيمون دو بوفوار (1908 ـ 1986).

أثر دو بوفوار

صمتت عشر سنوات، ثم نشرت عام 2000 مقالها "الخيط الممتد الذي يربطني بسيمون دو بوفوار "تضمن مقتبسات من يوميات 1990، وأثر دو بوفوار في حياتها، والمعنى الذي منحته للكتابة، "فمن دونها، من دون صورتها طوال فترة شباب وسنوات تكويني، بلا شك لم أكن لأصبح ما أنا عليه اليوم".

في سن الثامنة عشرة، عام 1959، قرأت آني إرنو كتابيْ دو بوفوار "الجنس الآخر" و"مذكرات فتاة رصينة". ولم تقابلها، "ولم أحاول قط أن أقابلها؛ بدافع الخجل، وبسبب المسافة". لا تتذكر بأي الكتابين بدأت، لكن الأول أحدث ثورات، "كان كشفا... أنا لم أعد كما كنت". كانت إرنو الشابة تتشبه ببريجيت باردو "إلى أقصى درجة. تجارب الصيف الماضي الجنسية أثارت فيّ صراعا خضته دون استيعاب، إحساسا بالعار والوحدة"، وفي الربيع التالي، عام 1959، قرأت كتابيْ دو بوفوار، فامتدت إليها يدٌ ساعدتها على الثقة بالتحرر، ومهدت الطريق إلى التحكم في حياتها. الكتابان "أجبراني على التفكير بذاتي كفرد وكامرأة عليها وحدها أن تختار حياتها".

عشق الحياة غايته عشق الحياة، ثم تأتي الكتابة أو لا تأتي، فإذا جاءت فلا تكون أقل صدقا من التجربة...آني إرنو من قلة كتّاب تمحو المسافة بين الحياة والكتابة

تقول إرنو إن دو بوفوار، بسبب دورها الرائد، صحبتها في السنوات الثلاث التالية. قرأت كتبها الأخرى، وكتبت إرنو روايتها الأولى آنذاك، ورفضتها دار النشر، فألهمتها سيرة دو بوفوار القوة، والقدرة على التحدي، واستمر الحوار الضمني مع دو بوفوار. لكن إرنو قررت ألا تكتب مثل دو بوفوار، على الرغم من الاتفاق معها على أن "الأدب التزام، وطريقة للتأثير على العالم، ولكنه ليس شيئا مقدسا". آمنت إرنو بأن بنية النص الأدبي واستنطاق اللغة يتمم "التأثير المنشود على العالم". وانطلقت من إيمان بأن الكتابة أكثر رحابة من المفهوم الضيق للالتزام. وتختم مقالها بأن دو بوفوار لا تزال "قادرة على مرافقتي طوال حياتي كامرأة".

كيف تضنّ إرنو على مُلهمتها بكلمة في حياتها؟ لقاء ودود يحمل امتنانا لم يكن ليكلف شيئا، وقد تراجع الخجل بالتحقق، واقتربت المسافة. مهما تكن جسارة الكاتب، وتحدي كلماته لقيم وتواطؤات وأحقاد، فإنه يحتاج إلى كلمة، طبطبة تدفئ طريقا باردا وموحشا. الكتاب الأقوياء، على المستوى الشخصي، غالبا أكثر هشاشة، أكثر عرضة للاكتئاب وأحيانا الانتحار. وهذا الكلام الحلو تستعيد فيه السيدة آني إرنو يوميات كتبتها عام 1990، بعد موت سيمون بأربع سنوات. من مات مات، لا يفيده المديح. إرنو تعلم ذلك جيدا. وفي عام 2020 ستكتب أن "القراءة توقظ حساسيتنا تجاه تجارب الآخرين، تجاه ما تحملوه وعاشوه". السيدة آني إرنو قاسية وبخيلة.

الكتابة تغني عن المؤلف

هل استغنت إرنو عن لقاء سيمون دو بوفوار، اكتفاء بأعمالها؟ لا تجيب نصوص كتاب "خزائن لم تعد فارغة" عن هذا السؤال، لأنه غير مطروح. ربما لو سئلت لكان ذلك مشروع إجابة، فالكتابة تغني عن المؤلف، وتمنحه حياة متجددة. وهي تؤمن بأنه "لا بديل عن الكتاب"، "وحتى اليوم، لا تزال الكلمات تثيرني أكثر من الصور"، وقبل سنوات كتبت في يومياتها "لقد لمحت اليأس. اليأس هو أن أعتقد أنه لا يوجد أي كتاب قادر على مساعدتي على فهم ما أعيشه، وأن أعتقد أيضا أنني لن أتمكن من كتابة كتاب كهذا". هذه امرأة لا تكف عن رهانها على حياة تلتمسها في الحب والكتابة.

"الأدب التزام، وطريقة للتأثير على العالم، ولكنه ليس شيئاً مقدساً"

في عام 1988، كانت في علاقة غرامية سرية، عنيفة، مع دبلوماسي روسي شاب متزوج. وكتبت في يومياتها أنه غادر في الخامسة وخمس دقائق، وقد أمضيا معا حوالي ساعتين ونصف الساعة، وأنها تشعر باقتراب انتهاء العلاقة، وتستبد بها الحيرة: "أنفقت قدرا وفيرا من خيالي في معرفة الرجال. أتوه وتتفسخ نفسي. أجهل حقيقة ما يربطه بي... وأعظم مخاوفي أن تكون له امرأة أخرى". الكاتبة التي لا تطيق من العالم إلا الحب والكتابة، "والباقي ظلام"، ترفض الاستعارة، وتقول إنها لا تحفل بأن تكون موضع إعجاب، "ما يهمني هو أن أحصِّل اللذة وأمنحها: الرغبة، والشهوانية الحقيقية، لا تلك المتخيلة الفضائحية التي تعرض" في الأفلام.

الحلم بالكتابة بلغة غير معروفة

امرأة تناهز الثامنة والأربعين لا يخجلها الضعف، وتعترف بلهفتها على رنين الهاتف، ويقتلها الانتظار. وفي روايتها "السنوات"، الصادرة عام 2008، تحكي عن تشربها بالوجودية والسريالية، ورهانها على المعرفة، وأنها بعد التشبع بأفكار ونظريات يقبلها الجميع "بصدد البحث عن لغة أخرى.. تحلم بالكتابة بلغة غير معروفة". في هذا السأم المبكر شعرت بالتناقض: "أنا إرادة ورغبة"، فتاة جميلة لا يتوقع من يراها "أن أكثر ما يخيفها هو الجنون، إذ إنها لا ترى غير الكتابة ـ وربما رجل ما ـ كسبيل لحمايتها من الجنون، على الأقل بشكل مؤقت". هكذا نشرت آني إرنو، منذ روايتها الأولى "الخزائن الفارغة" عام 1974، أكثر من عشرين عملا.

ما يهمني هو أن أحصِّل اللذة وأمنحها: الرغبة، والشهوانية الحقيقية، لا تلك المتخيلة الفضائحية التي تعرض في الأفلام

أعمال نحيلة، كأنها اُستلت من روايات ضخمة، رُجّت بلا رحمة، فانتثرت القشور وبقي العصب عاريا. أعمال رشيقة تنسجم مع سيكولوجية امرأة تزهد عن البلاغة اللفظية، فتستبدل بها بلاغة التجربة. ولا تهتم بالتصنيف، ما يشبه السيرة الذاتية، ما يشبه التأريخ الاجتماعي، ما يشبه الرواية. ويضم كتاب "خزائن لم تعد فارغة" فصلا من "السنوات"، السرد الذكي للتحولات التاريخية في فرنسا منذ نهاية خمسينيات القرن العشرين.. الحرب على الجزائر، اختراع الترانزستور، ثورة حبوب منع الحمل، المهاجرين المقيمين في مدن الصفيح، اكتشاف "مأساة أن يكون لنا رحم" بتأثير قراءة دو بوفوار، صعود السوبر ماركت وفرح الزبائن بالقدرة على لمس البضائع قبل الشراء، حمّى الاستهلاك.

كتبت آني إرنو "السنوات"، من وجهة نظر يسارية، بدافع "إنقاذ الناس والأشياء من النسيان... إنها طريقة لإنقاذ حياتي". في هذا الالتزام يتسق السلوك والكتابة. في مارس/اذار 2020 وجهت رسالة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، انتقادا لسياسة الدولة في التعامل مع تفشي كورونا، وإهمال قطاع الصحة، وغياب المساواة، وتدني رواتب المهمشين الممثلين لجنوبي المجتمع، "سواعد الدولة الحقيقية. فأولئك الذين نعَتّـهم في الأمس القريب بأنهم لا شيء، صاروا هم الآن كل شيء. جامعو القمامة وعمال الكاشير والديلفري كل أولئك الذين يضمنون سير الحياة في شكلها المادي الملموس، والذي لا يقل أهمية عن جانبها الفكري". وتختم الرسالة: "لن نسمح أبدا بسلب الحياة منا".

آني إرنو.. الجسارة امرأة.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard