شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
سافرت متنكرة في زيّ رجل، أُسِرت، وأحبّها ملك المغرب... ماريا

سافرت متنكرة في زيّ رجل، أُسِرت، وأحبّها ملك المغرب... ماريا

رود تريب

الأربعاء 25 يناير 202304:31 م

"تجوّلتُ خارج بلادي منذ الثّالثة عشرة من عمري، ولمّا بلغتُ العشرين، قرّرتُ القيام برحلة عبر فرنسا، متنكرّة في زيّ رجل. على تلك الهيئة وصلت إسبانيا، حيث اضطُررت للالتحاق بفوجٍ من الفرسان بالجيش... بُعيدَ ذلك، اكتُشف أمري، فأعدتُ ارتداء الملابس النّسائية، وتزوجتُ قبطاناً هولندياً". بهذه الرّوح المغامرة عاشت ماريا تير متلن، شبابها المبكّر. لكن في غمرة هذا التّحليق تعرّضَت للأسر؛ ففي طريقها إلى هولندا برفقة زوجها، تعرّضت سفينة مغربية للمركب الذي كانت وزوجها على متنه، واستولَت عليه وقادت من عليه كأسرى. رفضت ماريا الهروب وفضّلت البقاء مع زوجها، رغم أنّه حذرها من أنّهما إذا أُسِرا سيباع كلّ منهما لوحده.

حين وصلوا المغرب، رست السّفينة في ميناء سلا. ثم اقتيد الأسرى إلى مكناس، في انتظار المثول أمام السلطان. ووُضعوا مع باقي الأسرى الهولنديين في المدينة التي كان لسكانها رئيس يرعى شؤونهم. لكن زوج ماريا وقع أسير المرض، وسرعان ما توفّي. فخافت على نفسها من بقية الأسرى الأجانب الذين تقدّموا لخطبتها، وخشيت أن تُؤمَر بالزّواج من أحدهم. لذا اختارت زوجها بنفسها بعد مدة قصيرة من وفاة الزوج الأول.

رحلة اثنتي عشرة سنة من الأسر

نتعرف على رحلة ماريا تير متلن، إلى مغرب القرن إل 18، في كتابها "اثنتا عشرة سنة من الاستعباد، رحلةُ أسيرةٍ هولندية في بلاد المغرب"، الذي حصل مترجمه بوشعيب السّاوري على جائزة ابن بطوطة للرّحلة المترجمة التي يقدمها المركز العربي للأدب الجغرافي (ارتياد الآفاق) عام 2019.

تقدم ماريا في كتابها تفاصيل مثيرة لحياة أسيرة أوروبية في المغرب. ولقربها من دوائر السّلطة، نطّلعُ معها على شدة الصّراع حول السّلطة في المغرب آنذاك، وتولّي عدة ملوك السّلطة، في الفترة التي قضتها ماريا في المغرب. حتى أن الملك عبد الله ابن اسماعيل تولّى الحكم أربع مرات، كان يضطر للهروب أو يعزل فيها جميعا، ثم يعود أو يُعاد. بسبب قوة جيش البخاري الذين كان في أوجه، والمتكوّن من العبيد الزّنوج.

تحكي ماريا عن علاقاتها مع نساء القصر وحاشيته، وصراع الأسرى الأجانب بينهم، ومع محيطهم. في مجملها هي رحلة صراعات، أشبه برواية متخمة الأحداث، ووثيقة تاريخية مهمة. فمع غياب أعمال أدبية عن تلك الفترة، وجُمود لغة الكتابات التاريخية، تُشكّل هذه الرّحلة نافذةً غاية في الأهمية على تلك الفترة، برغم صِغر حجمها، الذي لا يتجاوز 140 صفحة، وعلى الرغم من أنها تقدّم وجهة نظر أسيرةٍ وجدت نفسها في عالم غريب، حاولت التأقلم معه، لكنها انشغلت بإظهار بطولاتها العديدة، كان يصل أحياناً درجة أنها تنسى الهدف من تسجيل الرحلة وهو توثيق عادات البلاد.

الملك عبد الله بن اسماعيل

فجعلت من نفسها بطلة لا تخشى أحداً، وأطنبت في تمجيد قدراتها وقوتها، حتى أن زوجيْها الأول والثاني، كانا عديميْ الحيلة مقارنة بها؛ فمثلاً ذرف زوجها الأول وطاقم السفينة التي أُسرت منها الدموعَ لما أُسروا، بينما حافظت هي على رباطة جأشها. كما أنّها اضطُرّت للتدخل لدى الملوك الذين عاصرت، لحماية حياة زوجها الثاني عدة مرات.

الأسيرة والملك... قصة حب غير معلنة

في جلّ مراحل الرحلة، كانت ماريا لا تكفّ عن مدح الملك عبد الله بن اسماعيل، وذكرِ ما منحها من حظوة وتقدير، حتّى صارت جزءاً من حياته اليومية. لكنّها لم تعترف بوجود علاقة غرامية بينها وبين الملك. رغم أن الأحداث كلّها كانت تشير إلى ذلك. حتّى أنها كتبت كيف يسمّيها كثير من الأسرى ممن كانوا يحسدونها على قربها من الملك بـ"عاهرة الملك".

"تجوّلتُ خارج بلادي منذ الثّالثة عشرة من عمري، ولمّا بلغتُ العشرين، قرّرتُ القيام برحلة عبر فرنسا، متنكرّة في زيّ رجل. على تلك الهيئة وصلت إسبانيا... بُعيدَ ذلك، اكتُشف أمري..."... بهذه الرّوح المغامرة عاشت ماريا تير متلن شبابها قبل تذوق مرّ الاستعباد

علاقتها مع الملك بدأت منذ الاستقبال الكبير الذي تلقته عند وصولها، حيث سُلّمت كأمة لإحدى زوجات الملك الذي أمرها بالتردّد على القصر يومياً، ومنحها ترجمانة لترافقها إليه، ولتحدّثه عما رأته في أسفارها. وكانت تقضي الوقت كلّه مع الملك وزوجاته، كأنّها واحدة منهم. وبلغت حظوتها لدى الملك أنّها أقنعته بإعفاء الأسرى من العمل، بل بلغ الأمر درجة أنه حتى المغاربة من سكان البوادي، كانوا يلجؤون إليها لحل مشاكلهم. ومنحها الملك مؤونة بحجم ما كانت تحصل عليه زوجاته الشّرعيات.

خلال وداع الملك لها ولزوجها وابنتها التي كان يحبها حباً جماً، تقول ماريا: "كنتُ حاذقة في تقديم المجاملات على الطّريقة المغربية، وأحسنتُ التصرف، حتى أن الملك قال: هذه النصرانية جديرة بأن تكون أميرة".

من الرفاهية إلى الأسر والاستعباد

ممّا نتعرف عليه عن طبيعة الحياة والأسر آنذاك أنّ الأسرى لا يُسجنون بل يعيشون في مستعمرات، ولهم دور في الحياة العامة ويقومون بأمور التجارة العادية، ولهم منازلهم، فقط لا يمكنهم الرحيل عن البلاد، إلّا بإذن الملك نفسه. لكن بعد تقديم ماريا إلى الملك، تقول إنهم حاولوا إقناعها باعتناق الإسلام حتى يتزوجها، مع أن الملك كانت لديه أربع زوجات بالفعل حسب ما روته، وكان معه عشرات المحظيات والجواري، وبالتالي لم يكن من داعي لإقناعها بالإسلام، طالما أن السلطان كان قادراً على امتلاكها إن رغب في ذلك.

رقصة الحجاب-الرسام الاسباني إنريكي سيمونيت لومباردو- المغرب، القرن 19

لم تختلف الصورة التي قدمتها ماريا عن حريم السلطان، عن الصورة التي كرستها النظرة الاستشراقية، ومن خلال أجواء الرحلة كاملة، ندرك أنها بالغت في تصوير الحريم، ونمط حياة السلطان آنذاك، بسبب الصعوبات الاقتصادية التي كانت خزينة السلطان تعرفها.

بلغت حظوتها لدى ملك المغرب عبد الله بن اسماعيل أنّها أقنعته بإعفاء الأسرى من العمل، بل بلغ الأمر درجة أنه حتى المغاربة من سكان البوادي، كانوا يلجؤون إليها لحل مشاكلهم، ومنحها الملك مؤونة بحجم ما كانت تحصل عليه زوجاته الشّرعيات

لكن حياتها لم تكن يسيرة طوال الوقت؛ ففي فترة كان زوجها الهولندي الثاني، الذي لم نعرف شعورها تجاهه، يدير حانة وسط إسطبل بين الحيوانات، ففضلت الانتقال إليها على البقاء مع الإسبان الذين أقامت عندهم من وصولها. الغريب أنها تحدثت عن الزواج بمجرد وفاة زوجها، وكانت مصرّة على الاجتماع بزوجها الجديد، بل كانت بغاية السعادة لأنّها تمكنت من الزواج به. وبالنظر إلى إسهابها في رواية أنواع العذاب الذي تعرّضت له، مع تقلب وضعها، وتغيير الملوك، فهي لم تصف أبداً ألم فراق زوجها المتوفي، واضطرارها إلى الزواج من جديد.

مبالغات حكائية

في الرحلة بعض المبالغات والافتراضات، وبعض الإضافات التي لا تتناقض فقط مع عادات أهل المغرب آنذاك، بل تتناقض مع بعض ما ترويه هي نفسها؛ فمثلاً تقول: "حين غضب الملك من باشا، هشّم رأسه، وأمر بطرد نسائه عاريات إلى الشارع. وذلك مستبعد، لأن الملك كان رجلاً متديّناً، في ظاهره على الأقل، وما كان ليقوم بفعل كهذا. ولم يُعرف في تاريخ المغرب تصرف كهذا في حق من يغضب عليهم السلاطين".

حين غضب الملك من باشا، هشّم رأسه، وأمر بطرد نساءه عاريات إلى الشارع

في آخر الرحلة، روت كيف كانت على وشك التحرر، لولا أن السفير الهولندي لم يعلم بأن ملكاً جديداً قد اعتلى السلطة، فلم يستطع اتخاذ قرار النزول من السفينة، قبل أن يعلم سادته بالمستجد. وعندما علم الملك بهذا التأخير، "توسل إليه لينزل من السفينة ويتفاوض معه شفوياً لكن السفير اعتذر رغم جهود الملك". وهو تصرف غير مفهوم للقارئ، فلماذا يتوسّل الملك من أجل إعادة أسرى إلى بلادهم؟ بالعكس، يفترض أنه هو من يماطل. ولم تشرح ماريا ذلك بشكل مقنع أو كاف.

في صفحة أخرى، قالت إن مترجمتها الإيرلندية أسلمت بعد تعرّضها لكثير من التعذيب. وطبعاً، غني عن القول إنه لم يكن مطلوباً من النساء الأجنبيات، اعتناق الإسلام، فذلك لم يكن ليمنع الزواج بهن، أو إدماجهن في الحياة اليومية. ولعل ماريا ذكرت ذلك من باب إظهار المعاناة التي كان يعيشها الأسرى في البلد، ولعل الإيرلندية تعرّضت للمضايقات والنبذ، فوجدت في الإعلان عن إسلامها راحة لها من موقع الدخيلة، لكن لم تتطرق إلى ذلك.

ظلم ذوي القربى أشدّ مرارة

تعرّضت ماريا للكثير من الأذى من باقي الأوروبيين، ومن بني بلادها "الساميين". فحين لاحظ المغاربة شجاعتها أظهروا لها الاحترام، مما أثار حسد الإسبانية التي كانت تقيم لديها، التي استعملت الحيل والمزاعم والشكاوى لقلب الملك وأمه عليها، لكنها حسب قولها "لم تتأثر لأن الحصان غير الأجرب لا يخشى المشط".

لا أتحسّر على أنني كنت في ذلك المكان البعيد من العالم، ولا على 12 سنة من الاستعباد، ولا على الأذى الذي سببه لي المغاربة، فذلك كله يمكن نسيانه. إنّما ما لن أنساه هو الإهانات والشتائم والإساءات من أبناء وطني

وسعى باقي الأسرى جاهدين إلى إقلاق راحتها هي وأسرتها. وألّبوا الناس عليها، بسبب حظوتها لدى الملك، وأشاعوا أنها تملك المال الكثير. ولما أراد الملك منحهم حريتهم، حالت دون ذلك أطماع من حوله من جيش العبيد ومن الأسرى أنفسهم. لكنه في الأخير قرر منحها وعائلتها الحرية، وسمح لهم بحمل هدايا ثمينة معهم.

عنصرية ضد الأوروبيين والمغاربة

لم تخفِ ماريا عُنصريتها تجاه الآخرين، وأوّلهم الأسرى الأوربيين. فكانت علاقتها بالأسرة الإسبانية التي أوتها أول مرة، سيّئة. ورفضت الزّواج من أي أوروبي غير هولندي، لدرجة أنها اختارت زوجها بنفسها، وهو رئيس الأسرى الهولنديين. وتقول إن الإسبانية التي أقامت عندها، كانت خائفة من أن تسلم ماريا، حتى لا تضطر لتعليمها اللغة العربية كل يوم.

وكان أكثر ما أغاض ماريا في آخر مرحلة من الأسر، أن برتغاليين تم افتداؤهم بهدية لا تساوي عشر ما أهداه "أسيادهم الساميون"، تقصد الهولنديين، إلى الملك. فأصابها هي والأسرى الهولنديين حزن كبير، لذهاب الأسرى البرتغاليين مقابل هدية متواضعة، بينما هم أولى بذلك.

من البحر نأتي، إلى البحر نعود

يمكن تلخيص الرحلة على مرحلتين؛ المرحلة الأولى مرحلة الأسر ومحاولة الاندماج وسط الحياة الجديدة كأسيرة. وتفادي وضعية النبذ، أو العبودية المباشرة. المرحلة الثانية محاولة الرحيل، حيث حصل المطلوب أخيرا، وتم افتداء ماريا ومن معها، حين اشترى قبطان كبير اسمه لوميري، الأسرى الهولنديين، وركبوا البحر عائدين إلى بلادهم.

وصلت ماريا مع أسرتها إلى أمستردام عام 1743، ووجدت جميع أفراد عائلتها فد توفوا ما عدا أخ غير شقيق. وكتبت هذه الرحلة، حسب قولها، ليتعلم بنو جلدتها عن أعدائهم ما يجعلهم ينتصرون عليهم. لكنها فعلت أيضاً لتُشهد الناس على ما تعرضت له على يد مواطنيها، فتقول: "لا أتحسّر على أنني كنت في ذلك المكان البعيد من العالم، ولا على 12 سنة من الاستعباد، ولا على الأذى الذي سببه لي المغاربة، فذلك كله يمكن نسيانه. إنّما ما لن أنساه هو الإهانات والشتائم والإساءات من أبناء وطني".

Website by WhiteBeard