سينما الحياة في دقائق... المخرجة الفلسطينية روزاليند النشاشيبي

الأحد 27 سبتمبر 202012:52 م

يأتي هذا المقال ضمن تعاون مع مجلة Arts Asia Pacific التي تعنى بتغطية الفن المعاصر والأحداث الثقافية في سبع وستين بلداً ضمن آسيا والمحيط الهادي والشرق الأوسط، في النسخة المطبوعة، بعنوان "INAS HALABI on ROSALIND NASHASHIBI" بقلم الفنانة البصرية ومخرجة الأفلام القصيرة الفلسطينية، إيناس حلبي في عددها 120 سبتمبر/أكتوبر من عام 2020.  

يركز فيلم "دار حريش" (2004) Hreash House لمخرجة الأفلام القصيرة الفلسطينية- الإنكليزية روزاليند النشاشيبي على الحياة الجماعية لعائلة فلسطينية كبيرة. تقع أحداث الفيلم خلال مدة 20 دقيقة، ضمن مبنى إسمنتي في مدينة الناصرة الفلسطينية أثناء شهر رمضان، ويدور حول إعداد مأدبة للطعام والأحداث التي أعقبتها.

ضمن هذه المساحة الضيقة، تحمل تفاصيل الحياة الأسرية دلالة رمزية على حياة المجتمع بأكمله، تعكس كيفية عيش الأفراد مع بعضهم البعض وعلاقاتهم مع الأشياء التي تبدو غير حية. هنا، نجد لقطات مقرّبة لأنواع مختلفة من الأقمشة والأثاث ترافقت مع إيحاءات يومية وظيفتها هي الدلالة على مرور الزمن. يحيط بهذه الأجواء مقتطفات من محادثات وأصناف من الأصوات المتنوعة، مثل صوت شخير رجل تحت طبقات من ملاءات السرير المطرزة، صوت معلق رياضي على مباراة كرة قدم، بضع ثوانٍ من موسيقى التكنو الصاخبة،  وضحكات تتردد لأطفال.

المشهد المفضل لدي في الفيلم هو لامرأة ترتدي ملابس النوم الوردية تُرى من خلال نافذة، وهي تقف في منتصف مدخل منزل مجاور، تحرك يديها بشكل غاضب وهي تتحدث مع شخص لا يمكننا رؤيته. يحدث المشهد على خلفية لأصوات امرأتين تتجادلان حول اختيار قناة تلفزيونية. تشبه الأصوات وشوشات بطبقات متفاوتة لكنها دقيقة، نراها بشكل متعمد لا تتطابق مع صورة الحدث، وهي تقنية تعمد إليها النشاشيبي غالباً في أفلامها، فتخلق حركة إضافية في الفيلم عبر هذه الهوة بين الصورة والصوت.

المشاهد المتكررة لاكتشاف اللامرئي

تعرفت إلى عمل النشاشيبي لأول مرة خلال محادثة مع أحد أساتذتي في كلية جولد سميث في عام 2012. كنا نناقش حينها اهتمامي بالهيكلية السلطوية، الطقوس الاجتماعية، والمجتمعات المغلقة، وتشكيل الهوية وفقاً للتاريخ والمكان.

نصحني أستاذي بمشاهدة فيلم للنشاشيبي قامت بتصويره على متن سفينة شحن إيطالية مع طاقم كامل من الممثلين الرجال يحمل عنوان "مراكب العزلة" (الجزء الأول, 2007)  Bachelor Machines Iوقد تركت قدرتها على تصوير هؤلاء الرجال بشكلهم الواقعي والكشف عن تراتبية البنية الاجتماعية لعلاقاتهم على متن السفينة انطباعاً لدي.

بدأت في السنوات القليلة الماضية، في صناعة الأفلام من خلال عدة تعاونات. وأحاول في أفلامي الاستفادة من التكرار كآلية بنوية، ومثل النشاشيبي، أدرجه على مراحل من خلال المشاهد معتمدة على المشاهدات اليومية كنقطة انطلاق أساسية. يتمحور أحدث أفلامي "كعقد من اللآلئ" (2019)، Like a String of Beads حول قصة تسعة أشقاء أطلقت عليهم والدتهم أسماء حيوانات، ويبدو أن أسماءهم هذه تحيطهم بطاقة حمائية.

تخلق آلية تكرار المشاهد في أفلام المخرجة الفلسطينية- الإنكليزية روزاليند النشاشيبي إيحاءات زمنية تدل على مرور الوقت، وتترافق مع هوة متعمدة بين الصوت والصورة تضفي حيوية على المشهد السينمائي

في أحد المشاهد، نرى امرأة من خلال النافذة الزجاجية لغرفة معيشتها أثناء تحضيرها لوجبة في المطبخ. وصوت التلفزيون في الخارج يسبغ حيوية على حركتها. وفي منزل آخر، يظهر رجل يصلي في غرفة من خلال جدار مفتوح على غرفة معيشته. وصلاته لا تنسجم مع الحركة حوله. يدخل المشاهد أثناء عرض هذين المشهدين، كغيرهما من المشاهد الأخرى، إلى كل بيت، فيسمع مقتطفات من قصص ساكنيه: محادثة هاتفية يذكر فيها اسمي، فتاة صغيرة تغني عن الطبيعة، وراديو يتقلب بين المحطات الإذاعية.

الحدث اليومي كلقطة سينمائية

أعتبر فيلم "حديقة فيفيان" (2017)، Vivian’s Garden من أكثر أعمال النشاشيبي التي أفضلها، تصور من خلاله بشكل تفصيلي الحياة والعلاقة الوثيقة التي تجمع بين فنانتين من المهاجرين السويسريين النمساويين، الأم إليزابيث وايلد وابنتها فيفيان سوتر، خلف بوابة حديقة كثيفة الأشجار تتشاركانها بين منزليهما في غواتيمالا. تمثل البوابة في حديقتهما والتركيبة الأمومية في علاقتهما بوابة إلى العالم الخارجي الذي تصلان إليها بمساعدة من سكان القرية المحليين الذين يعيشون ويعملون في منازلهم المتجاورة في الرعاية والتدبير المنزلي.

في اللقطة الأولى، يدخل البوابة رجل من سكان القرية يحمل أغراض البقالة. يتوقف عند منزل الأم لتسليمها الصحيفة اليومية، ثم يعود إلى الحديقة لدخول منزل الابنة. وهنا، تلتقط عدسة الكاميرا من خلال نافذة زجاجية، مشهداً للابنة والرجل أثناء إفراغهما لأغراض البقالة من الأكياس، بينما تنشغل مدبرة المنزل بأعمال المطبخ.

في فيلمها "حديقة فيفيان"، تصور مخرجة الأفلام القصيرة روزاليند النشاشيبي العلاقة بين أم وابنتها داخل الحيز المنزلي الضيق في أجواء يتخللها مزيج من العنف والرعاية تقوم بشكل جوهري على إظهار الحدث اليومي

تصور النشاشيبي العلاقات الكولونيالية بدقة داخل الحيز المنزلي مظهرة العنف وفي الوقت نفسه الرعاية التي تتخللها. ولعل زيارة النشاشيبي لموقع التصوير أثناء التحضير للفيلم، بدون كاميرا أو طاقم، ساعدتها في تطوير علاقة وطيدة تدريجياً مع مواضيعها، والتي تعد الملاحظة والتصوير جزءاً جوهرياً منها (حتى عند التعامل مع المناظر الطبيعية).

الصورة من فيلم "حديقة فيفيان" (2017)، مقدمة من روزاليند النشاشيبي و Lux, London

أكتب هذا المقال وأنا أستعد لتصوير فيلم جديد تدور أحداثه في قرية معزولة جغرافياً في شمال فلسطين. ومن خلال نسيج العلاقات الوطيدة بين أفراد المجتمع، في مساحات منزلية وبيئات خارجية مشتركة، يستكشف الفيلم كيفية تشكيل الدولة للسياسة الداخلية للدروز منذ عام 1948. وأفكر في أن أعتمد استخدام الملاحظة الحقيقية كأساس للحديث عن جانب آخر من الواقع (إضافة إلى الجانب المباشر)، وعن جميع المؤثرات التي يمكن أن تنجم من تكرار صورة أو صوت، وكيفية العمل عن قرب وبشكل تشاركي مع الآخرين، وكيفية تحويل الواقع باستمرار (حتى لو بالاحتيال عليه) بشكل يصور كل ما هو غير مرئي من خلال الثغرات الحياتية التي تتم صياغتها سينمائياً.

 وحين أفكر في كل هذا يحضر في بالي عدة مخرجون، منهم من رحل عن عالمنا أمثال المخرجة البلجيكية شانتال أكرمان، والبلجيكية الفرنسية أغنيس فاردا، والأرمني سيرجي باراجانوف، والإيراني عباس كياروستامي ومنهم لا زال بيننا كالياباني ماساو أداتشي، وأكثر من يخطر لي هي روزاليند النشاشيبي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard