شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
صفحة من كتاب

صفحة من كتاب "الذاكرة الأولى" لآنا ماريا ماتوته

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 6 يناير 202310:27 ص

وعضَّ الصيني على شفتيه. واقترب بورخا من الطاولة وهو يحكّ ذراعه.

«الهدوء كامل» -قال- «أنذهب؟!».

«هي لم تُنهِ ترجمتها. هي لن تذهب!»، ماءَ الصينيُّ لاورو، معلّم الشابيّن بورخا وماتيا، المسكين.

(مسكين. قرد مسكين بشكاواه الليليّة ونظرته الرطبة وفي حماية الجدّة، مع حقده المربوط الملتوي المرزوم المركون تحت السرير كأنه صرّة ثياب وسخة. مسكين لاورو الصيني، المعلّم الحزين من غير شباب ومن غير فظاظة على حدٍّ سواء؛ وهو ذو كلمات تعلّمها تعلّماً، وله قلب خلد. ويداه يدا فلّاح محبط، وأنامل أصابعه صُفْر وأظفاره متآكلة). كان شيءٌ ما يجعلني أهجس بِسرّ لاورو الصيني. لكن، لئن حدّثني بورخا عن هذه الأشياء فما كنت أفهمها بعدُ. (أخذنا ذات مرّة إلى جُحره في العلّيّة الملتهبة ساعةَ القيلولة تحت القرميد الذي تحرقه الشمس كفرن. وهناك خلع دفعةً واحدة سترته الصغيرة السوداء وبان إبطاه المتعرّقان. وشمّر كمّيه، وكانت ذراعاه يغطّيهما شعر أسود ناعم. ونزع ربطة العنق وفكَّ الياقة. وقفز بورخا إلى السرير الذي أخذ يئنّ وكأنه ذُعر من ذلك الثقل، فانطلق منه الغبار من كل فجوة (وكان البيت كلّه ملآن بالغبار). وكان يتجلّى حبّ أنطونيا أمّه في تلك الغرفة على السطح. كانت أنطونيا تحتفظ بالأزهار على حرف النافذة التي يبدو أن الشمس تحرقها. إني أتذكّرها جيّداً. إنها أزهار ذوات لون أحمر قانٍ بشكل كأس، وفيها شيءٌ من العنف ككره لاورو المطبق. وهناك صورة ضوئية مُثبتة في إطار المرآة: تمثّله هو وأمّه وقد ألقت ذراعها حول كتفيه. كان طفلاً بشعاً وشعره ذو ذؤابات حلزونية، وجوربه مجعّد تحت ثوب الكهنوت. وكانت أمّه تصعد كلّ يوم إلى العلّيّة وتمسح بقطعة قماش آلاف التفاهات: من لوحات مُستنسخة، وتماثيل خزفيّة وأزهار، وأصداف. ولو علمت الجدّة أنّنا كنّا نصعد إلى هنا لأطلقت صيحة الخطر). وضع الصيني ذراعيه على متنينا وجعلنا نقترب من المرآة. وشعرت بيده على ظهرينا العاريين -إذْ كان الطقس حارّاً جدّاً إلى درجة أننا ما كنّا نرتدي من الثياب ما تأمر به الجدّة حتى وقت الطعام حين نمثل أمامها أوّل مرّة- لم أقل شيئاً، فقد مُلئت قلقاً. كان لاورو يداعبني أنا وبورخا في آن واحد.

- «يا إلَهي! كائنان مثلكما كأنهما من عالم آخر».

وأخيراً، فكَّ بورخا يديه عنّا، وكأنه خارج من عمليّة سحر.

«الجوّ هادئ»، ردّد بورخا وهو ينظر إليّ.

وعزم لاورو الصيني على أن يبتسم. فأطبق الكتاب الذي خرجت منه سحابةُ غبارٍ ضعيفة -وأخذت الشمس تفتح لنفسها ممرّاً وسط الضباب الرطب والحارّ- وقال بتفاؤل زائف: «حسن! هيّا بنا، إذاً!».

- «أنت لن تذهب».

فأخرج الصيني منديلاً ومسح به جبينه ببطء. ثم نقله مدّة لحظة إلى ما تحت أنفه وضغط به على الشفة العليا، وهو يضربها ضرباتٍ صغيرة ضعيفة، ثم جفّف عنقه ما بين القميص وجسمه.

وخرجنا أنا وبورخا إلى أرض الحدر.

كنّا نخرج دائماً من الباب الخلفيّ، ونلتصق بجدار البيت إلى أن نختفي من حقل رؤية الجدّة التي تظنّ أنّنا نتلقّى درساً. فمن نافذة غرفتها كانت تتقرّى صفّاً من بيوت بيض ومربّعة يقطنها المستوطنون. كانت تلك البيوت تشتعل مساءً بأضواء ضاربة إلى الصفرة، وكان سكّانها أشبه ببيادق عالمٍ من اللّعَب والدّمى. توجّه الجدّة، وهي جالسةٌ على الكرسيّ الهزّاز أو المقعد ذي الجلد الأسود والمسامير الذهبية، منظارَها الضارب إلى الصفرة، المطعّم بحبّات من الزفير المزيّف، وتتسلّى بالنظر. وكانت الأرض الحدرُ تمتدّ من بين جذوع اللوز السود وأوراق الزيتون حتّى الصخور على الساحل.

صدرت  مؤخراً رواية "الذاكرة الأولى" لآنا ماريا ماتوته  ترجمة علي إبراهيم أشقر عن دار سرد ودار ممدوح عدوان، نكتشف فيها ذاكرة فتاة صغيرة وجدت نفسها في منزل جدتها في جزيرة مايوركا بعيدة عن أمها التي ماتت ووالدها المشغول عنها

كان قارب بورخا يُدعى ليونتينا. وثمّة درجات نُحتت في الصخر تنزل إلى مرسى القوارب الصغير. وكنا نحن الاثنين وحدنا من يذهب إلى هناك، ونجوب الساحل الصخري (بالقارب ليونتينا) حتّى خليج سانتا كاتالينا الصغير. وما كان يوجد خليجٌ آخر غيره على مدى كيلومترات عدّة، وسمّيناه مقبرة القوارب، لأن أصحاب «الميناء» يتركون فيه قواربهم غير الصالحة للاستعمال.

كان الطقس حارّاً جدّاً، وبورخا يقفز أمامي. وكان طريق البحر خيرَ طريقٍ للذهاب إلى سانتا كاتالينا. وهو يبدو من اليابسة خَطِراً. فالصخور المرتفعة والمتكسّرة تقصّ كالسكاكين. ويبدو البحر من خلال آخر الجذوع أخضر شاحباً وهادئاً جدّاً كأنه صفيحة معدنيّة.

- «والآخرون؟».

- «لن يأتوا».

وكنت أفكّر في جماعة غييم أعداء بورخا الدائمين. وكان يصطفّ مع بورخا ابنا الوكيل وخوان أنطونيو ابن الطبيب. إنها الحرب الدائمة بينهما ذاتها. لكنّ سانتا كاتالينا كانت لي ولبورخا وحدنا. قفزنا إلى ليونتينا التي تأرجحت وهي تصرّ. في أوقات أخرى كانت مدهونة بلون أخضر وأبيض. لكنّ لونها الآن غير مميّز. وأخذ بورخا المجذافين واستند بقدمه إلى الصخرة وضغط عليها، فابتعد القارب ودخل البحر.

وضع الصيني ذراعيه على متنينا وجعلنا نقترب من المرآة. وشعرت بيده على ظهرينا العاريين -إذْ كان الطقس حارّاً جدّاً إلى درجة أننا ما كنّا نرتدي من الثياب ما تأمر به الجدّة حتى وقت الطعام حين نمثل أمامها أوّل مرّة- لم أقل شيئاً، فقد مُلئت قلقاً. كان لاورو يداعبني أنا وبورخا في آن واحد

لسانتا كاتالينا شاطئ صغير جدّاً، وفيه شريط من الأصداف كالذهب على طرف الماء، تنقسم تحت أقدامنا حينما نقفز من القارب، فيبدو أننا نسحق قطعاً من خزف. ومن الرمل القاسي، الذي يكاد دوسُ خطانا لا يترك أثراً فيه، يطلع الصبّارُ الأميركي والأسَل الأخضر. وبدا لي دائماً أنّ في الخليج شيئاً ما لا يمكن إصلاحه وكأنّ ريحاً كارثيّة رجّتّه رجّاً. فهناك كان القاربان الصديقان العجوزان خوبن سيمون ومَرْخِليدا مبعوجَيْن وأضلاعهما تآكلت في الريح، واسماهما مُحِيا نصف امّحاء من على الجانبين؛ أمّا القوارب الأخرى فلا أحد يعرف ماذا سُمّيَت في وقتٍ ما. ومن وسط القارب خوبن سيمون كانت تطلع باقةٌ مرتفعة من الأسل وكأنها شراع أخضر غريب. وكان حبلٌ ما يزال يدور على البكرة ويصبغ راحات الأيدي بالصدأ.

...

الغلاف الخلفي للكتاب

هي ذاكرةٌ عجيبة، ذاكرةُ طفلةٍ أتت بها جدّتها إلى بيتها في جزيرة مايوركا، بسبب وفاة أمّها ومرض مربّيتها وانشغال أبيها. ففاجأتها الحرب ذات عطلة وهي في الرابعة عشرة. فتسجِّل في ذاكرتها كلّ ما تشاهده بدقّة، من أشجار وصخور وبحر وهواء وأضواء وألوان وأحداث وأصداء الحرب البعيدة والقريبة في آن واحد، والجبن والخيانة والغدر؛ وتسجّل مشاعر الحقد والانتقام والخوف والحب، حبّها الأوّل الخالي من الشهوة لغياب الغريزة، فهي لمّا تصبح امرأة، وما تزال تلعب بالدمى، دميتها غوروغو الأسود، منظّف المداخن الذي جاءت به من بعيد، من إحدى قصص أندرسن. فتختلط الأزمنة بعضها ببعض، وتستدعي اللحظةُ الحاضرة اللحظةَ الماضية القريبة والبعيدة، وقد تكون هذه الأخيرة أطول من اللحظة الأولى لأنها أخذت مكانها في الذاكرة واستقرّت، ولذا تكثر الأقواس والمزدوجات والتفاصيل الغزيرة من غير أن يشعر المرء بالملل. لأن ذلك كلّه مكتوبٌ بلغة رفيعة، وأسلوب كاتبة من الطراز الأوّل، هي: آنا ماريا ماتوتِه.

حازت رواية "الذاكرة الأولى" على جائزة نادال عام 1959، وهي من أعرق الجوائز الأدبية في إسبانيا وأكثرها شهرة. 

...

آنا ماريّا ماتوتِه (1925-2014): كاتبة وصحفيّة إسبانيّة وعضو الأكاديميّة الملكيّة، وُلدت في برشلونة عام 1925 وتوفّيت عام 2014. تُعدّ من أهمّ كتّاب الرواية في إسبانيا وأوروبا في القرن العشرين.

كانت في العاشرة من العمر حين اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية، وقد تركت هذه الحرب أكبر تأثير على كتاباتها، كما تركت فترة الحكم الديكتاتوري أثرها أيضاً، لذلك فإن الموضوعات الأكثر تكراراً في أعمالها هي العنف والغربة والبؤس وفقدان البراءة.

فُرضت رقابة شديدة على أعمالها في عهد فرانكو، ووُضعت ضمن القائمة السوداء في عملها صحفيةً.

كانت ماتوته أستاذة زائرة في جامعات أوكلاهوما وفرجينيا وإنديانا في الولايات المتحدة الأميركية. وعضواً فخرياً في الجمعية الإسبانية لأميركا.

حازت رواياتها على أهم الجوائز في إسبانيا، مثل جائزة نادال، وجائزة النقّاد في إسبانيا، والجائزة الوطنية للسرد. كما حصلت على جائزة ثربانتس عام 2010، وهي ثالث امرأة تحصل عليها.

لها أكثر من أربعين كتاباً في الرواية والقصة وأدب اليافعين والمقالات. ومن أبرز رواياتها: أبناء الفجر، اليراعات، مسرح صغير، غودو الملك المنسيّ، وثلاثيّة التجّار (الذاكرة الأولى - الجنود يبكون ليلاً - الفخ).

...

علي إبراهيم أشقر: مترجم سوري نقل العديد من الأعمال الأدبية من الإسبانية إلى العربيّة، منها «قلب أبيض جداً » لخابيير مارياس، «لحن ماثوركا على ميتين » لكاميلو خوسيه ثيلا «مع آغاثا في إسطنبول» لكريستينا فرناندث كوباس.

...

جميع الحقوق محفوظة لدار سرد للنشر و دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع.

...

الكتاب متوافر في المكتبات وعلى نيل وفرات.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard