شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
حب المتشيّعين الممنوع في الأردن

حب المتشيّعين الممنوع في الأردن

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

يُعَدّ ملف الشيعة في الأردن من أكثر الملفات الجدلية والساخنة على الصعيدين المجتمعي والأمني، فهو يولّد قلقاً مجتمعياً وهواجس رسمية، ذات أبعاد سياسية، من أن يكون طريقاً لدخول النفوذ الإيراني إلى المملكة، في وقت تتوسع فيه الأذرع الإيرانية في المنطقة.

هذه العوامل شكلت جملةً من التحديات أمام أبناء هذه الطائفة في الأردن، تتمثل في الرفض والوصمة المجتمعية والملاحقات الأمنية والمنع الرسمي للزيارات الدينية، رغم أنهم يتمسّكون بفكرة أن انتماءهم الشيعي ديني لا سياسي.

لا توجد أرقام وإحصائيات رسمية لأعداد الشيعة في الأردن، إلا أن المصادر التي قابلها رصيف22 تشير إلى أنهم بالآلاف، وأنهم أفراد وعائلات، وأغلبهم نزحوا من جنوب لبنان إلى الأردن، في العام 1948، ويقطنون في محافظات وقرى أردنية عدة، منها الرمثا وإربد، ويندمجون في المجتمع ولا يعلنون عن تشيّعهم.

الحب الممنوع

"تعرفت على شاب خلال الفترة الجامعية، حبّينا بعض وكنا مخططين للزواج وبيوم قررت أصارحه بحقيقة تشيّعي ليكون على علم من بداية العلاقة. لما عرف رفضني تماماً، وقرر الابتعاد وإنهاء العلاقة، وتركني لأني شيعية. شعرت بخيبة أمل كبيرة وقتها، وبعد هاي التجربة ما عشت أي قصة حب أو ارتباط ولا بفكّر بالموضوع. بخاف من الرفض وبعرف أنه ما حدا رح يتقبل الفكرة". هذا ما ترويه لرصيف22 الشابة الأردنية روان، عن التحديات التي واجهتها بعد تشيعها.

أما علي، وهو "مُستبصر" (مصطلح يُطلق على مَن تحوّل من المذهب السنّي إلى المذهب الشيعي)، وكاتب أردني، فيحكي لرصيف22 أنه كان مدركاً للضغوط التي سيتعرض لها بعد تشيّعه. يقول: "هجرتي كانت لأسباب دينية بحتة. ألّفت بعض الكتب وكنت أعلم أنها إذا طُبعت في الأردن سيؤثر الأمر على حياتي وعملي وسأتعرض لمضايقات مجتمعية وأمنية. وبالفعل بعض كتبي التي طُبعت صودرت ومُنعت في الأردن، وفي بعض الدول العربية كانت تُشترى وتُحرق. وبالرغم من ذلك، ما زلت أؤمن بأن الفكر لا يواجَه إلا بالفكر".

علي هو اسم مستعار لكاتب أردني. فضّل عدم الحديث باسمه كي لا تتكرر تجربة معاناته السابقة. يروي: "تعرضت للكثير من المشاكل. حينما حاولت تجديد جواز سفري وأنا في سوريا، مُنعت من ذلك، إلا أنني دخلت إلى الأردن عن طريق واسطة، وعند دخولي مباشرةً تم استدعائي والتحقيق معي لثلاثة أيام، واستطعت في وقت لاحق الحصول على جواز سفر جديد. مكثت شهراً في الأردن وقررت أن أغادر من دون عودة، لكن أوقفوني على الحدود حينها. أعلم أنهم لا يريدونني أن أكون خارج الأردن لكيلا أؤثر على الشباب".

لا يختلف الأمر كثيراً في حالة قصيّ (اسم مستعار)، وهو "مستبصر" أيضاً. يقول لرصيف22: "تعرضت لمضايقات من الجهات الأمنية، وتم استجوابي ومناقشتي أكثر من مرة، وأخيراً اضطررت للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بعدها إلى المملكة المتحدة، لاستكمال حياتي بشكل طبيعي، وهو ما يفعله الكثير من الشباب الشيعة في الأردن، إذ يفضلون العيش في الخارج بحثاً عن الحرية والأمان والحق في التعبير عن انتمائهم الديني. في الخارج أستطيع أن أمارس طقوسي الدينية بصورة أسهل ومن دون ملاحقات أمنية".

وصمة ورفض مجتمعي

"أعيش حياتي بازدواجية. لا أحد يتقبل أنني شيعي سوى عائلتي، ولا يمكنني الإعلان عن انتمائي الديني، لذا لا أشعر بالأمان سوى في منزلي، وخارج حدوده أنا شخص آخر لا يمثّلني"، يقول المهندس أحمد طه، أحد أبناء الطائفة الشيعية في الأردن، لرصيف22.

أحمد طه ينتمي إلى عائلة تشيّعت في سبعينيات القرن الماضي، وتعتقد بالمذهب الاثني عشري، أبرز المذاهب الشيعية. يقول: "واجهت في حياتي الجامعية مشاكل تتمثل في تهديدات وملاحقات من زملائي، وفي إحدى المرات تم الاعتداء عليّ وضربي، واضطررت في نهاية الأمر إلى الإعلان عن التخلي عن أفكاري عبر فيسبوك والتراجع عن خطوة إشهار انتقالي إلى المذهب الشيعي خوفاً على عائلتي ومستقبلي".

"أعيش حياتي بازدواجية. لا أحد يتقبل أنني شيعي سوى عائلتي، ولا يمكنني الإعلان عن انتمائي الديني، لذا لا أشعر بالأمان سوى في منزلي، وخارج حدوده أنا شخص آخر لا يمثّلني"

"لم أتمكن من الزواج في الأردن"، يضيف ويتابع: "من عاداتنا أن يُسأل عن الزوج، وتالياً كان من السهل معرفة أنني شيعي، وبناءً عليه تم رفضي أكثر من مرة، واضطررت إلى الخروج من الأردن والزواج في الخارج. واليوم، أشعر بالخوف وأخشى على أبنائي في المستقبل. خوفي هو من رفض المجتمع لهم، وعدم قبولهم وإقصائهم، كون أهلهم شيعة".

أما تجربة قصي، فكانت مختلفةً، إذ لم تتقبل عائلته الأمر. يقول: "كنت سنّياً، ومن خلال قراءتي لكتب تاريخية عدة، بدأت تتوسع معرفتي بالمذهب الشيعي، وبعد فترة اتخذت قرار التحول واعتناق هذا المذهب وبالتحديد المذهب الاثني عشري، ولم تتقبل عائلتي الموضوع. كانوا وما زالوا يرفضونني وبعض أفراد عائلتي قاموا بمقاطعتي".

صور نمطية تلاحق المتشيّعين

يرى طه أن اعتقاد البعض بارتباط المذهب الشيعي بإيران فكرة نمطية تضيّق على وجود الشيعة في الأردن. يقول: "نحن لا نتخذ من التشيّع سوى الجانب الديني. التنوع لا يشكل خطراً ولا تعنينا السياسة، ولا نسعى إلى أن تزداد أعداد الشيعة في الأردن"، ويضيف: "تعرضت للتهديدات بسبب منشور على فيسبوك، حكيت فيه عن التقارب الديني بين الطوائف من وجهة نظري، وأنا مضطر اليوم إلى البقاء خارج الأردن خوفاً على حياتي وعلى عائلتي".

أما علي، فيقول: "المجتمع الأردني يرى أننا طائفة أخرى ولسنا بمسلمين، وهناك مَن يرى أننا نقول في صلاتنا خان الأمين، أو أن الشيعي يرى الصحابي علي إلهاً، وهذه خرافات لا صحة لها إذ نرى أنه تلميذ من تلاميذ رسول الله. ويقولون إننا أهل تقية، وهو أن يقول الإنسان بلسانه خلاف ما في قلبه، لاتّقاء مكروه قد يقع فيه، وهذا الأمر مبحوث في الفقه الإسلامي السنّي، ويقولون إننا نجمع بين الصلوات، وهذا أمر جائز ما من خلاف ديني عليه".

"تعرفت على شاب خلال الفترة الجامعية، حبّينا بعض وكنا مخططين للزواج وبيوم قررت أصارحه بحقيقة تشيّعي. لما عرف رفضني تماماً، وقرر الابتعاد وإنهاء العلاقة. شعرت بخيبة أمل كبيرة وقتها، وبعد هاي التجربة ما عشت أي قصة حب أو ارتباط ولا بفكّر بالموضوع. بخاف من الرفض"

ويضيف: "تمنع السلطات الشيعة من ممارسة شعائرهم الدينية، بالرغم من أنه حق مشروع وأساسي في كل التشريعات الإنسانية. نحن نشهد شهادتين ونصوم ونصلّي ونؤمن بالميعاد، ونختلف عن أهل السنّة كاختلاف أهل السنّة عن بعضهم البعض فقهياً، إلا أن الشيعة الإمامية تفردت في موضوع الإمامة ونظرتها الخاصة إلى الصحابة وفق اجتهادات فقهائها".

"لا يُسمح لنا ببناء مسجد أو ببناء حسينية وهو المكان الذي نجتمع فيه لغاية التثقيف الديني وإحياء مناسبات أهل البيت، مثل أيام ولادة الأئمة، ووفاة النبي ومولده"، يتابع، "ولا يُسمح لنا باستئجار قاعة لإحياء أمر ديني. في إحدى المرات، اجتمع بعض الشيعة في منزل لقراءة دعاء كميل الذي يُقرأ كل جمعة، ومضمونه توحيدي خالص، فقام شخص بالشكوى عليهم ومُنعوا من هذه الممارسة".

هواجس أردنية من التشيّع السياسي

يرى الباحث في الفلسفة السياسية والفكر الإسلامي حسن أبو هنية أنه ليس للشيعة ظهور واضح في الأردن، إذ إن وجودهم غير منظم ويقول لرصيف22: "ملف الشيعة في الأردن ملف ذو طابع سياسي، وفي بعض الأحيان هروب من الجانب السياسي. لا أعتقد أن هناك مشكلة في الشيعة كمذهب ديني، ولا يوجد تخوف من الانتقال الديني إلى المذهب الشيعي بقدر ما يوجد تخوف من تبنّي السياسات الإيرانية وتمددها في المنطقة كما حدث في العراق ولبنان وسوريا بالقرب من الحدود الأردنية".

ويضيف أنه "قبل الثورة السورية، كان المجتمع الأردني في معظمه متشيّعاً سياسياً ومتعاطفاً مع إيران بالمعنى السياسي، إيماناً بأنه مشروع سياسي لمناهضة الإمبريالية الأمريكية والتصدي للصهيونية. لم تكن الآثار الطائفية في المنطقة ظاهرةً بعد، ولم يكن المشروع الإيراني مكشوفاً. ظهر حينها مصطلح التشيّع السياسي في الأردن، فكانت الناس أكثر ميلاً إلى تبنّي السياسات الشيعية التي تقوم بها إيران في المنطقة ضد سياسات أخرى، وهذه موجودة وانتشرت في إحدى الفترات. أما بعد الثورة السورية، فانقسم المجتمع الأردني وظهرت انقسامات على خلفية الموقف وهناك مَن تشيّع تحت شعار المقاومة والممانعة".

يتفق ما يقوله أبو هنية مع ما يتحدث عنه مدير معهد السياسة والمجتمع الدكتور محمد أبو رمان. يقول لرصيف22: "في الثقافة الأردنية لا توجد حساسيات بين السنّة والشيعة، بالرغم من أن استطلاعات الرأي تُظهر أن هناك انقلاباً في الرأي الأردني تجاه إيران وحزب الله، إلا أنه ما زال هناك ربط تلقائي عند الكثير من الناس بين المذهب الشيعي وإيران وحزب الله وهذا انعكس على النظرة المجتمعية إلى الشيعة الأردنيين، بالإضافة إلى وجود تيارات معادية للشيعة، وخاصةً التيار السلفي الذي يملك مواقف حادةً من الشيعة".

ويضيف: "هناك هواجس وخوف عند السلطات الأردنية من تطور النفوذ الإيراني ومن استخدام الورقة الطائفية لخدمة مصالحها، وهذا انعكس في العام 2006، بعد الانتصار المعنوي الذي حققه حزب الله في الحرب مع إسرائيل. ووفق التقديرات الأمنية، كان هناك تأثر كبير وبدأ يُستخدم في الأردن مصطلح التشيع السياسي، وافتُتح في حينها فرع لمكافحة التشيع ولكن هذا الهاجس لا أعتقد أنه قائم".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

الإعلام بوق السلطة

تهدف وسائل الإعلام المُحتَكرة من قبل الأحزاب السّياسيّة والميليشيات إلى مصادرة الإرادة الشعبيّة، والتعتيم على الحقوق، والاعتداء على الحريات، ونشر الفتنة وبثّ خطاب الكراهيّة.

حتى لا يكون اللاجئون/ ات، وأصحاب الهمم، والأقليات الدينية، ومجتمع الميم-عين وغيرهم/ نّ من مهمّشي المجتمع كبش فداء، ساهم/ ي معنا في إنتاج صحافةٍ أكثر استقلاليةً.

Website by WhiteBeard