شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
لماذا أخشى السير بشنطة مطبوع عليها كلمة LOVE؟

لماذا أخشى السير بشنطة مطبوع عليها كلمة LOVE؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 16 ديسمبر 202211:53 ص

قبل فترة قريبة، عندما تقابلت مع صديق لي وزوجته، قدما لي عُلبةً من الشوكولاتة، هديةً داخل شنطة هدايا مطبوع عليها من الخارج كلمة love، وبعد انتهاء مقابلتنا، كان لدي موعد آخر مع صديق في الأوبرا في أثناء عروض أفلام مهرجان القاهرة السينمائي، وهذا معناه أني قد أرى بعض الزملاء الصحافيين والأصدقاء هناك، وبالطبع سيرون شنطة الهدايا في يدي. شعرت بالخجل الشديد من أن يظنوا أني أحب، وأن حبيبي هو من أحضرها لي، وكأنه لو خُيّل إليهم أن حبيباً هو من قدمها لي أو العكس فهذا عيب مثلاً.

تحكي لي صديقتي أن في أول مرة احتضنها فيها رجل تحبّه في الشارع، علّق رجل آخر كان يستقل سيارته الملاكي بسخرية وبصوتٍ عالٍ قائلاً: "ارفعها كمان"...

وصلت إلى الأوبرا في ذاك اليوم، وأنا أحاول ألا يراني أحد، ولكني بالفعل صادفت بعض الأصدقاء في أثناء خروجي من باب الأوبر، وشعرتُ بالإحراج، فوجدت نفسي من دون أن يسألني أحد منهم، أُخرج عُلبة الشوكولاتة وأقدّم لهم منها، وأنا أخبرهم بأن صديقي وزوجته هما من أهدياني إياها حتى أبرّئ نفسي من شبهة الحب... ولكن هل بالفعل الحب شبهة نخشى أن تلتصق بنا؟

"لكن صحيح هتكون فضيحة لو يوم نسينا... وبوّسنا بعض في الشارع"؛ هذه الجملة لأمينة جاهين، في مقدمة فيلم "الحريف"، أتت في نهاية عدد من الكلمات التي تؤكد على عادية أي فعل آخر في الشارع بالنسبة إلى الناس حتى لو كانت هذه الأفعال سباباً أو مشاحنات بالأيدي أو حتى قتلاً، كل هذه الأفعال عادية في مقابل أي فعل يعبّر عن الحب حتى لو كان أي فعل آخر أبسط من القُبلة. تحكي لي صديقتي أن في أول مرة احتضنها فيها رجل تحبّه في الشارع، علّق رجل آخر كان يستقل سيارته الملاكي بسخرية وبصوتٍ عالٍ قائلاً: "ارفعها كمان"... مما جعل صديقتي تشعر بالاستياء مما فعلته، وظلت تؤنّب نفسها كلما تذكرت بدلاً من أن تصبح ذكرى أول لمسة حب وقرب ذكرى جميلةً تحكي عنها.

في اليوم نفسه الذي كنت أحمل فيه شنطة الهدايا، سمعت طفلاً داخل عربة المترو يتحدث في الهاتف مع صديق له ويحكي معه عن عربة تحطمت أمامه بفعل بعض الأشخاص الذين كانوا يتشاجرون، فرد عليه الطفل بلهجة حاسدة قائلاً: "يا بختك... صورلي يلا وابعتلي على الواتساب". تعجبت من رغبة الطفل في مشاهدة مشهد عنيف مثل ذلك، وتخيلت أن هذا الطفل نفسه عندما يكبر إذا رأى رجلاً يضرب زوجته في الشارع سيكون رد فعله أن هذه مشكلة بين رجل وزوجته لا يصح أن نتدخل فيها، وهو نفسه الذي إذا رأى امرأةً مالت على زوجها لتضع رأسها على كتفه سيتشاجر معهما، لأن هذا لا يصح "في الشارع"، مثلما حدث بالفعل في حادثة شهيرة قبل سنوات عدة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ومثلما يحدث في كل مرة يسافر فيها صديقي مع زوجته إلى بلدتهما الريفية، فكيف لهما أن يجلسا في المواصلات العامة إلى جانب بعضهما ممسكين بيد بعضهما البعض من دون أن يؤنّبهما السائق ويتشاجر معهما؟

وجدت نفسي من دون أن يسألني أحد منهم، أُخرج عُلبة الشوكولاتة وأقدّم لهم منها، وأنا أخبرهم بأن صديقي وزوجته هما من أهدياني إياها حتى أبرّئ نفسي من شبهة الحب... ولكن هل بالفعل الحب شبهة نخشى أن تلتصق بنا؟

للحب صورة أمقتها في بلادنا

-الزوجة: بحبك.

-الزوج: إيه علاقة الحب باللي بقوله؟ تعالي عايزك.

هذا الحوار من العرض المسرحي المصري "المطبخ"، من تأليف الكاتب محمد عادل، عندما دعا الزوج زوجته إلى الفراش. وما أبأس من أن يرى رجل أن العلاقة الحميمية بين الزوجين شيء لا يمتّ إلى الحب بصلة، وبالمناسبة قد يكون هذا الرجل ليس سيئاً، بل قد يكون يحب زوجته بالفعل، لكن مفهومه للحب الذي تربى عليه وترسخ في داخله هو ما جعله يضع الحب في جهة، والعلاقة في جهة أخرى، وهو الرجل نفسه الذي لن يمكنه أبداً أن يعبّر عن حبه لزوجته أمام الآخرين.

خلال الفترات الأخيرة، حدثت أكثر من حادثة مروعة في الشوارع المصرية، في القاهرة، ومحافظات أخرى، حتى أصبح كل شارع في مصر يشهد حادثةً أفظع من نظيرتها في مكانٍ آخر. المُربك والمخيف في الأمر أكثر من القتل وإزهاق الروح، أنه تم تبرير بعض هذه الوقائع باسم الحب، فقيل إن فلاناً قتل فلانةً لأنه كان يحبها ورفضته، وأغرب ما يمكن أن أسمعه في ذلك الزمان أن يكون الحب مبرراً للقتل، ومبرراً للأذى. بالنسبة لي، المُحب لا يقتل، ولا يؤذي، مثلما نقول إن المُحب أيضاً لا يُخفي حبه ولا يخجل منه، إذاً لماذا أخجل أنا؟

المُربك والمخيف في الأمر أكثر من القتل وإزهاق الروح، أنه تم تبرير بعض هذه الوقائع باسم الحب، فقيل إن فلاناً قتل فلانةً لأنه كان يحبها ورفضته، وأغرب ما يمكن أن أسمعه في ذلك الزمان أن يكون الحب مبرراً للقتل، ومبرراً للأذى

لماذا أخجل؟

عندما أسير في الشوارع والطرقات وألمح شاباً تحتضن يده يد حبيبته، أو اثنين آخرين ينظران في عين بعضهما البعض حينما يقفان على كورنيش النيل في القاهرة أو شاطئ البحر في الإسكندرية، أو أسمع صديقةً لي تتشدق بعبارات الحب لحبيبها أمامنا، في هذه الأوقات تعتلي ثغري ابتسامة حالمة، وأتساءل في سرّي: لماذا لا تكون هذه المظاهر الصورة الطبيعية والعادية للحب التي لا يخجل منها أحد ولا ينتقدها أحد؟ ربما كل ما سبق عن الصورة البغيضة للحب في مجتمعاتنا وأساليب الإساءة إلى المحبين ربّى في داخلي ذلك الإحساس بالخجل من الشعور بالحب، وبكل أسف ينتصر أحياناً في داخلي هذا الشعور أكثر من انتصار شعور الفرحة برؤية مظاهر الحب أمامي، مما يجعلني أحب أن أراها لكن أخشى أن أفعل مثلها، وأخشى أن أكون ممن يعبّرون عن الحب.

نعم، كنت سعيدةً فعلاً، لأن ما فعله ذلك الرجل أكد لي أن الاعتراف بالحب والتعبير عنه بأي طريقة سواء من رجل أو امرأة يحتاجان إلى قوة وشجاعة، وهذه القوة لا يتمتع بها الكثيرون

الحب قوة لا يقدر عليها الجميع

مؤخراً، شاهدت مظهراً من أجمل مظاهر الحب التي رأيتها؛ أحد أصحاب الأعمال الذي كنت أعمل معه من قبل، رجل ذو شخصية قوية، ومرت حياته بالعديد من المشكلات التي أعتقد أن من الصعب أن يحتملها أي إنسان إذا لم يكن بنفس قوته، وإلى الآن ما زال يمر بمشكلات، كما أنه رجل ذو خلفية محافظة. وقف هذا الرجل أمام الجميع، إخوته، وموظفيه، وأصحاب أعمال آخرين، وطلب يد حبيبته على مرأى ومسمع من الجميع. في ذاك اليوم، شعرتُ بسعادة تملأ قلبي تجلّت بوضوح على وجهي، ونبّهني الجميع إلى ذلك، وسألوني متعجبين: لماذا كنتُ سعيدةً هكذا على الرغم من أن الموضوع لا يخصني؟

نعم، كنت سعيدةً فعلاً، لأن ما فعله ذلك الرجل أكد لي أن الاعتراف بالحب والتعبير عنه بأي طريقة سواء من رجل أو امرأة يحتاجان إلى قوة وشجاعة، وهذه القوة لا يتمتع بها الكثيرون.

التعبير عن الحب لا ينقِص من ذات الإنسان بل على العكس يزيد من قدره أمام الناس وأمام نفسه، وربما أقول ذلك لنفسي قبل أن أقوله لكم حتى أستطيع أن أحب وأعبّر عن حبي من دون خجل.



رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

منبر الشجعان والشجاعات

تكثُر التابوهات التي حُيِّدت جانباً في عالمنا العربي، ومُنعنا طويلاً من تناولها. هذا الواقع هو الذي جعل أصوات كثرٍ منّا، تتهاوى على حافّة اليأس.

هنا تأتي مهمّة رصيف22، التّي نحملها في قلوبنا ونأخذها على عاتقنا، وهي التشكيك في المفاهيم المتهالكة، وإبراز التناقضات التي تكمن في صلبها، ومشاركة تجارب الشجعان والشجاعات، وتخبّطاتهم/ نّ، ورحلة سعيهم/ نّ إلى تغيير النمط السائد والفاسد أحياناً.

علّنا نجعل الملايين يرون عوالمهم/ نّ ونضالاتهم/ نّ وحيواتهم/ نّ، تنبض في صميم أعمالنا، ويشعرون بأنّنا منبرٌ لصوتهم/ نّ المسموع، برغم أنف الذين يحاولون قمعه.

Website by WhiteBeard