شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
المجارير تبتلع السوريين... عندما يصبح الواقع مجازاً

المجارير تبتلع السوريين... عندما يصبح الواقع مجازاً

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 13 ديسمبر 202212:47 م

قبل أربع سنوات تقريباً، شاهدت مع أطفالي عرضاً مسرحياً للأطفال بعنوان "الملكة الجائعة"، للمسرحي السوري دانيال الخطيب.

وبالرغم من أنّ المسرحية كانت موجهةً إلى الأطفال، لكنّها كانت مسرحيةً عميقةً جداً، وتحمل في حواراتها مجازاً عالياً، وبمقاربة بسيطة للواقع السوري تستطيع كمشاهد بالغ إسقاطها مباشرةً على الواقع الذي يعيشه السوريون لتتحول مسرحية الأطفال تلك إلى مشهد مكثف لحياة بلد كامل.

هل من إنسان عاقل على وجه هذه الكرة الأرضية كلها، يستطيع تخيل مثل هذه الطريقة للموت؟


الملكة الجائعة

تحكي قصة المسرحية عن ملكة جائعة، أكلت خيرات مملكتها وثرواتها ولم تشبع، فبدأت بأكل شعبها، وبسبب الحجم الهائل لفضلات الملكة تُسدّ كل قنوات الصرف الصحي في المملكة، ليموت جزء من الشعب بعد أن صار طعاماً لملكته، ويطفو ما تبقى من الشعب فوق مياه المجارير.

حقيقةً وبالرغم من نقمتي الواضحة، ونظرتي التشاؤمية، وبالرغم من اقتناعي التام بأننا نسير نحو الأسوأ، لم أتوقع لا أنا ولا أي شخص من الحاضرين، تحوّل هذا المجاز إلى حقيقة وإلى واقع ملموسٍ وبالحرف.

ندى داوود، مهندسة تبلغ من العمر 25 عاماً، ماتت في الرابع والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2022، بعد سقوطها في فتحة للصرف الصحي موجودة في منتصف الشارع وبالقرب من دور الشبيبة في مدينة اللاذقية السورية. ماتت ندى بطريقة سريالية، ماتت ليكون موتها الحدث الأكثر ملاءمةً واتساقاً مع طبيعة الحياة التي نعيشها، مع الطريقة التي نُعامَل بها كمواطنين لا حول ولا قوة لنا.

حقيقةً وبالرغم من نقمتي الواضحة، ونظرتي التشاؤمية، وبالرغم من اقتناعي التام بأننا نسير نحو الأسوأ، لم أتوقع لا أنا ولا أي شخص من الحاضرين، تحوّل هذا المجاز إلى حقيقة وإلى واقع ملموسٍ وبالحرف

لا تعليق حكومياً على الحادثة، ولا استقالات، ولا حتى اعتذار صغير من البلدية حتى لحظة كتابة هذا المقال.

مع كل مأساة، ومع كل حادثة من هذا النوع، نتأكد أننا نحن المواطنين السوريين لسنا أكثر من مجرد أرقام في نظر حكومتنا، لا حياة لنا، ولا أحلام، ولا أصدقاء، ولا أهل، ولا خطط مستقبلية ولا حقوق، أي حقوق من أي نوع، كحق السير في الشارع من دون أن تبتلعك الأرض.

ندى هي نحن

في أثناء شرح المدربة لنا في إحدى الدورات التدريبة عن الإبداع، أعطتنا مرآةً وطلبت منا أن نفكر خارج الصندوق ونبتدع استخدامات أخرى للمرآة غير الاستخدامات المتعارفة. للحظات أتخيل عزرائيل في دورة تدريبية للإبداع وقد أعطوه سوريا وطلبوا منه ابتداع طرق مبتكرة للموت. لا أعتقد أن هناك سيناريو أكثر إقناعاً للطرق التي نموت بها كسوريين أكثر من هذا السيناريو الهزلي.

فهل من إنسان عاقل على وجه هذه الكرة الأرضية كلها، يستطيع تخيل مثل هذه الطريقة للموت؟

ندى هي السوريون جميعهم وعليها أن تتحول مع صرخات أمها إلى الصفعة التي تعيدنا إلى رشدنا، وعلى هذه الميتة المذلة والمهينة أن تصير صراخاً سورياً جماعياً لا يتوقف، وعلى اسم ندى داوود أن يتكرر ويتكرر حتى يؤرّق مضاجع كل مسؤول من قريب وبعيد عن هذا الاستهتار بحياتنا، علينا أن نعيد ندى إنساناً، ونسقط تهمة الأرقام عنّا. جميع السوريين ندى داوود، هي من غرق حرفياً في الصرف الصحي ونحن الغارقون مجازاً.

يتحدث مصطفى حجازي، في كتابه "التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، عن مراحل القهر، فبعد مرحلة الرضوخ التي يشعر فيها الإنسان بالدونية والنقص وبأن كل ما يحدث له مجرد عقاب يستحقه، تأتي مرحلة الاضطهاد وفيها يشعر المواطن بحالة من القلق والتوتر الوجودي، يبدأ بالرفض لكن هذا الرفض يبقى حبيس نفسه ويظل خائفاً من إخراجه والإفصاح عنه، حتى يصل في النهاية إلى مرحلة الانفجار أي التمرد والمجابهة، المرحلة التي يصبح فيه الشعب غير قادر على الاحتمال فتنفجر كل مشاعر الغضب والإحساس بالدونية وتتحول إلى عنف موجه ضد القوة التي تسلطت عليه، فهو يشعر بأنها الطريقة الوحيدة لإثبات ذاته.

يعيش الشعب السوري حالياً، ومن خلال ملاحظة ردات فعله وتعليقاته على الأحداث المأساوية التي يعيشها ويمر بها، مرحلة الاضطهاد، فتجده حتى الآن يبحث عمن يحمّله وزر ما يحدث كوسيلة دفاعية تحميه من الانهيار، وهذا ما يفسر إيمان جزء كبير من الشعب حتى الآن بنظرية المؤامرة وتصديقهم لها.

أحداث مأساوية شبيهة بطريقة موت الشابة ندى، تعجل الوصول إلى مرحلة التمرد، وهذا في حال حصل سيوقع البلاد في كارثة حقيقية، لأن المنطق يغيب عن الجماهير في هذه المرحلة ويتحولون إلى قوة محرَّكة بواسطة العواطف والمشاعر المكبوتة، والحكومات حقيقةً تدرك هذا جيداً، لذلك تلجأ بين فترة وأخرى إلى اختلاق أحداث لتوجيه هذه القوة ضد أحد آخر غيرها.

ندى هي السوريون جميعهم وعليها أن تتحول مع صرخات أمها إلى الصفعة التي تعيدنا إلى رشدنا، وعلى هذه الميتة المذلة والمهينة أن تصير صراخاً سورياً جماعياً لا يتوقف

وهن عزيمة الأمة

أي جملة أو عبارة قد يتفوه بها أي سوري في لحظة غضب، من الممكن أن يعاقَب عليها تحت مسمى وهن عزيمة الأمة.

يبقى السؤال الأهم هنا: هل المواطن فقط هو القادر على وهن هذه العزيمة؟ وهل موت شابة بهذه الطريقة المحزنة لنا كمواطنين، والمخجلة والمخزية لأي مكان يحترم نفسه في هذا العالم، لا توهن عزيمة المواطن وتجعل منه إنساناً مقهوراً وقلقاً وخائفاً؟ أليس الاستهتار بأرواح المواطنين جريمةً تحتاج إلى محاسبة!؟ فبالرغم من كل التحذيرات من قبل الأرصاد الجوية، وبالرغم من كل نداءات المواطنين المستغيثة في اللاذقية التي غزت مواقع التواصل الاجتماعي من فترة أقل من شهر، عندما شهدت الأخيرة أمطاراً غزيرةً، لم تحرك المحافظة ولا البلدية ساكناً ولم يتم اتخاذ خطوة واحدة لتحسين واقع الطرقات السيئ الذي تشهده المحافظة. فكلما هطلت أمطار غزيرة تتحول هذه المدينة إلى مدينة عائمة. أتذكر جيداً حلقة مسلسل مرايا عام 1997، حلقة حارة العوامة، يبدو أنها الجورة ذاتها منذ نحو خمسة وعشرين عاماً.

قبل فترة قرأت مقالاً، تخبرنا فيه الكاتبة التي تعيش في إحدى الدول الأوروبية، في سياق حديثها، عن وجود زر في شقة جارتها المسنّة، عليها أن تكبسه كل صباح عندما تسيقظ حتى تتطمئن المسؤولة الاجتماعية عليها، وعن أحد الأيام التي استنفرت فيها فرق صحية كاملة لأنها نسيت أن تكبس الزر. وهنا تساءلت في أي بقعة جغرافية من العالم أعيش؟

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard