السوريون يحتاجون لعناق كبير من العالم

الأربعاء 7 أبريل 202111:44 ص

لطالما كان الإنسان يخاف المجهول. لكن أن تعيش المجهول كل يوم من أيام حياتك، وبكافة جوانبها، وبأبسط تفاصيلها وأدنى احتياجاتك، فهو أمر قد تعدَّى حدود الخوف. لا أستطيع أن أقول اليوم إننا كسوريين خائفون، فنحن لا نمثل القاعدة العامة للخوف من المجهول، لأننا كسرنا تلك القاعدة بتخطينا لحدود المجهول. نحن اليوم لم نعد على قيد الحياة كبقية البشر ولم تعُد قوانين البشر وقواعدهم تمثلنا. الأجدر بعلماء النفس أن يأتوا إلى هنا ليستحدثوا مدرسة جديدة لعلم النفس ويسمونها "البشريون السوريون".

ما زلت لا أصدق أني رميت عشر سنواتٍ من عمري في القمامة. وهذا الألم والوجع يضرب رأسي مراراً؛ بالوعي واللاوعي. ما يبدو أكثر إيلاماً أن تلك السنوات العشر لم تُسرق منك فقط، بل سُرقت من عمر أحبتك أيضاً. وأنت تود أن تسبق هذه البلاد في حصاد سنوات عمرك، لكنها تسبقك دوماً. "ولي بذمَّة هذه الأرض عمري!" إنها العبارة التي كتبتها كصلاة، وأرددها دوماً كل ليلة. "ولي بذمةَّ هذه الأرض عمري" بل وعمر والدتي وأختي وأحبتي. فكيف أغفر لهذا العمر؟

تلك السنوات العشر لم تُسرق منك فقط، بل سُرقت من عمر أحبتك أيضاً. وأنت تود أن تسبق هذه البلاد في حصاد سنوات عمرك، لكنها تسبقك دوماً

في طفولتي كنت أنتظر دوماً أن أصبح شابة. كان كل شيء جميلاً. وكنت على ثقة بأن مستقبلي سيكون أجمل. كانت والدتي تسافر دوماً خارج البلاد كونها تعمل في التجارة والاستيراد. ولطالما وعدتني بالسفر معها إلى مختلف البلدان للسياحة ورؤية العالم. لم يكن حلماً، لأن أحلامي كانت أكبر من مجرد تذكرة طيران، بل كان في نظري واقع مؤجل الحدوث وأمر حتمي سأفعله مع والدتي بالتأكيد، ولكن ما الذي حدث؟ ها أنا اليوم أعيش ضمن دوامة المصير المجهول كبقية السوريين ومع أحلام كثيرة أكبرها هو تذكرة الطيران، وضمن موجات متتالية من الاكتئاب والإحباط والشعور باللا جدوى. أنا ابنة العقد الثاني من العمر، أشعر باللا جدوى! ولا أستحضر في ذهني الآن إلا صورةً واحدة لأفسر لكم منبع هذا الشعور: "الأمر يُشبه أن يكون لديك يوم واحد لتعيشه فلا يُسمح لك إلا بالجلوس لوحدك بين أربعة جدران. أنتَ لا تكره العزلة ولا تخاف الأماكن الضيقة ولن تضرب رأسك بأربعة جدران حين تتأملها، لكنه يومك الوحيد والأخير، إنه الشيء الذي لن يتكرر... إنه العمر".

كيف عسانا نشعر بالجدوى ونحن نرى أعمارنا تُسلب منا؟ ترى من الذي سيمنحنا محاولة أخرى في هذه الحياة؟

العيش هنا يشبه شعور طفل لم يتعلم المشي بعد، ولكن عليه الركض سريعاً لينجو. فنحن اليوم نسابق الزمن لننجو، ونركض بأقصى سرعتنا لنلحق بالحياة والتطور والتكنولوجيا وفرص العمل داخل الوطن وخارجه ولكن دون أن يعلمنا أحد كيف نفعلها. نحن تماماً مثل "كأهل الكهف"، لأن كل شيء قد توقف بنا هنا، وكل شيء استمر في الخارج. والنجاة لا تأخذ ظروفنا بعين الاعتبار أبداً، فالحياة أخلت مسؤوليتها تماماً عما حل بالسوريين ولا أحد يبالي بنا.

العيش هنا يشبه شعور طفل لم يتعلم المشي بعد، ولكن عليه الركض سريعاً لينجو

السوريون يحتاجون لعناقٍ كبير من العالم كله، لو أفضى السوريون عن مكنونات قلوبهم بالبكاء لأغرقوا العالم كله. ما من واحدٍ في هذه البلاد كان يرغب بأن يكون عادياً، لم أمر يوماً بإنسان هنا إلا وكانت أحلامه أعلى من ناطحات السحاب. منذ السؤال الأول في مقاعد الدراسة "ماذا تريد أن تكون؟" لم تكن إجابة أحدهم أن يكون حاله كما اليوم.

أعود بذاكرتي إليّ. كل تلك الأحلام التي شهدت عليها خلال سنوات حياتي، جميع الأشخاص العابرين منذ الطفولة وحتى الآن. حجم تلك الأحلام كان كفيلاً بأن يبني وينهض بالعالم كله وليس ببلد فقط. حجم تلك الطاقات وذلك الشغف والأمل والعزيمة كان كفيلاً بأن يجعل هذا البلد هو الأجمل في العالم. نحن نملك ثروة بشرية هائلة كأي أرض مثمرة؛ نملك نفطاً بشرياً لم يُستهلك سوى للموت، ليس للتدفئة ولا للإنارة، فقط للموت والبارود.

في المرَّةِ القادمة يا بلادي، في المرَّةِ القادمة التي تسألين فيها أطفالك ماذا يريدون أن يكونوا في المستقبل، خذي إجاباتهم على محمل الجد. لا تحمليهم في جوف بندقية وتطلبين منهم أن يخرجوا من جوفها أحياء شغوفين ومُقبلين على الحياة.

دافع من دافع بدمائه ليبني وطناً، وبقي أصحاب السواعد والهمة مقيّدون بشبح الموت والخيبة.

بجانب كل إنسان حي على هذه الأرض قبر ونعوة لأحلامه، كما لو أننا في العالم الآخر الذي يتم تصويره في الأفلام حين يحكون حكاية عن الأشباح، وبوابة العبور ليست سوى جواز سفر لننتقل إلى عالم البشر.

ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟

"هذا ما أريد أن أكونه؛ أن أعبر يوماً إلى عالم البشر".

 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard