شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
نساء متحرّقات للزواج ورجال عازفون عنه... مساواة الخوف؟

نساء متحرّقات للزواج ورجال عازفون عنه... مساواة الخوف؟

رأي نحن والنساء نحن والحريات الشخصية

الثلاثاء 7 فبراير 202301:39 م


غزوة "البوكيه"

جمع من الفتيات يقفزن بحماس وراء الفستان الأبيض الكبير، متأهبات لاختطاف باقة الورد.

وقفتِ إزاء هذا المشهد في مرة أولى وقد كنتِ أصغر، أكثر خجلاً، أقل استجابة لقلقك اللعين، فاستأتِ دون أن تفهمي السبب. ثم دفنت انزعاجك بعجالة كمن يهشّ بيده ذباباً عنيداً، واستأنفت الاستمتاع بالحفل.

لم يكن في الأمر موقف من الزواج ولا من الأعراس، ولا من اعتبارها حدثاً مفرحاً وفارقاً في حياة الناس، أبداً.

في المرة الثانية كنتِ أكبر، أكثر جرأة وأقل خضوعاً للعالم وقواعده الخانقة. تراجعت إلى الوراء واتخذت زاوية على يسار الفعالية لتشاهدي، مع جمهور "غير العازبات"، سعادة المترشحات وذويهم. إلا أن مطلبك كان طَموحاً أكثر مما يجب على ما يبدو، فسرعان ما التقطتك أعين المفتشات والمفتشين، وطالبتك بصرامة بالالتحاق.

فجأة تحول المشهدُ كله نحوك، وتلقيتِ، لدقائق بدت كأنها دهر، نظرات دهشة وأخرى لائمة ومستنكرة فعلتك "اللامقبولة".

خشيت أن يُفسّر الأمر، والحال على ما هو عليه من تحامل، على أنه محاولة للفت الانتباه وإثارة الاهتمام، أو سعي للمفاخرة بالتفرّد، وهو أمر كرهته بقدر ما كنت واثقة أنك بريئة منه تمامَ البراءة، فكدت تتقدّمين إلى الأمام لإنهاء المسألة التي أخذت أكثر مما ينبغي لها من الانتباه. غير أن صوتاً قوياً تردّد داخلك بألا تفعلي (تحرير هذا الصوت الذي يُشبهنا أكثر من أي شيء آخر هو أعظم مكسب قد نحققه في الحياة)، وفي اللحظة ذاتها لاح لك وجه أمك في الضفة المقابلة باسماً في طمأنينة، فاستمديت منه قوة عظيمة .

لو حدث هذا المشهد قبل سنوات، ربما لم تكن أمك لتبتسم بكل عذوبة، لكنها الآن تفعل. لقد تغيرت أشياء كثيرة كما تغيرتِ. نجحت في أن تعرفك وأن تفهمك وأن تدعمك. لمَ التقهقر إلى الوراء خائبة إذن إن كان من الممكن أن تتغير أشياء؟

وقفتِ مكانك متسمّرة، ولم يعد في وسعك تفريق الأصوات والوجوه من حولك. آخر ما تتذكرينه أنك هززت رأسك موافقة على مقايضة حقك في البقاء مكانك، بأنك تُعدّين بذلك "مرتبطة". "إنغيجد؟"... فليكن؟

معادية للأعراس؟

لم يكن في الأمر موقف من الزواج ولا من الأعراس، ولا من اعتبارها حدثاً مفرحاً وفارقاً في حياة الناس، أبداً.

لطالما شهدت حفلات الزفاف بكثير من الخشوع، كما يجدر بشخص يقدس اتحاد القلوب المُحبة، وبكثير من الأماني الصادقة بأن يُنقذ العروسان زواجهما من تشوهات هذا المجتمع ويسقياه مياهاً آنية نقية. كل زواج يُفلت من "ماكينة" الزيف الاجتماعي وينجح في ألا يكون قشرة لا تخفي سوى الخواء والبؤس، هو بالنسبة لي انتصار إنساني جميل لمؤسسة حقيقة بأن تكون ناجحة ومثمرة وملهمة.

الزواج بالفعل حدث مفرح وفارق في حياة الإنسان، وهنا بالضبط كانت مشكلتي: المشاهد التي تصرّ على وضع الزواج في خانة الأحداث الفارقة في حياة النساء وحدهن

الزواج بالفعل حدث مفرح وفارق في حياة الإنسان، وهنا بالضبط كانت مشكلتي: المشاهد التي تصرّ على وضع الزواج في خانة الأحداث الفارقة في حياة النساء وحدهن.

يتفق الجميع على أنه يوجد في الزفاف رجل وحيد سعيد، وهو العريس الذي ينظر إليه أصدقاؤه كمن ينظر لفأر داخل مصيدة (وحتى أجمّل الأمر أكثر، ككناري مغفل داخل قفص). وإن غبطوه للحظات، استعادوا سريعاً موقعهم المتفرج الساخر من "سقوط" رفيقهم، حتى وإن كانوا يعرفون أنهم سيتساقطون تباعاً، وسيتقدمون يوماً ما خطوة خطوة نحو ما يسمونه "مصيدة".

وراء هذا المشهد عقود طويلة من تربية الفتيات ليكن زوجات، وتربية الأولاد ليكونوا رجالاً، لا أزواجاً.

الصورة تريدُ أن تُرسخ التالي: النساء  هن المتحرّقات للزواج، الساعيات خلفه، الحالمات به، الحريصات عليه كأثمن ما يمكن، المستعدّات له كأحسن ما يكون. وفي الضفة المقابلة هناك الرجال، المؤجّلون لمشروع الزواج، العازفون عنه، المتهربون منه، الخائفون من نتائجه.

مالم يتجمع أصدقاء العريس وراءه ليتلقفوا شيئاً من أثره، أو يجتمعوا في غرفته لكتابة أسمائهم تباعاً على حذائه، لن أكف عن اعتبار هذا المشهد بشعاً، ولن أقبل أن أؤثثه بكل طبيعية (فعلتُ من قبل وقد غابت عني ملابساته، أما وأنا أدرك ما يقف وراءه وما يحيط بجوانبه وما ينجرّ عنه، فلا).

ما الذي يقف وراءه ويحيط بجوانبه وينجر عنه؟

وراء هذا المشهد عقود طويلة من تربية الفتيات ليكن زوجات، وتربية الأولاد ليكونوا رجالاً، لا أزواجاً.

فالزواج أمر ثانوي عندما يتعلق الأمر بالأولاد، ليس ثانوياً من حيث ضرورته، لأن مهمة الحفاظ على النسل مهمة جوهرية، بل من حيث أولويته وأهميته.

لا أعرف أمهات كثيرات انشغلن بتربية أولادهن من أجل أن يكونوا أزواجاً مسؤولين ومحبين ومتفهمين. أغلبهن ربين أولادهن ليكونوا رجالاً، والرجولة، في هذا السياق، تقوم على عمودين: القوة والقدرة على كسب المال. أما الفتيات فتتم تربيتهن ليكن زوجات جيدات، وجيدات هذه لا تعني أيضاً مسؤولات ومحبات ومتفهمات، وبتقدم المجتمعات صارت تتم تربيتهن أيضاً من أجل أن يكن قويات وقادرات على كسب المال أيضاً، لكن ذلك أمر ثانوي ينضاف لكونهن في الأصل مشاريع زوجات. المهم أن يكنّ زوجات جيدات، وإن كن قويات وقادرات على كسب المال أيضاً فيااااه... خير وبركة.

الصورة تريدُ أن تُرسخ التالي: النساء  هن المتحرّقات للزواج، الساعيات خلفه، الحالمات به، الحريصات عليه كأثمن ما يمكن، المستعدّات له كأحسن ما يكون. وفي الضفة المقابلة هناك الرجال، المؤجّلون لمشروع الزواج، العازفون عنه، المتهربون منه، الخائفون من نتائجه

هل الزواج هو فعلاً ما تريده النساء أم الحرية (التي يُخشى عليهن منها وهن يافعات)، الاحترام (في مجتمع يحتاج سبباً ليُبدي الاحترام)، الاعتراف بهن (كذوات لا كملحقات)، الشعور بأنهن صاحبات رأي وقرار (في حين أنه لا يحق لهن ذلك في الكثير من المنازل)، والحاجة لأن يكن سيدات مالكات لشيء ما ولو كانَ قطع أثاث وأواني طبخ (في عالم تُقيد فيه ملكية النساء). إن كانت النساء تبحث عن كل هذا في الزواج، ثم يكتشفن أنه لا يقدمه ضرورةً، ما الذي سيحدث؟

بين نساء تم إعدادهن ليكتمن خوفهن داخلهن، كطفل يعتقد أن الألم سيختفي إذا لم ينظر إلى جرحه، لأنهن يعتقدن أن كل ما أردنه في الحياة يمنحه الزواج لهن، ورجال لم يتم إعدادهم لمواجهة مخاوفهم، في ظل اقتناعهم بأن كل ما أرادوه في الحياة يحرمهم الزواج منه، معاناة متنوعة: لا نخاف أو نخاف أكثر مما يجب في الحالتين.

إن كانت النساء تبحث عن كل هذا في الزواج، ثم يكتشفن أنه لا يقدمه ضرورةً، ما الذي سيحدث؟

أما بعد؟

لابد أن نعيد خلط الأوراق حتى نُفسح للنساء مجالاً للخوف (خوف إيجابي يجعلهن يستعددن بالفعل، لا بوصفات التجميل واللياقة) وندفع الرجال لتعلم التعامل مع مخاوفهم (المشروعة بالمناسبة ماداموا يدفعون مقابل امتيازاتهم الذكورية أعباءً كريهة مادياً ونفسياً).

كم من الرجال جنَوا سنين ندم وهم يرون حبيباتهم يرحلن لأنهم لم ينجحوا في حسم خوفهم في لحظة ما؟ وكم منهم عانوا وهم يرونهم يذبلن من الانتظار وهم عاجزون عن مد أيديهم لهن؟ وكم منهم خسروا مرات حتى صار خوفهم عدوهم، ولما شنقوه في ثورة غضب، ألقوا أنفسهم بين يدي "المرأة الخطأ"؟

وكم من الرجال دفعوا ثمن مخاوفهم التي لم ينجحوا قط في مواجهتها علاقات غير متوازنة، كانوا فيها غائبين أكثر من حاضرين، وعاشوا سنيناً مع شعور متفاقم بالضآلة وانعدام القيمة في أعين زوجاتهم وأبنائهم، دون أن يقووا على إصلاح الأمر؟

كم من الرجال جنَوا سنين ندم وهم يرون حبيباتهم يرحلن لأنهم لم ينجحوا في حسم خوفهم في لحظة ما؟ 

وكم من النساء وجدن أنفسهن وحيدات عاجزات في مواجهة انتظاراتهن الشاهقة من الزواج (فالحرية والاعتراف والاحترام مكتسبات، علينا أن نستحقهن، ضرورةً، قبل الزواج)؟ كم منهن اكتشفن أن "جيدات" ليست وصفة سحرية، وأنه عليهن أن يتعلمن باستمرار عوض أن يطبقن ما تعلمن من قبل، لأن العيش المشترك تمرين يحتاج فريقاً من لاعبين؟

كم منهن اكتشفن فجأة أنهن فكرن في الأغطية القطنية الزاهية والملابس الصغيرة التي تخطف القلوب، ونسين أن يفكرن كيف سيواجهن تساقط شعرهن (وربما أسنانهن)، وافتقادَ أجسادهن للتناسق، وكيف سيتهيأن لتكون الأجنة في أحشائهن ثم انفصالهم عنها، وكيف سيقاومنَ اكتئاب ما بعد الولادة في الفترة التي يتنازعهن فيها النعاس والضعف والغربة والخشيةُ من الفشل وإعادة اكتشاف أنفسهن وأجسادهن وأنوثتهن؟

بدأ الأمر من مكان مختلف تماماً، وما تلاهُ ليس تعسفاً على المشهد الذي يؤثثه أشخاص أبرياء وفرحون وراغبون في الحياة ، ما دمنا قد فهمنا حتى الآن كم أن مظاهر التمييز جميعها، وإن بدت بسيطة وتافهة، تساهم أكثر في أن تُطبق على أنفاسنا وتحرمنا السلام، نساء ورجالاً.

الحريات لا تتجزأ. لا يمكنكم الانتقاء منها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

نؤمن بأن للإنسان الحق في التفكير وفي الاختيار، وهو حق منعدم في أحيانٍ كثيرة في بلادنا، حيث يُمارَس القمع سياسياً واجتماعياً، بما في ذلك الإطار العائلي، حيث أكثر الدوائر أماناً، أو هكذا نفترض. هذا الحق هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمعات ديمقراطية، فيها يُحترم الإنسان والآخر، وفيها يتطوّر وينمو بشكل مستمر. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard