شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!

"الحرية لفلسطين"... كأس العالم والجماهير العربيّة والاحتلال

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الأحد 11 ديسمبر 202201:01 م

لطالما حاول الاحتلال الإسرائيلي محو الهوية الفلسطينية وإلغاء وجودها عبر ممارسات ممنهجة، خطط لها قادة الكيان منذ احتلال الأرض الفلسطينية عام 1948. وقد حُظّر على الفلسطينيين خلال السنوات الماضية رفع العلم الفلسطيني في باحات المسجد الأقصى، وخلال أداء مناسك الصلاة أو الرباط داخله، فتمادى جنود الاحتلال في ملاحقتهم والاعتداء عليهم بالضرب المبرح في حال رؤيتهم للعلم الفلسطيني بين أيديهم، وقد تم اعتقال الكثير منهم، خلال محاولة إسرائيل طمس العلم الفلسطيني داخل القدس، لتأكيد غياب الفلسطيني داخل بلده.

وقد امتد هذا السلوك إلى الميدان، حيث منعت قوات الاحتلال رفع العلم المجسد للهوية الفلسطينية في الطرق العامة والشوارع داخل الضفة الغربية، وفي مناطق الاحتكاك مع الجنود الإسرائيليين، لما يحمله من سيادة على الأرض الفلسطينية، ورسالة رفض لوجود الاحتلال على أرض فلسطين.

وخلال بطولة كأس العالم لكرة القدم في دولة قطر، كانت ظاهرة رفع العلم الفلسطيني في جميع مباريات كأس العالم، هي الأكثر حضوراً بين الجماهير العربية والغربية.

بصوت مشجع إنجليزي… Free Palestine

خلال بطولة كأس العالم كان العلم الفلسطيني دائم الحضور في الكوادر الملتقطة من قبل الكاميرات، إما من خلال حمله أو تحويله إلى ربطة على الكتف، أو تخييط ألوانه على الملابس للمشجعين، وظهر أيضاً في مشاهد الاحتفال بالأهداف بين الجماهير، وهنالك من حمل علم فلسطين من المشجعين العرب، وقام بإهدائه للجمهور الغربي، من الأرجنتين والبرازيل والإكوادور وإسبانيا، حتى إن إحدى الكاميرات الإنجليزية شهدت موقفاً مفاجئاً لمشجع إنجليزي يتحدث عن فوز فريق إنجلترا، ويهتف أخيراً: "الحرية لفلسطين"، وهو ما ألقى بالصدمة على ملامح المراسل، وقام بإنهاء الحوار فوراً.

الحضور القوي للعلم الفلسطيني يحرك من جديد الصورة، ويضيف إليها شيئاً من النور، بحيث يمكن رؤية المشهد أكثر وضوحاً بعد إزالة الغبش عنه، الغبش الذي لطالما حاولت إسرائيل فرضه على المشهد العالمي، من خلال حملاتها المكثفة، وضغوطها المستمرة على الأنظمة الغربية والعربية

شهد احتفال لاعبي المنتخب التونسي حضور العلم الفلسطيني بين أحضان اللاعبين، وبروزه في الصورة التي رآها العالم بأسره، وتكرر ذلك في لقطة طريفة ضمن نفس اللقاء، حينما نزل مشجع تونسي لأرض الملعب، حاملاً علم فلسطين، فكان جريه في الملعب بكامل حريته، بعدما هرب من رجال الأمن المحيطين بمقاعد الجمهور، وكأنه كان يريد إطلاق الحرية للعلم الفلسطيني لا لجسده، كما شاهدنا كيف يتبادل الجمهور السعودي التهاني، بمرافقة علم فلسطين، بعد فوز السعودية على الأرجنتين في أولى مباريات الفريقين في البطولة، وكيف يتم ربط الكوفية الفلسطينية على الكتف، في مباريات المنتخب، كما ظهر الكثير من الفنانين العرب خلال المونديال، وقد حملوا العلم الفلسطيني محتفين به خلال متابعة المباريات وبعدها، وظهر في أحد الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي المشجع البرازيلي وهو يطلب من المواطن القطري أن يربط له ربطة علم فلسطين على كتفه. وشاهدنا كيف حمل لاعبو المغرب علم فلسطين في صورة جماعية، بعدما حققوا الفوز على منتخب إسبانيا في دور الـ 16، وتأهلوا لأول مرة للدور الثماني، ووسط هذا البريق الذي حققه أسود الأطلسي، فإنهم لم ينسوا فلسطين ولا علمها، وحملوا الهوية الفلسطينية، وكأن منتخب فلسطين هو ذاته من وصل للدور الثماني في البطولة الأكثر متابعة في العالم.

تحريك الصورة

هذا الحضور القوي للعلم الفلسطيني يحرك من جديد الصورة، ويضيف إليها شيئاً من النور، بحيث يمكن رؤية المشهد أكثر وضوحاً بعد إزالة الغبش عنه، الغبش الذي لطالما حاولت إسرائيل فرضه على المشهد العالمي، من خلال حملاتها المكثفة، وضغوطها المستمرة على الأنظمة الغربية والعربية، الهادفة لإزالته من جميع الصور.

لقد عاد العلم الفلسطيني للتحليق من جديد، في أعظم تجمع رياضي شعبي يحدث في العالم منذ زمن بعيد، وعادت الهوية الفلسطينية للبروز أمام أعين العرب والغرب، والغريب أنه ظهر في احتفالات المباريات الغربية أيضاً، فكان في لحظة ما هو راية احتفال كل فريق يحرز هدفاً في البطولة، في ظاهرة لم تحدث من قبل.

يقول الفلسطيني أبو عادل، 48 عاماً، لرصيف22: "لم أصدق ما حدث، فكانت أول مرة أرى علم فلسطين في الملاعب، بمثابة أمر اعتيادي ظننته لبعض المتعاطفين مع فلسطين، لكن بعد مشاهدة العلم الفلسطيني في جميع المباريات، شعرت بأن الأمر يدعو للاستغراب، وكأن هذا العلم الذي لطالما ساد منعه، قد عاد من جديد مثل طائر العنقاء، ليحلق هذه المرة، ويراه العالم أجمع".

ويكمل أبو عادل: "لطالما وصلنا أن الجمهور الغربي لا يعرف عن قضية فلسطين أي شيء، وبأن هذا الظلم الذي يحدث بحق فلسطين، لا يصل للمواطن الغربي المنهمك بحياته وتحقيق طموحاته الشخصية، لكن الآن وبعد هذا الظهور للعلم الفلسطيني على مدرجات ملاعب المونديال العالمي، فمن المضحك ألا يكون قد لفت انتباه من يتابعون المباريات، الذين يشكلون معظم سكان العالم، الآن وصلت ألوان العلم بوضوح، ولا بد أن المشهد حمل رسالة للعقل الغربي، وهم يدّعون دوماً بأنهم أكثر تحرراً منا، وأكثر قدرة على التفكير من العرب، هل فكروا لماذا ظهر هذا العلم بكثافة داخل الملعب؟ لمن هذا العلم؟ لماذا ينتشر علم فلسطين بالرغم من أنها دولة غير متأهلة للعب في المونديال العالمي".

علم فلسطين خارج القوالب

العلم الفلسطيني الذي أقدمت إسرائيل على إهانة حامله، وقص أجنحته، يخرج عن القوالب كلها، ويرقد فوق الصندوق الذي أعده الاحتلال لاحتجازه فيه، ليعبر في كل مرة يظهر فيها عن فكرة جديدة للحرية، ويؤكد أن الاحتلال لا يستطيع خلق خارطة جديدة، وإن استطاع كتم صوت إنسان، فلن يستطيع تغيير خامة صوته، وتبقى هويته هي الأكثر تلقائية وصدقاً حال ظهورها، لذلك انتشر العلم الفلسطيني في مونديال كأس العالم، دون أدنى تخطيط. انتشر بعفوية الجماهير التي من المؤكد أنها دوماً ضد الاحتلال.

كانت أول مرة أرى علم فلسطين في الملاعب، بمثابة أمر اعتيادي ظننته لبعض المتعاطفين مع فلسطين، لكن بعد مشاهدة العلم الفلسطيني في جميع المباريات، شعرت بأن الأمر يدعو للاستغراب، وكأن هذا العلم الذي لطالما ساد منعه، قد عاد من جديد مثل طائر العنقاء، ليحلق هذه المرة، ويراه العالم أجمع

يقول أبو عادل: "بعدما وجدت العلم في الملاعب، شعرت بمشاعر غريبة، ففي عز إحباطنا كفلسطينيين من واقعنا السياسي، واستمرار زمن الانقسام، بل وتكريسه نحو عشرين عاماً، يعود العلم رغم أنف السياسيين، وينتشر مثل الحلوى في يد الجمهور، ينتشر كصراخ، كصيحات، كضحكات، لقد شعرت بحاجة إلى البكاء في لحظة ما، وبأن جلدي يرجف من دهشة الموقف، وكأن هذا التصرف التلقائي من الجماهير هناك، يرسل لنا رسالة طمأنة على مستقبل فلسطين. شعرت بأن فلسطين لا تتآكل خارطتها مع الزمن، ومع تبلد الحواس وإحباطات الحالة النفسية، التي تصاحب الحالة السياسية".

ويكمل أبو عادل: "لقد بكيت في تلك اللحظة، لأنني تذكرت لحظة قاسية حدثت خلال الانتفاضة الأولى، وتحديداً في عام 1989، إذ أقدم الاحتلال على منع العلم الفلسطيني من أي مكان، حتى من منازلنا، كان العلم الفلسطيني وكأنه شيء مشبوه أو سلاح، تداهم قوات الاحتلال المنازل ليلاً وفي أي وقت، للبحث عن ألوان العلم، حتى الدمى والملابس التي كانت تحمل ألوان علم فلسطين، كان يعتقل صاحبها ومُقتنيها، ولو كان طفلاً، لقد جاء زمن، كنا فيه نخبئ العلم في أرغفة الخبز، لننقله ونرفعه خلال المواجهات مع الاحتلال، في لحظة كان علم فلسطين تهمة يحاسب عليها قانون ساكسونيا، ويأتي زمن آخر، يتحول العلم الفلسطيني أيقونة لأعظم تجمع إنساني في الكوكب، ألا يستحق هذا البكاء من شدة البهجة؟".

العلم الفلسطيني له صوت... هذا الصوت هو صوت الحرية

تقول المعلمة الفلسطينية رشا داوود، 43 عاماً، لرصيف22: "من الجميل أن يرى أطفالنا وطلابنا العلم الفلسطيني في مدرجات كأس العالم في قطر، هذا يدعو للفخر والعزة، فهذا الجيل من الأطفال، نشأ في أجواء سياسية مظلمة، ولم ينل لحظة حميمية مع العلم الفلسطيني من قبل".

وتكمل: "لقد لاحظت أن الطالبات يتناقشن وجود العلم الفلسطيني، وهيمنته على الأجواء في المونديال العالمي، وهو ما دفعني لتخصيص حصة كاملة للحديث عن العلم الفلسطيني، ومشاعرنا تجاهه، ومكانته في قلوبنا كفلسطينيين، وأبدى الأطفال مشاعر نبيلة تجاه ذلك، فمن الطالبات، من قالت: (تمنيت في لحظة لو كنت أنا العلم، لقد شعرت كم كان سعيداً بهذه النجومية)، وقالت أخرى: (في لحظة شعرت أن العلم له صوت، أعلى من أصوات جميع الحضور في الملعب، لقد كان هذا الصوت هو صوت الحرية). لقد أحسست من خلال حواري مع الطالبات، بأننا في لحظة فارقة، فهذا الجيل يحمل علم البلاد في عمق مشاعره، ويعي قيمة هويته جيداً، إنها لحظة تكاد لا تصدق، حين يعود حلم فلسطين محمولاً بين الجماهير العربية والغربية، ودوماً الجماهير تحمل للعالم اللّا متوقع".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

0:00 -0:00
Website by WhiteBeard