شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!
ما بين فرحة الفلسطينية ويسرى مارديني السورية… هناك قصص لم يروها أحد بعد

ما بين فرحة الفلسطينية ويسرى مارديني السورية… هناك قصص لم يروها أحد بعد

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثمة حالة مشتركة بين القصص التي يتم تناولها في السينما الفلسطينية وبين السينما السورية (تحديداً بعد الثورة)، هذه الحالة لها علاقة بتثبيت الرواية، رداً على روايات من الطرف المضاد، ولا شك في أن هذا الرد الدائم الذي كان سمة في صناعة الفيلم الفلسطيني أخذ أبعاده المؤثرة مؤخراً، تحديداً بعد ظهور السينما المستقلة التي تحررت من أي تبعية لأي جهة سياسية، وبالتالي، باتت القصة الفلسطينية في الفيلم، والتي عادة تحمل اسم الكاتب والمخرج معاً، متجهة إلى العالمية في خطابها، وكأنها أدركت قدرة السينما على التأثير، وهذا من شأنه فتح المجال لأي صانع/ ة عمل ينتمي إلى الشعوب المقهورة وأملهم في إيصال صوتهم إلى العالم عبر الأفلام.

كما كان للسينما السورية المعارضة للنظام السوري (وغير المحسوبة على التيارات المعارضة السياسية أيضاً) حضورها، أمام محاولات دؤوبة من قبل النظام في دعم مخرجين مناصرين له، والذي يميز السينما السورية المعارضة، في أنها لا تخفي الحقائق وتشير إلى المتسبب بكل الدمار بشكل مباشر، سواء بتوجيه التهم إلى النظام أو الجماعات الإسلامية، وهذا ما لا تراه في السينما المدعومة من النظام، والتي لا يمكن أن توجه ولو بتلميح بسيط عن دور الرئاسة في كل هذا الدمار، لذلك تفرض المصداقية نفسها، وعبثاً هي المحاولات التي تفصل الفن عن السياسة في مثل هذه القضايا، فعبارة "مستوحى من قصة حقيقية" ليست جملة تمر مرور الكرام، بل هي المؤشر الواضح أنه لا وجود للخيال في مثل هذه الحالة، لأنه يعد ببساطة ترفاً، ويتحمل المخرج وكاتب العمل نتيجة أي لغط في تقديم غير الحقيقة، إذ حدثت مواقف عديدة سابقة وحملات ضد مخرجين تحديداً في السينما التي تناولت قصصاً فلسطينية كُتبت عليها هذه العبارة، وأثناء المواجهة، شرعوا في الحديث عن خيال الكاتب كنوع من النجاة.

ثمة حالة مشتركة بين فيلم "فرحة" وفيلم "السباحتان" ، فكلاهما تمّ بناؤهما على قصة حقيقية، وكلاهما تحدثا عن الحلم من خلال فتاة، وناقشا سؤال كيف من الممكن أن يتبدد هذا الحلم في لحظة

لكن ما يميز القصة السورية أحياناً، أنها باتت مغرية ليتم إنتاجها من جهات عالمية، أو من مخرجين ليسوا سوريين، خاصة بعد موجة اللجوء براً وبحراً وجواً، وهذا نجده بشكل ضئيل في القصص الفلسطينية في الوقت الحالي، بالرغم من أنها كانت حاضرة في أذهان مخرجين عرب وأجانب، قدموا أجمل الأفلام الروائية والوثائقية؛ مثل المخرج يسري نصر الله مع فيلمه "باب الشمس" للكاتب إلياس خوري، وفيلم "المخدوعون" للمخرج توفيق صالح الذي اقتبسها من رواية "رجال في الشمس" للراحل الكاتب غسان كنفاني، و"أرض السلام" للمخرج الراحل كمال الشيخ، وأفلام عدة للمخرج الفرنسي الراحل جان لوك غودار مثل فيلم "موسيقانا"، وبات هذا الحضور يتضاءل في الوقت الحالي، مع محاولات بسيطة، إذ يُعرض على شبكة نتفليكس حالياً نموذج عن تناول القصة خارج موطنها، تتمثل في الفيلم الأردني "فرحة" للمخرجة دارين سلام، والفيلم الأمريكي "السباحتان" للمخرجة سالي الحسيني، وكلا الفيلمين تعرضا لهجوم من قبل دعاة أصحاب الرواية الحقيقية، والفرق هو أن الهجوم على فيلم "فرحة" جاء بأدوات صهيونية تمثلت بأعضاء الكنيست، بالإضافة إلى حملات على السوشال ميديا وصلت إلى حد إلغاء إسرائيليين اشتراكهم في منصة نتفليكس.

وفي المقابل، جاء الهجوم على فيلم "السباحتان" من جهات تنتمي إلى النظام الحاكم، وجهات معارضة أيضاً له؛ فموضوع القذيفة والقصف في حال ذكره ضمن أي فيلم يتناول الحالة السورية، يصبح محلاً للشك، لذلك، تنقسم الأصوات، وتتبدد الآمال في إنصاف ما حدث في سوريا عن طريق فيلم يُعرض على منصة هي الأعلى من ناحية الاشتراكات في العالم، وهذا أيضاً يحدث في السينما الفلسطينية، أو السينما التي تتناول القصة الفلسطينية عبر أفلام في حال وصولها للعالمية، ولم تكن على قدر الآمال، وهو شعور يُحترم لارتباطه بحالة اليأس التي تتعلق بقشة من قبل شعوب تعيش الظلم، لذلك، كان الاحتفاء كبيراً بفيلم فرحة، مع حملات عديدة فرضت نفسها، وقطعت الطريق على الحملات الصهيونية التي تطالب بإزالة الفيلم من شبكة نتفليكس، هذه الحالة الجمعية، ساهمت بدورها في دعم الفيلم حتى في المواقع التي تقيّم الأعمال، مثل موقع IMBD وغيره، وهذا من شأنه المساهمة في ازدياد عدد المشاهدين، حتى وصل الفيلم إلى الـ"توب تن" على منصة نيتفليكس.

 ما يميز القصة السورية أحياناً، أنها باتت مغرية ليتم إنتاجها من جهات عالمية، أو من مخرجين ليسوا سوريين، خاصة بعد موجة اللجوء براً وبحراً وجواً، وهذا نجده بشكل ضئيل في القصص الفلسطينية في الوقت الحالي

ثمة حالة مشتركة بين فيلم "فرحة" وفيلم "السباحتان" ، فكلاهما تمّ بناؤهما على قصة حقيقية، وكلاهما تحدثا عن الحلم من خلال فتاة، وناقشا سؤال كيف من الممكن أن يتبدد هذا الحلم في لحظة.

في فيلم "فرحة" الذي يتناول قصة حقيقية تعود إلى نكبة العام 1948، وهو الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرجة دارين سلام، وهي كاتبة الفيلم أيضاً، من السهل الدخول منذ اللحظة الأولى إلى عوالم القرية، وماذا كانت تعني، شكلها، أزيائها، تفاصيل يومياتها، العلاقات المجتمعية، وتحديداً تجاه من يصل من المدينة إليها، وهنا يتم التعرف على فرحة، التي تحلم بالانتقال إلى المدنية لتكمل تعليمها، برفقة صديقتها التي سبقتها هناك، وتتعلق بهذه الطفلة التي أدت دورها كرام طاهر. كل شيء فيها يؤكد على موهبتها وهي تقف أمام أسماء لها تاريخها في التمثيل، مثل الممثل علي سليمان وأشرف برهومة وغيرهم من الذين مرّوا في الفيلم كضيوف شرف، فكل القصة ستنتقل بعد سماع أول انفجار، لتتفرق الصديقتان، ويتحول عالم فرحة التي ستصبح فجأة مسجونة في غرفة المؤن خوفاً عليها، مع وعد أبيها أنه سيعود، هنا ينتقل الفيلم كلياً من العام إلى الخاص، وتصبح حكاية نكبة بأكملها بين يدي طفلة عمرها 13 عاماً، تجلس وحيدة في غرفة مؤن تحتوي على المخللات والأجبان والأرز، والهدوء الكامل يحيطها، حيث استطاعت سلامة أن تدير بذكاء مشاعر هذه الطفلة وردود أفعالها، بشكل دقيق دون تحميلها أي عبء إضافي، حتى في لحظات خاصة بكل فتاة، والتي تتمثل بالتبول أو بموعد الحيض، لتنتقل أحداث الفيلم إلى مكان واحد شديد الضيق، وهو من أصعب المشاهد التي تمنح المخرج ميزة في الصناعة، وقد أتقنتها سلامة بحرفية، ونقلت هذا الضيق إلى المشاهدين لكي يعيشوا التجربة حتى لو من خلال شاشة.

نافذة فرحة عبارة عن شق صغير في الباب، تتعلق عبره بطوق نجاة ربما يأتي وينتشلها، لكن الواقع، ذلك الشق يصبح نافذة لها لتكون شاهدة على أبشع مرحلة في حياتها ظلت في ذاكرتها وروتها كي تصبح فيلماً حالياً، لن يتم الكشف عن تفاصيل الفيلم، لإعطاء فرصة للمشاهدين بمشاهدة فرحة التي لا يمت اسمها بصلة مع الواقع، حينها، ستبدأ الهجمة الصهيونية على الفيلم في محاولته في إزالته. فيلم فرحة من الممكن أن يكون بسيطاً في صناعته، لكن قوته تكمن في أحداثه المبنية على قصة حقيقية.

في المقابل، في فيلم "السباحتان" للمخرجة البريطانية من أصل مصري سالي الحسيني، والذي تظهر فيه أسماء لممثلين عرب، مثل كندة علوش وعلي سليمان ومنال عيسى وأحمد مالك ونتاليا عيسى، والممثل الألماني ماتياس شفيغوفر، والممثل البريطاني جايمس فلويد، مع ضيفة الشرف المطربة لينا شماميان، وهو مبني على قصة حقيقية حول الشقيقتان سارة ويسرى مارديني، اللواتي غادرن دمشق عام 2015 عبر زوارق الموت، ويتم التركيز في الفيلم على يسرى الشقيقة الأصغر، والتي كانت تحلم بالمشاركة بالأولميبات ممثلة لبلادها سورية، وتدربت كثيراً من خلال والدها السباح الأسبق.

في بداية الفيلم حتى الثلث تقريبا نتعرف على عائلة مارديني التي تنحدر من طبقة متوسطة، وهو تفصيل مهم أن يذكر، لإبعاد سِمة معينة عن الهاربين من الموت والتواقين للحرية في طبقة محددة، وتعيش الشقيقات حياة مليئة بالصخب، وبدعم غير محدود من العائلة، لكن ثمة غضب واضح على وجه الشقيقة الكبرى سارة، المتهمة بعدم المبالاة دائماً، حتى إنها ابتعدت عن السباحة، هي تتابع الثورة السورية منذ بدئها، وتعبر عن ذلك بالهرب من كل شيء، حتى وصلت إلى قرار إقناع والديها بضرورة الخلاص هي وشقيقتها عن طريق قصد أوروبا وتحديداً برلين،. لإكمال مسيرتهن، وتحقيق يسرى لحلمها.

تنتصر سارة في هدفها وترحل هي وشقيقتها وابن عمهما، عن طريق تركيا ثم اليونان حتى يصلون إلى برلين، ولأنهما تجيدان السباحة، فعملياً، تكونان السبب في عدم غرق زورق كان على متنه العدد الفائض من المهاجرين من كل صوب، زورق نجد فيه الأفغاني، والسوداني والإريتري والسوري في مصير واحد.

تنتصر سارة في هدفها وترحل هي وشقيقتها وابن عمهما، عن طريق تركيا ثم اليونان حتى يصلون إلى برلين، ولأنهما تجيدان السباحة، فعملياً، تكونان السبب في عدم غرق زورق كان على متنه العدد الفائض من المهاجرين من كل صوب

فيلم لا يحتاج إلى تأويل وتشكيك، فهو ينتقل عبر كلمات ومشاعر طفلة، لا تفهم السياسة، ولا تهمها، فهي لا تريد أكثر من المشاركة في الأولمبياد، وعندما اقتربت من هدفها، انتمت إلى فريق اللاجئين، وهنا تزعزع جزء من حلمها لأنها أيقنت حتّى مع رفضها للقب لاجئة طوال الوقت، أنها باتت تنتمي إليهم وهم من يستحقون أن تدخل تحديات من أجلهم، وهذا ما حاولت شقيقتها سارة طوال الفيلم إيضاحه لها ونجحت مرة أخرى.

"السباحتان" قوي بقصته التي من الممكن أن تخلق الجدل، وقد خلقته فعلاً بين مؤيد ومعارض، وقوي أيضاً بفريق التمثيل فيه، منال عيسى تثبت دائما قدرتها على التنوع في الأدوار، مصطحبة هذه المرة شقيقتها نتالي، التي ستتعلم منها الكثير، مع حضور متوازن لكندة علوش وعلي سليمان وأحمد مالك الذين يعتبرون من الممثلين القادرين على ترك أثرهم حتى لو من خلال مشاهد عابرة وقليلة.

مثل هذه النوعية من الأفلام (فرحة، السباحتان) والتي تنتشر عالمياً، يكون تأثيرها قوياً على المتلقين، وما تم ترسيخه لديهم من قناعات، نعم، فيلم واحد قد يغيّر الكثير، تحديداً إذا بدأ مع جملة "مبني على قصة حقيقية".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

ثورتنا على الموروث القديم

الإعلام التقليديّ محكومٌ بالعادات الرثّة والأعراف الاجتماعيّة القامعة للحريّات، لكنّ اطمئنّ/ ي، فنحن في رصيف22 نقف مع كلّ إنسانٍ حتى يتمتع بحقوقه كاملةً.

Website by WhiteBeard