شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!
بين محمد أبو الغيط ويحيى حقي: زرتم المقابر؟

بين محمد أبو الغيط ويحيى حقي: زرتم المقابر؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي نحن والحقوق الأساسية

الجمعة 9 ديسمبر 202210:30 ص

الصورة القادمة من لندن، نقلت مشهد باقات ورود بيضاء، استقرت فوق قبر تم إنشاؤه للتو. الطمي الأسود الذي أخرجته الأرض لم يختلط بعد مجدداً بالعشب الأخضر من حوله. ارتفعت التربة السمراء مثل تل بالغ الصغر. نعلم أن تحتها قد استراح أخيراً محمد أبو الغيط، على بعد ساعتين من قلب لندن، وخمسة آلاف كيلومتر من القاهرة. 34 عاماً عاصفاً انتهت الآن، وآخرها كانت تجربةً مثل أتون لهب أنضج الصحافي الرائع، فحوّله إلى أديب بارع. بين شعور الحزن والتعزّي بالاستراحة النهائية، ينقسم دائماً شعور المحيطين بمحاربي السرطان، لكن صورة القبر البعيد، الجميل بالرغم من ذلك، والآمن في منفاه، أثارت شجوناً غير معتادة.

في اليوم نفسه، الخامس من كانون الأول/ ديسمبر، وجهت نهى حقي، مناشدتها الأخيرة، عبر حديث صحافي طالبت فيه بعدم نقل مقبرة والدها، الأديب المصري الكبير يحيى حقي، من أجل توسعة "مزارات آل البيت"، وإن كان لا بد من نقلها -تقول نهى حقي- فليكن البديل في المنطقة نفسها، منطقة مقام السيدة نفيسة، التي أحبها رائد القصة المصرية القصيرة وأوصى بأن يُدفن بجوارها، والتي لطالما ظهرت -المنطقة ومعالمها- في أعماله الأدبية، وأبرزها "قنديل أم هاشم".

نعلم أن تحتها قد استراح أخيراً محمد أبو الغيط، على بعد ساعتين من قلب لندن، وخمسة آلاف كيلومتر من القاهرة. 34 عاماً عاصفاً انتهت الآن، وآخرها كانت تجربةً مثل أتون لهب أنضج الصحافي الرائع، فحوّله إلى أديب بارع

إذا كان يحيى حقي، هو من هو، فإن ابنته نهى هي كذلك ليست "لا أحد". إن لها اعتبارها وقيمتها المستقلة، كاتبةً وأديبةً وإعلاميةً و"سيناريست"، ومن الأعمال التي كتبت قصتها المسلسل العربي الشهير "اللقاء الثاني". في اللقاء الصحافي نفسه، تستنكر الابنة اقتراحاً من المسؤولين بنقل مقبرة والدها إلى المقابر البعيدة في منطقة العاشر من رمضان، التابعة لمحافظة الشرقية. تعلن نهى بحزم أن هذا الاقتراح "مستحيل".

إذا بدأ الحديث عن علاقة الأدباء المصريين بالمقابر، فلن ينتهي.

لكن "المستحيل"، يتحقق بعد يومين فحسب، إذ تعلن نهى حقي في منشور حزين على موقع فيسبوك: "سيتم هدم المقبرة ونقلها إلى العاشر من رمضان". وتعتذر لوالدها: "آسفة يا صاحب القنديل وعزائي أنك عند بارئك في رحمة الله وفي جنة الفردوس... أما الجسد فما هو إلا ثوب يخلعه الإنسان عند الموت". توجه الابنة الشكر إلى "جميع من قال كلمةً في حق مقبرة والدي وحاول المساعدة"، وتقول إن "السيرة الطيبة لن تُهدم"، وتنهي منشورها الذي جاء قبل يومين من الذكرى الثلاثين لصاحب المقبرة، قائلةً: "أسدل الستار بكلمة النهاية وسكت الكلام".

لكن "المستحيل"، يتحقق بعد يومين فحسب، إذ تعلن نهى حقي في منشور حزين على موقع فيسبوك: "سيتم هدم المقبرة ونقلها إلى العاشر من رمضان". وتعتذر لوالدها: "آسفة يا صاحب القنديل..."

لم يتمكن صاحب "البوسطجي"، من تفادي المصير الذي "نجا" منه طه حسين. قبل ثلاثة أشهر، أثير الأمر نفسه بخصوص مقبرة عميد الأدب العربي، بعد أن فوجئت أسرته بوضع علامة "الإزالة" على مقبرته في منطقة "التونسي" في القاهرة. بعد أخذ ورد، وإعلان الأسرة أنها قد تأخذ رفات عميدها إلى خارج مصر، أصدرت سلطات محافظة القاهرة بياناً أعلنت فيه "عدم صحة ما يتم تداوله عبر المواقع الإخبارية وصفحات السوشيال ميديا بشأن إزالة مقبرة عميد الأدب العربي د. طه حسين ضمن أعمال التطوير التي تجرى في المنطقة، وأن ما يتم تداوله بهذا الشأن عارٍ تماماً من الصحة". وكما ظهرت كلمة "إزالة" وعلامة "X" على مقبرة صاحب "الأيام"، كذلك تم طمسهما، وبقيت المقبرة في مكانها.

حكاية تمتد إلى آلاف السنين، وسؤال بعمر الأهرامات وحيرتها الأبدية: هل هي مجرد مقابر أم علامات خلود تتحدى الزمن؟

إذا بدأ الحديث عن علاقة الأدباء المصريين بالمقابر، فلن ينتهي. كانت "مقابر الشافعي" هي المكان المفضل للأديب الكبير الراحل خيري شلبي، للانفراد بنفسه وكتابه أعماله. إنها المقابر نفسها التي يشمل بعضها المزيد من قصص الإزالة. علاقة الأدباء المصريين بالمقابر جزء من علاقة المصريين الخاصة بها. إن "مدينة الموتى" أو "القرافة الكبرى"، ليست مجرد شاهد على تاريخ القاهرة الإسلامي، وحكايات سلاطينها وفرسانها وأوليائها، إنها أيضاً محل سكن كثيرين من أهلها، الأحياء يجاورون الأموات في انسجام قلّ وجوده في أي مكان آخر. حكاية تمتد إلى آلاف السنين، وسؤال بعمر الأهرامات وحيرتها الأبدية: هل هي مجرد مقابر أم علامات خلود تتحدى الزمن؟

لكن إزاء إجراءات "التطوير" وأصوات المحركات والجرافات والإنشاءات التي تشرخ مشهد الصمت والسكون الأزلي، ينقل البعض قبور عائلاتهم في صمت ويحتجّ آخرون ويقلق غيرهم. هكذا حين كتب البعض يتحسر، على دفن محمد أبو الغيط في منفاه اللندني، متمنياً لو أنه دُفن في بلاده، لم يستطع آخرون منع أنفسهم من التعليق: لكنه هناك، على الأقل، في قبر آمن.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

بالوصول إلى الذين لا يتفقون/ ن معنا، تكمن قوّتنا الفعليّة

مبدأ التحرر من الأفكار التقليدية، يرتكز على إشراك الجميع في عملية صنع التغيير. وما من طريقةٍ أفضل لنشر هذه القيم غير أن نُظهر للناس كيف بإمكان الاحترام والتسامح والحرية والانفتاح، تحسين حياتهم/ نّ.

من هنا ينبثق رصيف22، من منبع المهمّات الصعبة وعدم المساومة على قيمنا.

Website by WhiteBeard