شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
مفيد فوزي... رحيل المحاور الذي هدم مبادئ الحوار

مفيد فوزي... رحيل المحاور الذي هدم مبادئ الحوار

حياة نحن والحقوق الأساسية

الأحد 4 ديسمبر 202205:01 م

في اليوم الذي أعلنت فيه وفاة الصحافي السابق مفيد فوزي (1933- 2022) كان فضاء الإنترنت المصري يحتفي بصحافي آخر، يبلغ عمره ما يزيد قليلاً على ثلث عمر الصحافي الشهير الراحل، وبينما التفتت بضع صفحات ساخرة إلى تذكر لقطات يعنونها الحرج للمذيع التلفزيوني الراحل، كان تذكر المآثر الصحافية والمقالات المهمة والتحقيقات المؤثرة من نصيب الصحافي والطبيب المصري الشاب محمد أبو الغيط، تحفه الدعوات له بالشفاء والتمنيات بالصحة والعافية والإفاقة من الغيبوبة التي يجاربها جسد الشاب الآن في إحدى مستشفيات لندن.

توفي مفيد فوزي في ساعة مبكرة من صباح اليوم الأحد 4 ديسمبر/ كانون الثاني، وفيما اهتم الإعلام الرسمي بوفاته ونقل جنازته، كانت ردود الفعل الشعبية التي تنقلها عادة وسائل التواصل الاجتماعي منقسمة بين التجاهل والسخرية ونسبة قليلة من الترحم والمطالبة بـ"ذكر المحاسن".

يعرف مواليد حقبتي الثمانينيات والتسعينيات بالذات مفيد فوزي جيداً، وكانت عبارته الشهيرة التي طالما رددها عبر برنامجه الذي كان يعرض في طفولتهم الواعية "حديث المدينة" مثار استدعاء واستخدام متكرر في سياقات معظمها ساخر، وهي عبارة "اسمحلي اسألك"، التي كان يبادر الصحافي الراحل بعدها غالباً إلى مهاجمة ضيفه، إن لم يكن من أصحاب المناصب الرسمية والمواقع الوزارية أو الثروات المليارية.

في اليوم الذي أعلنت فيه وفاة الصحافي السابق مفيد فوزي (1933- 2022)، كان فضاء الإنترنت المصري يحتفي بصحافي آخر، يبلغ عمره ما يزيد قليلاً على ثلث عمر الصحافي الشهير الراحل، وبينما التفتت بضع صفحات ساخرة إلى تذكر لقطات يعنونها الحرج للمذيع الراحل، كان تذكر المآثر الصحافية من نصيب الصحافي الشاب محمد أبو الغيط

مفيد فوزي هو واحد من الصحافيين الذين ضلوا طريقهم إلى التلفزيون، وعلى الرغم من الحفاوة والألقاب التي نالها في حياته أو حتى بعد مماته، إلا أن المحاور الأشهر في مصر ارتكب العديد من المخالفات المهنية التي تهدم أسس فن الحوار الصحافي، الذي كان يحلو له دوماً أن يقدم نفسه باعتباره واحداً من أساتذته، ومن بين مخالفاته العديدة، يأتي انتهاك السرية بينه وبين مصادره، وكذلك انتهاك خصوصية ضيوفه، إلا أن المخالفة الأكبر كانت في استخدامه فن الحوار لا لغرض استجلاء الحقائق، وإنما لتجميل وجه بعض ذوي النفوذ أو الثروة او الحظوة.

أساسيات لا بُد منها

كان من حظ فوزي الميلاد في عصر تقدير الصحافة، فولد في محافظة بني سويف عام 1933، وبحسب تصريحاته فإن والدته - ربة المنزل- هي من شجعته على أن يكون صحافياً، ليرحل إلى القاهرة بعد إتمام دراسته الثانوية، ويلتحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة.

الحظ كان مع فوزي كريماً للنهاية، فقابل في المرحلة الجامعية الصحافي والشاعر كامل الشناوي، المعروف بدعمه للمواهب الشابة، ومن خلاله تعرف على الكثيرين من أقطاب الثقافة والصحافة، أبرزهم الشاعر ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين، الذي قدمه بدوره إلى المسؤولين في "روز اليوسف" ليبدأ منها مشواره الصحفي في فترة الستينيات، التي شهدت ميلاد وصعود نجم التلفزيون، لينسج مفيد بعلاقاته خيطاً مكنه من أن يصبح واحداً من المعدين الأساسيين للبرامج التلفزيونية والإذاعية التي ينتجها قطاع الإداعة والتلفزيون المصري، قبل أن يصدر قرار بظهوره مقدماً للبرامج التي يعدها.

ورغم هذا الكرم الشديد من الحظ لفوزي، إلا أنه تخلى عنه نسبياً في التسعينيات، مع ميلاد وعي وجمهور جديد جعل من السخرية منه ومن طريقته في معاملة ضيوفه مادة خصبة للضحك على يد المنولوجست الشهير محمود عزب، ولكن الأزمة تجاوزت الأداء المبالغ فيه إلى أخطاء مهنية لا تغتفر.

على الرغم من الحفاوة والألقاب التي نالها في حياته أو حتى بعد مماته، إلا أن المحاور الأشهر في مصر ارتكب العديد من المخالفات المهنية التي تهدم أسس فن الحوار الصحافي، الذي كان يحلو له دوماً أن يقدم نفسه باعتباره واحداً من أساتذته

سعاد وحليم

في مسلسل السندريلا عن قصة حياة النجمة الراحلة سعاد حسني، جاء على لسان شخصيتها أنها تزوجت من الفنان عبد الحليم حافظ، وكان الشاهد على عقد الزواج العرفي الفنان الراحل يوسف وهبي، وعلى لسان سعاد أيضا قالت الشخصية إن يوسف وهبي حتى وفاته لم ينطق بحرف حول هذه الواقعة.

وعلى العكس من وهبي، استغل مفيد فوزي الكثير من المعلومات التي عرفها بحكم علاقته كصحافي بالعندليب الأسمر، تطورت بعد ذلك لتصبح علاقة صداقة، وخلال السنوات العشرة الماضية التي تلت خروج فوزي من التليفزيون المصري، استغل التفاصيل التي عرفها بحكم هذه العلاقة ليعاود الظهور على الشاشات مراراً.

وبعد وفاة عبد الحليم، قدم فوزي برنامج "صديقي الموعود بالعذاب دائماً" عن حياة عبد الحليم في ذكراه، وهو البرنامج الذي تحول إلى كتاب من مؤلفات فوزي، ورغم هذه الصداقة إلا أن مفيد فوزي لم يتورع عن وصف عبد الحليم بالخبيث في لقائه مع لطفي لبيب حيث قال له "يبان من عينيك إنك خبيث زي عبد الحليم".

لم يكن كشفه لسر اؤتمن عليه بصفته الشخصية من صديقين، ليستغله بصفته الإعلامية، جريمة وحيدة خارجة عن السياق، بل كان منهجاً متكرراً في انتهاك الخصوصية وعدم الاعتداد بها، فالمحاور الأشهر قدم الكثير من البرامج، كان منها حلقات تليفزيونية منفصلة مع نجوم المجتمع حينها من إخراج جميل المغازي، وهي الحلقات التي ضمت العديد من المواقف التي انتهك فيها فوزي خصوصية ضيوفه، وعلى رأسها حلقة الفنان أحمد زكي الذي غضب بشدة منه حين حاول التدخل في تفاصيل علاقته مع طليقته الفنانة الراحلة هالة فؤاد، رغم رفض زكي الواضح لذلك.

رغم هذا الكرم الشديد من الحظ لفوزي، إلا أنه تخلى عنه نسبياً في التسعينيات، مع ميلاد وعي وجمهور جديد جعل من السخرية منه ومن طريقته في معاملة ضيوفه مادة خصبة للضحك على يد المنولوجيست الشهير محمود عزب، ولكن الأزمة تجاوزت الأداء المبالغ فيه إلى أخطاء مهنية لا تغتفر

في حواره مع الفنان عمرو دياب، حاول مفيد فوزي إحراجه بإجباره بالحديث عن زملائه في الوسط الفني، واتهمه بالتنصل منهم، وزادت الأزمة حين ضغط على دياب للحديث عن طليقته شيرين رضا، وهو ما رفضه دياب، فيما رفض مفيد فوزي منحه فرصة لرفض الإجابة أو التهرب منها، بينما منح تلك الفرصة مراراً بمنتهى الترحاب لوزير الداخلية المصري الأسبق حبيب العادلي.

"دي دولة مش إليسا"

بحسب كتاب "ليلة سقوط الرئيس... يوميات التحرير" للكاتب سامي كمال الدين، جلس مفيد فوزي أمام الكاميرا مع وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، فيما كان الشارع يغلي بالغضب ويمور بالدعوات إلى المشاركة في تظاهرة محدودة للاحتجاج على تعذيب الشرطة للمواطنين يوم 25 يناير 2011.

في جلسته مع العادلي كان مفيد أليفاً مطأطئ الرأس قليلاً، متأدباً متردداً في طرح الأسئلة؛ بشكل معاكس تماماً لاستئساده الطاووسي إن كان متلقي أسئلته فناناً أو مواطناً

في جلسته مع الوزير كان مفيد أليفاً مطأطئ الرأس قليلاً، متأدباً متردداً في طرح الأسئلة؛ بشكل معاكس تماماً لاستئساده الطاووسي إن كان متلقي أسئلته فناناً أو مواطناً.

كان مفيد يعلم مهمته، يؤمن بها ويعتنقها لا ينكرها، كما جاء في أحاديثه الإعلامية لاحقاً، كانت مهمته "إظهار الصورة البطولية للشرطة وقوات الأمن" في مواجهة "الدعوات الخبيثة" التي يمور بها الشارع، وفي مواجهة التقارير المحلية والدولية التي لا تنقطع حول فساد الشرطة وقتها، وانعدام الثقة التام في أجهزة الأمن حد اتهامها بتدبير حادث تفجير كنيسة القديسين بالأسكندرية.

في لقائه التلفزيوني مع الإعلامية ريهام سعيد على قناة النهار المصرية، سُئل فوزي: "هل كان مكتب حبيب العادلي يقرر الأسئلة التي تسألها في اللقاء؟"، فنفي فوزي ذلك مدافعاً بقوة عن كرامته كصحافي يعد أسئلته بنفسه، إلا أنه عاد وأكد معتزاً أنه كان يجلس قبل كل لقاء مع العادلي ليسأله ما هي الممنوعات؟ وبرر ذلك بأن الوزير سيتحدث عن سياسة بلد لا يمكن تركها للسقوط، معلقاً لتلميذته ريهام سعيد: "دي دولة... أنا مش مستضيف إليسا!"، نشكره فعلاً على هذه العبارة التلخيصية الكاشفة.

حاز فوزي العديد من الفرص التي لم تتح لغيره من الإعلاميين، قد يكون أهمها عدم وجود منافسين على الساحة بحكم التليفزيون الواحد، والقنوات المحدودة، لكنه لم يقدم خلالها إعلاماً حقيقياً، بل استغل كل فرصة ليحول التلفزيون الممول بأموال الناس إلى فرصة لتلميع من يعتدون على حيواتهم وأجسادهم وحقوقهم

وبحسب فوزي فإن العادلي حدد له عدة ممنوعات، منها السؤال حول التجسس على الهواتف، والثاني عن أعداد المعتقلين، وبرر المنع في الأولي بأن الداخلية كانت تتبع تجار المخدرات و"الإرهابيين"عن طريقها، والثاني بتذبذب أعداد المعتقلين بصورة مستمرة.

ودافع فوزي في عدة لقاءات بعدها عن حبيب العادلي، قائلاً أنه أفضل وزير داخلية، وأنه تمنى أن يحصل على البراءة، كما تمني أن يخرج من السجن لمدة 3 أيام فقط ليقضي على الإخوان، وذلك رغم إدانة العادلي في العديد من الجرائم.

 حاز فوزي العديد من الفرص التي لم تتح لغيره من الإعلاميين، قد يكون أهمها عدم وجود منافسين على الساحة بحكم التليفزيون الواحد، والقنوات المحدودة، لكنه أهدر هذه الفرص في استعراض تمثيلي أصبح فرصة للضحك على مواقع التواصل الاجتماعي بعد انفعال النجوم عليه، إما بسبب أسئلته المزعجة أو أدائه المبالغ فيه، ولم يقدم خلالها إعلاماً حقيقياً يحاصر فيها المسؤولين ويحاسبهم، بل استغل كل فرصة ليحول التلفزيون الممول بأموال الناس إلى فرصة لتلميع من يعتدون على حيواتهم وأجسادهم وحقوقهم.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard