شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
رسائل الأطفال... غضب وحبّ وقُبلات

رسائل الأطفال... غضب وحبّ وقُبلات

ثقافة

الأحد 4 ديسمبر 202211:39 ص

تندرج هذه المادة ضمن ملف الرسائل (أمّا بعد)، في قسم ثقافة، رصيف22.


قلمٌ صغير وورقة بيضاء ومشاعر غاضبة. كانت هذه كلّ أدواتي التي تسلحت بها وأنا أخط أول رسالة في حياتي. طفلة كنت لم تتخطّ الثامنة بعد. لا أمتلك من الكلمات ما أستطيع أن أعبر به عما يشتعل في صدري من غضب. لكنني قررت أن أكتب خطاباً لخالتي البعيدة أحكي فيه عن والدي الذي لم أعد أطيق وجوده وأصبحت أتمنى موته، علّني بغيابه تطيب لي الحياة.

كلمات مرتبكة ومشاعر لم أدرك لها سبباً سوى غضب أبي الدائم وصمت أمي القاتل ورفضي لكلّ من حولي حينها. أنهيت رسالتي الملغمة بالكراهية، لكنني لم أعرف كيف أرسلها، فخبأتها أسفل فراشي ونسيتها. لكن القدر أصر أن تصل؛ لكن ليس للمرسل إليه، ولكن للمكتوب عنه. فقد وقعت الرسالة في يد والدي الذي توقعت أن يتضاعف غضبه، وربما يتطور الأمر لضربي. لكنه عجباً لم يفعل شيئاً سوى أن ابتسم وقال بألم: "عايزاني أموت"، وانصرف حزيناً.

حينها أدركت كم آلمته كلماتٌ سكبتها في حضن ورقة بيضاء ولم أعد أذكرها، فكرهت نفسي انتقاماً له.

ظلّت تلك الواقعة عالقة بذهني كلما فكرت في كتابة خطاب لإحدي رفيقاتي. لكنني استطعت تجاوزها مع الوقت، وصادقت الخطابات لفترة، فصرت أكتب لقريباتي ورفيقاتي اللواتي يسكنّ في مدن بعيدة، أحكي عن حبّ عابر أو نظرة إعجاب من صديق أخي؛ أتحدث عن أحلام يراها كلّ من حولي بعيدة، ووحدي ألمسها بقلبي؛ أكتب عن غضبي لسفر صديقي، واكتشافي غيرةَ زميلتي في الدراسة مني. أكتب وأكتب وأكتب لكن مع كل رسالة كان يصلني ردّ على رسائلي، كنت أسارع بحرق الرسالة بعد قراءة الردّ فيها، خوفاً من أن تقع صدفة في يد أحد كما وقعت رسالتي الأولى في يد والدي.

في تلك الفترة لم أجد من يحمل عني مشاعر أرهقتني؛ فقد كان من الصعب أن أحكي لأمي عمّا ينهش قلبي، لأنني كنت أعرف أنها ستتألّم، فاكتفيت بالكتابة، وقررت أن أرسل خطاباً إلى الله أساله فيه ببراءة: هو أنا ليه ماعنديش أب زي بقية الناس؟ هو أنا عملت إيه غلط زعلك مني؟

أصبح حرق الرسائل عادة محببة لقلبي، أشعر معها أنني أخفي آثار كل شيء قلته في لحظة صدق أو حتى لحظة غضب واندفاع. أفرغ كل ما بداخلي على ورقة بيضاء وأرسلها بعيداً، وأنتظر الردّ بشغف لأعرف كيف يراني الآخرون. لكنني سرعان ما أحرق تلك النظرة ولا أهتم.

لكن رسالة واحدة لم أستطع حرقها؛ كانت رسالة ابنتي "كندة" التي قررت أن تكتب أولى رسائلها وهى لم تبلغ الثامنة بعد، كما كنت. لكنها لم تكن رسالة عن والدها كما فعلت أنا قبل ثلاثة عقود ويزيد، بل كانت رسالة لي أنا، تحمل محبة غامرة وتؤكد لي أنني "أحسن أمّ في العالم كلّه".

إلى الله

لم أكن الوحيدة التي كان أبوها بطلاً لأول خطاباتها؛ فهالة محمد (الاسم مستعار بناءً على رغبتها)، كان والدها أيضاً بطلاً لخطاباتها الأولى التي قررت أن ترسلها إلى الله.

تحكي هالة التي تخطت الثلاثين عاماً لرصيف22 عن تلك الخطابات البعيدة بوجع لم يختف: "انفصل والداي وأنا عمري عامان. لم أشعر بغياب والدي واختفائه التام من حياتي إلا مع دخولي المدرسة. فهناك كنت أتضايق بشدة كلما سألني أحدهم: باباكي فين؟.

سؤال كنت أعجز عن الإجابه عليه، فلم أعرف له رداً؛ فالانفصال في تلك الفترة كان نادراً حدوثة، لذلك كنت أرى الأطفال من حولي برفقه آبائهم وأنا بلا أب، فيعتصر قلبي وينقسم إلى نصفين.

في تلك الفترة لم أجد من يحمل عني مشاعر أرهقتني؛ فقد كان من الصعب أن أحكي لأمي عما ينهش قلبي، لأنني كنت أعرف أنها ستتألّم، فاكتفيت بالكتابة، وقررت أن أرسل خطاباً إلى الله أساله فيه ببراءة: هو أنا ليه ماعنديش أب زي بقية الناس؟ هو أنا عملت إيه غلط زعلك مني؟

أسئلة كتبتها هالة على أوراقها البيضاء ولم تنتظر إجابة قط، فمجرد الكتابة كان يشعرها بالراحة. كبرت هالة وضاعت الخطابات، لكنها لا تزال تكتب رسائل إلى الله، ربما اختفى منها الأب، وحلت محلّه الهموم والأحلام والأمنيات، لكن الراحة التي تشعر بها بعد كتابة كل رسالة لا تختفى أبداً.

ابن الجيران

مروة محمد قررت أن تحكي لرصيف22 عن علاقتها بالخطابات التي كتبتها في المرحلة الإعدادية لابن الجيران. تقول مروة وقد غالبت ضحكاتها وهي تتذكر: "كنت صبية بالمرحلة الإعدادية. وقعت في غرام ابن الجيران الذي كان يحبني أيضاً، ولم نجد طريقة للتواصل سوى الخطابات التي كنت أكتبها له وأضعها في أحد الكتب المدرسية وأرسلها مع أخي الذي كان يصغرني بستة أعوام، بعد أن أخبره أنه كتاب استعرته من جارنا وعليّ أن أعيده، ليرسل لي هو أيضاً خطاباً وسط (أوراق الدرس) مؤكداً لأخي أنها (ملازم للمذاكرة).

وظل الحال هكذا حتى تبرع أخي ذات مرة وأعطى (ورق الدرس) الذي يحتوي على خطاب ابن الجيران لي لوالدي الذي صادفه في الشارع طالباً منه أن يعطيني إياه، ليعثر والدي على الخطاب ويعود إلى المنزل ويعطيني (علقة سخنة) لم أنسَها حتى اليوم".

وبرغم ذكرى (العلقة السخنة) سألت مروة عن مضمون الخطابات، وهل تذكر ما كانت تكتب لحبيب الصبا؟ فقالت ضاحكة: "كنت باقوله أنا مش هرضى أتجوز حد غيرك. انت بس اشتغل كويس وحوش فلوس وأنا كمان هاحوش ونتجوز. ماتخافش هافضل ابعتلك جوابات حتى بعدما نمشي من الشارع ونعزل. وعزلت ونسيته، واتجوزت غيره، لكن لسه بأحس بفرحة لما افتكر مشاعرنا البريئة زمان".

المُرسل مسجون

الكاتبة الصحبفية إيمان كامل أكدت لرصيف22 أن علاقتها بالخطابات أيام الطفولة والصبا علاقة غريبة جداً "فحينما كنتُ في عمر الخامسة عشرة جذبني عالم المراسلة التي كانت منتشرة بكثرة في فترة التسعينيات من القرن الماضي، وعندما قررت أن أخوض التجربة، وأرسل اسمي وعنواني لأحد البرامج الشهيرة، راسلني مسجون محكوم عليه في جريمة قتل. وعندما نال حريته وخرج من السجن، جاء إلى عنواني حيث أسكن، ولحسن الحظ لم أكن موجودة وقتها، لكنني أذكر أنني عشت فترة (مرعوبة) من فكرة تكراره للزيارة مرة أخرى، لكنه لم يفعل".

101 رسالة لسجى

كنت أعتقد أن أطفال اليوم ليس لهم علاقة بكتابة الخطابات الورقية، والتي إن وجدت لن تتعدى رسالة محبة للأم أو اعتذار عن خطأ بدر منهم دون قصد للأب. لكن آية مصطفى رفعت، تلك الطفلة الرقيقة التي تبلغ من العمر تسعة أعوام غيرت فكرتي تماماً.

"تبرع أخي ذات مرة وأعطى (ورق الدرس) الذي يحتوي على خطاب ابن الجيران لي لوالدي الذي صادفه في الشارع طالباً منه أن يعطيني إياه، ليعثر والدي على الخطاب ويعود إلى المنزل ويعطيني (علقة سخنة) لم أنسَها حتى اليوم"

فآية تكتب الخطابات الورقية منذ فترة لصديقتها سجى، التي كانت مقربة منها في "kg1"، والتي تركتها وغادرت لمدرسة جديدة، لكنها لم تغادر قلبها بعد. فقررت أن تكتب لها أول خطاب لتعبر عن شوقها الشديد. لكنها للأسف لم تعرف لها عنواناً، فحاولت أمها (آلاء عرفة، كاتبة ورسامة لقصص الأطفال) البحث عن وسيلة للتواصل، فلم تجد سوى رقم هاتف لوالدة سجى. فأرسلت عبره صورة من خطابها. ولكن للاسف لم يأت ردّ يليق بمشاعر طفلتها التي حزنت كثيراً لتجاهل سجى لخطابها وعللت ذلك قائلة: "ممكن تكون مش فاكراني أصلاً".

وبالرغم من ذلك لم تتوقف آية عن كتابة الخطابات التي سجلت عددها مؤكدة أنها 101 خطاب بلا رد. وهو الأمر الذي أشعَرَ الأم آلاء بحزن شديد، مؤكدة لنا أنها كأم تحمل بداخلها مشاعر مرتبكة تجاه هذا الأمر، فهي على الرغم من أنها تتمنى أن تهتم سجى برسائل ابنتها وتبادلها إياها، تتمنى بنفس القدر أن تنسى آيه الأمر تماماً، وتتوقف عن الكتابه لتصنع صداقات جديدة تليق بمشاعرها المرهفة.

قبلة ساخنة في جواب

على ما يبدو أن طفولة اليوم لم تتسم جميعها ببراءة آية مصطفي، فالأمر لا يخلو من جرأة تناسب العصر لدى البعض، فبعد أن كانت خطابات المراهقة قديماً لا تحمل إلا مشاعر رقيقة وأحلام بريئة تطور الأمر بشكل أصاب خلود إبراهيم موظفة بأحد البنوك بالدهشة والخوف عندما أعطتها ابنتها خطاباً وجدته في حقيبتها قد وضعه زميل لها في المرحلة الإعدادية كتب فيه كلمة واحدة: "بحبك"، وتحتها رسم ولداً يقبل بنتاً قبلة ساخنة.

على الرغم من صدمتها استوعبت خلود الأمرً كما أكدت لنا، وأوضحت أنها تحدثت مع ابنتها عن طبيعة مشاعر المراهقة وضرورة التعامل معها بشكل صحيح، والأهم ضرورة مصارحتها بكل شيء أولًا بأول. تؤكد خلود أنها كانت تتمنى أن تلتقي بالولد، لكنها لم تستطع فقد تملكها الخوف، فاعتبرت الأمر مسألة عابرة لن تتكررK وهذا ما تتمناه.

Website by WhiteBeard