شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
بعد تصدر هاشتاغ "مستشفى قويسنا المركزي"... الجيش يصدر بياناً وضغوط على الضحايا للتصالح

بعد تصدر هاشتاغ "مستشفى قويسنا المركزي"... الجيش يصدر بياناً وضغوط على الضحايا للتصالح

سياسة نحن والحقوق الأساسية

السبت 3 ديسمبر 202204:07 م

نشرت "الصفحة الرسمية لائتلاف أطباء مصر"، وهي صفحة معنية بنقل صوت الكوادر الطبية العاملة في مصر، فيديو مسرباً من اجتماع الإدارة الطبية لمستشفى قويسنا العام وقيادات بالمديرية الطبية لمحافظة المنوفية مع ممرضات قسم الاستقبال والطوارئ بالمستشفى التي شهدت اعتداءاً من أسرة طيار يعمل بالقوات الجوية المصرية على العاملات والممرضات، ما أسفر عن إصابة أربع ممرضات وثلاث عاملات نظافة والتسبب في إجهاض واحدة منهن.

الفيديو المنشور ظهر اليوم، السبت 3 ديسمبر/ كانون الأول، حمل التعليق التالي: "بطريقة منحطة ومقرفة ومقززة... إدارة قويسنا بيحاولوا يضغطوا على التمريض للتناول وإلا هيبقى محضر قصاد محضر، بدل ما يصروا على إنهم يجيبوا حقهم بنفسهم ويتصدروا بدالهم ويرفعوا قضية باسم المستشفى أسوة بالحسيني الجامعي... جاتكم القرف هتعيشوا معرsين وتموتوا معرsين".

وأثار الفيديو المنشور المزيد من الغضب الذي عزز من انتشار هاشتاغ "مستشفى قويسنا المركزي" عبر شبكات التواصل الاجتماعي إذ ظن البعض أن ضغوط التنفيذيين من وزارة الصحة تأتي استجابة لتوجيهات صادرة عن الجهاز الأمني الرفيع الذي ينتمى إليه الضابط المشارك في الاعتداء.
ما دعى القوات القوات المسلحة المصرية إلى إصدار بيان أعلنه متحدثها الرسمي، أكدت فيه أنها "تتابع عن كثب" ما أثير على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن واقعة المستشفى المركزي في قويسنا" مطالبة الجميع بـ"انتظار انتهاء التحقيقات".


ماذا جاء في التسريب؟

يحاول الأطباء والقيادات التنفيذية في الفيديو إقناع الممرضات المعتدى عليهن بالاكتفاء بالاعتذار الذي قدمه أفراد أسرة الضابط الذين قاموا بالاعتداء على الممرضات والعاملات، وعدم المضي في الشكوى القانونية، وقالت مسؤولة يقال لها في الفيديو "دكتورة رشا" إن أسرة الضابط تقدمت ببلاغ قانوني ضد الممرضات والعاملات، متهمة إياهن بالتسبب في إجهاض المريضة التي أتت بها أسرة الضابط للفحص.

يبدأ الفيديو بحديث لشخص يدَّعي أن اسمه "جمال عبد الناصر" من دون أن يكشف للعاملات عن اسمه أو منصبه، يقول لهن: "إنما أروح أشهد مش عارف إيه؟! (ويشير بيديه رافضاً ونافياً) أنا باقول لحضراتكم: أنا باوضحلكم؛ أنا هقف عند رفع أوراقكم.. هقف عند النيابة... هقف هقف قبل إيه اللي هيحصل بعد كدا، وأي ضرر هيمس حضراتكم أنا غير مسؤول عنه.. أنا غير مسؤول عنه.... تمامّ ولكن إمكانياتي ك.. إن أنا وقفنا جنبكم وجبنا قياداتنا وقلبنا دنيا، حصل وانتو كان ممكن نروح كلنا ننام عادي جداً وانتو تعملوا محضر في النيابة و (يشير بيديه علامة على الإهمال) دكتورة رشا اتفضلي".

يبدأ الفيديو بحديث لشخص يرجح أنه مدير المستشفى، يقول للممرضات: "إنما أروح أشهد مش عارف إيه؟! (ويشير بيديه رافضاً ونافياً) أنا باقول لحضراتكم: أنا باوضحلكم؛ أنا هقف عند رفع أوراقكم.. هقف عند النيابة... هقف هقف قبل إيه اللي هيحصل بعد كدا، وأي ضرر هيمس حضراتكم أنا غير مسؤول عنه.. أنا غير مسؤول عنه..."

وتحدثت بعده من تدعى الدكتورة رشا التي كررت الحديث نفسه بلغة أكثر هدوءاً، مضيفة أن أسرة الضابط قدمت بلاغاً تتهم فيه الممرضات المعتدى عليهن بالتسبب في إجهاض واحدة من أسرة الضابط الطيار، مناشدة العاملات بالتنازل عن بلاغهن القانوني والاكتفاء باعتذار أسرة الضابط المشار إليه، مصورة مطلبها بأنه حرص منها على مصلحتهن. وعندما ارتفع صوت أحد العاملين مطالباً بأن تقبل أسرة الطيار أن يتلقين نفس ما قاموا به في حق العاملات: في إشارة إلى التعدي عليهن بالضرب والإهانة، رفضت القيادات التنفيذية الطرح، وقال الشخص الذي يدعي أن اسمه جمال عبد الناصر "دا ظابط لا يمكن يقبل الكلام دا".

وأكدت الدكتورة رشا أنها لا تضغط على الممرضات لقبول الصلح وأن الأمر يرجع إليهن.

أثارت الواقعة ومعها إخفاء اسم الضابط المتورط غضباً بين رواد شبكات التواصل الاجتماعي في مصر، إذ اعتبروها خطوة ضمن منهج حماية المنتمين إلى المؤسسات السيادية عند اعتدائهم على المدنيين 

رصيف22 استخدم أرشيف الاخبار للتعرف على شخصيات القيادات التنفيذية ليتبين أن "دكتورة رشا"، هي الدكتورة رشا خضر، وكيلة مديرية صحة المنوفية (إدارة تابعة لوزارة الصحة تشرف على المستشفيات والمراكز الطبية بالمحافظة)، أما المتحدث الذي قال أن اسمه جمال عبد الناصر فهو الدكتور هيثم سلامة مدير مستشفى قويسنا المركزي كما حدده تطبيق Pimeyes للتعرف على الوجوه المستخدم في تقنيات الصحافة الرقمية O sint.

كيف بدأت المسألة؟

تاريخ الواقعة لا يزال غير محدد ويرجح أنه قريب من تاريخ انتشار الفيديو، إذ بدأ في الساعات الأخيرة من مساء الخميس الأول من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، تداول مقطع فيديو يصور قيام عدد من الأفراد بينهم نساء يرتدين ملابس منزلية على مجموعة من العاملين والعاملات في مستشفى قويسنا المركزي، وإحدى المعتدين كانت تحمل "كرباجاً" تكيل به الضربات للممرضات، وتبين لاحقاً أن المعتدين هم أسرة ضابط في قطاع الطيران بالقوات المسلحة يدعى مصطفى أشرف حسن، وأنه قام وأسرته بالاعتداء على العاملين في المستشفى، وبينهم بعض كوادر طاقم التمريض بسبب التأخر في مباشرة حالة واحدة من أفراد الأسرة وصلت في وضع إجهاض مبكر.


بحسب رواية الممرضات، فإن الاعتداء جرى بسبب احتجاج الأسرة المعتدية على عدم وجود طبيب نساء بقسم الطوارئ، كون أطباء القسم كانوا يباشرون عملية جراحية، وأنهم وجهوا الممرضات لإخضاع المريضة إلى مجموعة من إجراءات الفحص لحين فراغ الأطباء من العملية الجراحية ليباشروا العلاج فوراً، إلا أن أسرة المريضة أصرت على حضور الأطباء فوراً وباشروا الاعتداء على الطاقم الموجود بقسم الطوارئ.

حسب رواية الممرضات، فإن الاعتداء جرى بسبب احتجاج الأسرة المعتدية على عدم وجود طبيب نساء بقسم الطوارئ، كون أطباء القسم كانوا يباشرون عملية جراحية، ووجه الأطباء الممرضات لإخضاع المريضة إلى مجموعة من الفحوص لحين فراغ الأطباء من الجراحة ليباشروا العلاج، إلا أن أسرة المريضة أصرت على حضور الأطباء فوراً واعتدوا على طاقم الطوارئ

الواقعة أثارت على الفور غضباً على نطاق واسع، ظهر فيما كتبه رواد للشبكات الاجتماعية على هاشتاغ "#مستشفى_قويسنا_المركزي" الذي لا يزال يتصدر رأس قائمة الترند في تويتر مصر. إذ أظهر رواد الشبكات الاجتماعية تبرماً من اعتداءات العاملين بالأجهزة الأمنية على المواطنين المدنيين من دون محاسبة، واجدين في واقعة التعدي على ممرضات مستشفى قويسنا المركزي نموذجاً لممارسات المنتمين إلى الأجهزة الأمنية وما يتصورون أنهم يتمتعون به من حصانة في مصر.

بحسب ما أعلنته كوثر محمود نقيبة الممرضين، فإن الاعتداء أسفر عن إصابة خمس ممرضات وإجهاض ممرضة أخرى، بالإضافة إلى إصابة ثلاثة من العاملين والعاملات بقسم الاستقبال والطوارئ.

إلا أن موقع صدى البلد المملوك لجهاز المخابرات العامة عبر "المتحدة للخدمات الإعلامية"، نفى أن تكون واحدة من الممرضات قد تعرضت للإجهاض.

وقالت وزارة الصحة في بيان رسمي أعلنه متحدثها الدكتور خالد عبد الغفار، إن الوزارة تابعت واقعة الاعتداء، وإن الوزير "وجَّه باتخاذ الإجراءات القانونية، وتحرير محضر شرطة باسم المستشفى، لضمان الحفاظ على حقوق أعضاء هيئة التمريض، وحق الدولة فيما لحق بالمستشفى من تلفيات".

ماذا يقول القانون؟

حتى الآن لم يوافق مجلس النواب المصري على قانون المسؤولية الطبية الذي يوضح مسؤوليات الأطباء وطواقم التمريض تجاه المرضى وتحديد آلية محاسبتهم ومحاسبة من يعتدون على الطواقم الطبية.

وبحسب تصريحات الدكتور أشرف حاتم رئيس لجنة الصحة بمجلس النواب، فإن القانون المزمعة مناقشته سيغلظ العقوبة على المعتدين على الطواقم الطبية بالمستشفيات.

تتكرر وقائع التعدي على الكوادر الطبية وأقربها واقعة الاعتداء بالأسلحة البيضاء على الدكتور سيد الدركي، طبيب القلب في مستشفى نبروه العام التابع لمديرية صحة الدقهلية (شمال العاصمة) في يوليو/ تموز الماضي، إذ تعذر إنقاذها لتضرر عضلة القلب نتيجة جلطة بالشريان التاجي تأخر علاجها، فاعتدى ذووها على الطبيب، متهمين إياه بالإهمال الذي أفضى إلى موتها. وشهد الشهر نفسه تعدياً من أسرة مريض على الطاقم الطبي بمستشفى المحلة العام، إلا أنه في تلك الوقائع لم تتدخل وزارة الصحة وإداراتها لإقناع الطواقم الطبية بالتنازل عن حقوقهم القانونية كما تشهد واقعة مستشفى قويسنا المركزي.

ولكن رغم تكرار الوقائع لا تزال النصوص القانونية المصرية تفتقر إلى قانون عادل ينصف المرضى في حالة الإهمال الطبي ويرتب سبلاً قانونية لمحاسبة المهملين، كما انها تفتقر إلى قانون يحمي الكوادر الطبية من الاعتداءات أثناء ممارسة عملهم.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard