فيروس فتسريب ثم إقرار... الحكومة المصرية تعمم "تعهداً" لضمان صمت الأطباء

الخميس 29 أبريل 202104:28 م

 في ظل تصاعد أعداد الإصابات والوفيات بفيروس كورونا المستجد في مصر، ومطالبات المجتمع للحكومة باتخاذ تدابير احترازية لإحكام السيطرة على الموجة الثالثة من الفيروس، فوجئ أطباء بوزارة الصحة بإلزام الوزارة لهم التوقيع على "تعهد بعدم إفشاء المعلومات".

وقال مصدر طبي بوزارة الصحة - قام بالتوقيع على التعهد - لرصيف22، إن التعهد جاء لمنع الأطباء وأطقم التمريض وجميع العاملين بالوزارة، الإشارة بأية طريقة إلى أوضاع مرضى كورونا أو مستشفيات العزل الصحي على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بعد وصول صور وفيديوهات ترصد حالة مستشفيات العزل إلى الإعلام عبر السوشال ميديا.

تتابع الطبيبة: "العدوى مباشرة جداً وشرسة جداً جداً ومش بنلحق نتعامل". وهو ما يتوافق مع معلومات حصل عليها رصيف22 من مصدر طبي ومصدرين من عائلات المصابين بفيروس كورونا المستجد من محافظة أسوان، التي تشهد انتشاراً وبائياً واسعاً في الأسابيع الأخيرة.

وحصل رصيف22 على نسخة من التعهد، الذي يلزم جميع العاملين بمنشآت الرعاية الأولية التابعة لقطاع الرعاية الصحية والتمريض بوزارة الصحة والسكان بـ: "الحفاظ على السرية التامة وعدم تداول البيانات والمعلومات (...) وذلك طيلة فترة عملي وبعد القيام بإنهاء العمل وانتهاء علاقتي بوزارة الصحة، وتشمل هذه السرية جميع البيانات والمعلومات والإحصائيات على كافة المستويات، وأن أراعي الكتمان فيما يتعلق بقواعد البيانات والمعلومات التي اتصلت بعلمي بأي وسيلة من الوسائل خلال فترة عملي".

ويلزم التعهد جميع الأطقم الطبية العاملة بوزارة الصحة بعدم طباعة أو نسخ أو تحميل أو تصوير أية بيانات تخص العمل لأي جهة، إلا بعد الحصول على موافقة كتابية من الجهات المختصة في وزارة الصحة والسكان، ومن يخالف ذلك "سيتحمل كافة التبعات المدنية والجنائية".

تسريب صوتي

وجاء هذا التعهد عقب إصدار وزارة الصحة بياناً منذ يومين، نفت فيه صحة تسجيل صوتي، يتداوله الأطباء عبر واتسآب، وحصل عليه رصيف22، تتحدث فيه سيدة تقول إنها طبيبة تدعى "همَّت" وتعمل في غرفة الطوارئ التي خصصتها الوزارة لمتابعة الوضع الوبائي في البلاد، وتكشف خلاله عن أن "عندنا في الصعيد محافظات بأكملها موبوءة"، وتقول: "قدامي على السكرين حاجات معمولة بالخط الأحمر وهي مستشفيات العزل مفيهاش أماكن"، وتواصل "بناء على تعليمات مجلس الوزراء إن إحنا نفتح كل المدن الجامعية لاستقبال مرضى الكورونا". ويبدو من حديثها أن هذا ليس أول تسريب صوتي يصدر عنها. وتقول السيدة "ما يحدث يشبه الموجة الأولى في شهر اتنين (فبراير) 2020".


تقول هِمَّت إن الفيروس خلال الموجة الحالية لا يظهر في المسحتين الأولى والثانية ثم يُفَاجأ الأطباء بظهور الالتهاب الحاد في الرئة، فيما يدل على وجود عدوى مباشرة بفيروس كورونا المستجد. وتتابع الطبيبة: "العدوى مباشرة جداً وشرسة جداً جداً ومش بنلحق نتعامل". وهو ما يتوافق مع معلومات حصلت عليها رصيف22 من مصدر طبي ومصدرين من عائلات المصابين بفيروس كورونا المستجد من محافظة أسوان، التي تشهد انتشاراً وبائياً واسعاً في الأسابيع الأخيرة.

وتنقل الطبيبة أن هناك مكالمة حدثت بين من تسميه "دكتور مايكل"، ربما تقصد دكتور مايكل ريان المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، ودكتور محمد عوض تاج الدين مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الصحية، تلقى الأطباء في غرفة الطوارئ بياناً بتوصياتها، وأن تلك التوصيات تقول: "إحنا (مصر) على حافة هاوية الوباء"، وتواصل أن المستشفيات الجامعية ومستشفيات الصدر ومستشفيات الحجر الصحي ممتلئة، وأن رئيس الجمهورية أصدر قراراً – غير معلن- بزيادة عدد الأسِرَّة فوراً داخل مستشفيات الحجر الصحي (العزل) وأنه تم ضم مدن جامعية جديدة، منها المدينة الجامعية لطلبة جامعة حلوان وعين شمس وعدة محافظات أخرى لتخصص أماكن للعزل.

ولم يتسن لرصيف22 التأكد من صحة كون التسريب صادرًا عن طبيبة بوزارة الصحة أو من صلة صاحبة التسجيل بغرفة طوارئ الوزارة.

وألقت الحكومة المصرية القبض على عدد من الأطباء والطبيبات الذين انتقدوا سياسة الدولة في مواجهة فيروس كورونا ووجهت إليهم تهمًا تتصل بنشر الأخبار الكاذبة ومساعدة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

الوزارة تنفي

قالت الوزراة في بيان، الثلاثاء 27 أبريل / نيسان الجاري، إن التسجيل الصوتي "لا يمت لوزارة الصحة والسكان ولأي من قطاعاتها بصلة"، مؤكدة توافر أكثر من 45% من السعة السريرية في جميع المستشفيات في محافظات الجمهورية لاستقبال حالات مرضى فيروس كورونا المستجد.

خبر قديم

قبل أشهر، مع بداية أزمة وباء كورونا في مصر، اشتكى أطباء عبر السوشيال ميديا من غياب المستلزمات الطبية الوقائية الضرورية، ومنها الأقنعة وقفازات اليد، وهو ما أكده المصدر الطبي لرصيف22. وحينذاك دار جدال كبير على مواقع التواصل عن حكمة قرار إرسال مصر مساعدات طبيية تتشكل في معظمها من المستلزمات الوقائية إلى دول أخرى في الوقت الذي تعاني فيه أطقمها الطبية من غياب هذه المستلزمات.

ونشر طبيب اسمه محمد حسن منشوراً في العام الماضي على حسابه بموقع فيسبوك، تحدث فيه عن الوضع الوبائي داخل مستشفى عزل المنصورة، وكتب: "كتبلكم حاليًا من داخل مبنى عزل جامعة المنصورة.. الوضع سيىء جدًا جدًا وكارثي.. خافوا على نفسكم وعلى أهاليكم والناس اللي بتحبوهم". وألقت الحكومة المصرية القبض على عدد من الأطباء والطبيبات الذين انتقدوا سياسة الدولة في مواجهة فيروس كورونا ووجهت إليهم تهمًا تتصل بنشر الأخبار الكاذبة ومساعدة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

مثل هذه المنشورات أثارت جدلاً واسعاً، وغضبًا لدى السلطات الصحية والأمنية في مصر، باعتبار أنها "تكدر السلم العام"، وقد وثقت منظمة العفو الدولية ثماني حالات من العاملين في مجال الرعاية الصحية، من بينهم ستة أطباء وصيادلة، تم احتجازهم بشكل تعسفي بين مارس/آذار ويونيو/حزيران بسبب تعليقات على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي يعربون خلالها عن قلقهم المتعلق بالوضع الصحي في البلاد.

وقالت المنظمة: "ألقي القبض على الطبيب هاني بكر وهو طبيب عيون في أبريل الماضي (2020)، من منزله بالقليوبية، شمال القاهرة، بسبب تعليق على فيسبوك انتقد فيه الحكومة لإرسالها مساعدات طبية إلى إيطاليا والصين، كما تم احتجاز طبيب آخر لكتابته مقالًا ينتقد طريقة مواجهة الحكومة لوباء فيروس كوفيد-19، وكذلك الثغرات البنيوية في النظام الصحي في مصر".

وفي يونيو من العام الماضي، خاطبت نقابة الأطباء المصرية النائب العام المستشار حماده الصاوي بسرعة الإفراج عن الأطباء الذين تم القبض عليهم عقب نشر أراء لهم متعلقة بجائحة كورونا.

وعاد المصدر الطبي وعلق لرصيف22 قائلاً: "من أجل ذلك كله، قاموا بإلزامنا على توقيع التعهد. ومن سيخالف تتم محاكمته".

رصيف22 حاول التواصل مع المتحدث باسم وزارة الصحة عن طريق الهاتف ورسائل الواتساب لكنه لم يرد. وكرر معد هذا التقرير المحاولات أكثر من مرة في أوقات مختلفة عن طريق رسائل واتساب، وكان المتحدث يتجاهل الرسائل بالرغم من أن التطبيق يعطي إشارة ظهوره "أونلاين".


وتواصل رصيف22 مع الدكتور أسامه عبد الحي الأمين العام لنقابة الأطباء، الذي أعرب عن دهشته من هذا التعهد، وقال إن وزيرة الصحة هالة زايد اعتادت خلق المشاكل مع الأطباء، فبدلاً من أن تخصص طاقتها وطاقة الطاقم الطبي لمواجهة كورونا وتزيد من حماسهم، تقوم بمحاربتهم وهم "عصب القطاع الصحي في مصر".

واعتبر عبد الحي أن هذا التعهد غير قانوني، ووصفه بأنه "ليس له معنى، وإشعار الأطباء أنهم يعملون في عمل عسكري أو سري غير مقبول نهائياً"، فليس هناك ما يمنع الأطباء من الحديث عن الأوضاع الصحية ومصارحة الشعب، على حد قوله، متسائلاً: "لماذا تخاف وزيرة الصحة؟ هل توجد أسرار عسكرية في المنشآت الطبية؟".

واستدرك عبد الحي: "الحديث عن الوضع الوبائي ليس إفشاءً لأسرار المهنة"، خصوصاً أن وزارة الصحة تصدر بيانات كاذبة وأرقاماً مخالفة للواقع، على حد قوله، مطالباً وزارة الصحة بإصدار بيانات صادقة وحينذاك لن يتحدث الأطباء عن شيء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard