شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
نَصَرَ السنّة واضطهد الشيعة والمسيحيين... الخليفة العباسي المتوكل على الله

نَصَرَ السنّة واضطهد الشيعة والمسيحيين... الخليفة العباسي المتوكل على الله

سياسة نحن والتاريخ

الأربعاء 30 نوفمبر 202212:48 م

يُعَدّ الخليفة العباسي جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن هارون الرشيد واحداً من بين أشهر خلفاء الدولة العباسية. ولد المتوكل عام 205هـ، واعتلى كرسي الخلافة عقب وفاة أخيه الواثق بالله، عام 232هـ، وكان وقتها شاباً في الـ27 من عمره.

وعلى الرغم أن فترة خلافته لم تزد عن الـ15 سنة إلا أنها شهدت العديد من الأحداث المؤثرة التي أسهمت بشكل كبير في دعم المذهب السنّي من جهة، وفي إضعاف منصب الخلافة من جهة أخرى.

ناصر السنّة وماحق "البدعة"

عام 218هـ، أعلن الخليفة العباسي عبد الله المأمون مذهبه في مسألة خلق القرآن، مؤيّداً قول المعتزلة في أن القرآن مخلوق. لم يكتف بذلك، بل أمر جميع الفقهاء والعلماء بأن يقولوا بالرأي نفسه، وتوعّد مَن يخالفه بالعقاب الشديد.

وسار الخليفتان المعتصم بالله، وابنه هارون الواثق بالله على الدرب ذاته. وفي عهديهما اشتدّت "المحنة"، وتعرّض علماء أهل السنّة للحبس والضرب، بل وصل الأمر إلى قتل بعضهم، ومن أشهرهم أحمد بن نصر الخزاعي الذي قُتل على يد الخليفة الواثق عام 231هـ.

بعد اعتلائه كرسي الخلافة، عام 232هـ، خالف المتوكل على الله سياسات أسلافه في ما يخص تلك القضية. رفض آراء المعتزلة وأعلن تأييده المطلق لآراء أهل السنّة. يتحدث ابن كثير، في كتابه "البداية والنهاية"، عن تلك الفترة، ويقول: "لمّا ولي المتوكل على الله جعفر ابن المعتصم استبشر الناس بولايته فإنه كان محباً للسنّة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق أن لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن، ثم كتب إلى نائبه ببغداد وهو إسحاق بن إبراهيم أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعى إسحاق بالإمام أحمد إليه فأكرمه إسحاق وعظّمه، لما يعلم من إعظام الخليفة له وإجلاله إياه...".

لم يكتفِ المتوكل بذلك، بل بذل قصارى جهده في سبيل نشر الأحاديث النبوية. على سبيل المثال، يذكر الخطيب البغدادي، في كتابه "تاريخ بغداد"، أن المتوكل كلف العلماء والمحدثون بـ"أن يجلسوا للناس، وأن يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، وأن يحدثوا بالأحاديث في الرؤية (يقصد رؤية الله في الآخرة)، فجلس عثمان بن أبي شيبة في مدينة المنصور ووضع له منبر، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً من الناس، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً".

من هنا، لم يكن من الغريب أن نجد استحواذ المتوكل على مكانة مهمة في العقل السنّي الجمعي باعتباره الخليفة الذي رد اعتبار المذهب السنّي، وأسهم في إعادة السنّة إلى موضع الصدارة في المجتمع الإسلامي. يعبّر عن ذلك ما نقله شمس الدين الذهبي، في كتابه "سير أعلام النبلاء"، عن بعض علماء السنّة من قولهم: "الخلفاء ثلاثة: أبو بكر يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم من بني أمية، والمتوكل في محو البدع، وإظهار السنّة".

في سياق موازٍ، شنّ المتوكل على الله حملة اضطهاد عنيفة ضد المسيحيين المتواجدين في دولته. فقد عمل على الترويج لنفسه بصفته الخليفة الناصر للدين الحق والمذهب القويم، وعليه، أصدر مجموعة قرارات مقيِّدة لحرية رعاياه من "أهل الذمة".

يذكر ابن جرير الطبري تفاصيل تلك القرارات، في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، فيقول: "أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب... وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإنْ كان الموضع واسعاً صُيّر مسجداً، وإنْ كان لا يصلح أن يكون مسجداً صير فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقاً بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يُستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي تجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلمهم مسلم، ونهى أن يظهروا في شعانينهم صليباً، وأن يشمعلوا (يمشوا على ناحية اليسار) في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين...".

المتوكل في المُتخيل الشيعي

في كتابها "المواقف السياسية للأئمة الاثني عشر"، تذكر الباحثة العراقية نغم الكنعاني أن القبضة العباسية خفّت -إلى حد ما- عن الشيعة في عهد الخليفة هارون الواثق بالله، إذ لم يتم تعقب العلويين أو مطاردتهم في عهده، كما أنه ألغى سياسة الضغط الاقتصادي تجاه الشيعة فأعطاهم الأموال وأحسن إليهم.

لكن السياسة العباسية التقليدية المناهضة للشيعة سرعان ما عادت مرة أخرى في عهد المتوكل حتى وصفه أبو الفرج الأصفهاني، في كتابه "مقاتل الطالبيين"، بأنه كان "شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم مهتماً بأمورهم شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم، واتفق له أن عُبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم، فحسّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس من قبله".

ويذكر الأصفهاني أن عداء المتوكل للعلويين دفعه إلى العمل على هدم قبر الحسين في كربلاء ومنع الناس عن زيارته والوفود إليه، كما أنه توعّد مَن يزور الحسين وقتلى كربلاء بالقتل والتنكيل. في هذا السياق اهتمت المصادر الشيعية بتسليط الضوء على العلاقة بين الخليفة المتوكل والإمام علي الهادي، وهو الإمام العاشر في سلسلة الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية.

"أمر (الخليفة العباسي) المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنانير وركوب السروج بركب الخشب... وبأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة، تفريقاً بين منازلهم وبين منازل المسلمين..."

تذكر تلك المصادر، ومنها على سبيل المثال "الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد" للشيخ المفيد، أن عليّاً الهادي ابتعد عن السياسة ورفض الثورات التي قام بها بعض أقاربه من العلويين، ورغم ذلك أراد المتوكل أن يبقيه بالقرب منه حتى يأمن جانبه، فأرسل طالباً منه القدوم عليه في العراق.

وبالفعل، سافر الهادي إلى سامراء، في عام 243هـ، وقضى فيها 11 عاماً كاملة، وتذكر المصادر الشيعية العديد من الحوادث التي وقعت بينه وبين الخليفة المتوكل، والتي يتبين منها أن العلاقة بين الرجلين كانت -ورغم ما يحيطها من أجواء ودية في الظاهر- تقوم على الحرص والحذر المتبادل في حقيقة الأمر.

من تلك الحوادث ما ورد من كون المتوكل قد أُصيب بوعكة شديدة، بسبب خراج ظهر في جسمه، ولم يكن يطيق أن يمسه الأطباء بالمشارط لفتحه أو استئصاله، فعجزوا عن مساعدته أو تقديم العلاج له. فأشار بعض المقربين من المتوكل باستشارة علي بن محمد الهادي، فوافق وبعث إليه مَن يطلب منه المشورة، فأرسل لهم الهادي بأن يأخذوا كسب الغنم ويخلطوه بماء الورد ويضعوه على الخراج، فلما فعلوا ذلك انفتح الخراج من تلقاء نفسه وخرج ما كان فيه من الصديد والقيح، بحسب ما يذكر الشيخ المفيد في كتابه.

على الرغم من الخدمة الجليلة التي قدمها "الإمام العاشر" للخليفة العباسي، إلا أن الروايات الشيعية تحرص على إظهار الأخير في صورة ناكر الجميل، ذلك أنه بعد أن شُفي من المرض جلس مع بعض مستشاريه، الذين حرضوه على علي الهادي، وقالوا له: إن منزله يمتلئ بالسلاح والأموال التي تأتي إليه من جهة شيعته الذين يعتزمون الثورة على الخلافة العباسية، فقام المتوكل بتكليف أحد حجابه بالتسلل إلى دار الهادي ليلاً وتفتيشها للبحث عن السلاح والأموال.

وتأخذ القصة شكلاً أسطورياً، عندما تذكر أن الحاجب عندما وصل إلى دار الهادي كاد أن يقع من سطحها، فخرج له الإمام حاملاً القنديل ونادى عليه وقد عرفه وعرف غرضه من التسلل إلى بيته، وأرشده إلى مكان السلاح والمال بينما وقف هو ليستكمل صلاته، وعندما فتش الحاجب البيت لم يجد سوى سيف وكيس واحد فيه عشرة آلاف دينار، وكان مختوماً بختم أم الخليفة المتوكل. ولمّا حُمل الكيس إلى المتوكل، سأل أمه عنه، فقالت إنها أرسلت به للهادي عقب مشورته في علاج الخليفة، وتظهر الرواية المتوكل نادماً على ما بدر منه في حق الهادي، إذ أمر بإعادة الأموال إليه، بل وزاد عليها كذلك.

عداء الخليفة العباسي المتوكل للعلويين دفعه إلى العمل على هدم قبر الحسين في كربلاء ومنع الناس عن زيارته والوفود إليه، كما أنه توعّد مَن يزور الحسين وقتلى كربلاء بالقتل والتنكيل

ورغم أن الرواية السابقة تظهر ندم المتوكل على شكه في علي الهادي، إلا أن الكثير من الروايات الشيعية الأخرى تستمر في محاولتها التأكيد على سعي المتوكل المتواصل للإيقاع بالإمام الشيعي العاشر. ومن ذلك القصة المشهورة التي ذكرها أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، في "الأمالي"، والتي جاء فيها أن الخليفة العباسي استدعى الهادي في أحد الأيام إلى مجلسه، وكان يشرب حينها الخمر مع ندمائه وجلسائه، وطلب منه أن يشاركه الشراب، فرفض الهادي رغم إلحاح الخليفة، ثم طلب المتوكل من الهادي أن ينشد بعض أبيات الشعر، فرفض الهادي، ولكن لمّا ألح عليه الخليفة، أنشد عدداً من الأبيات التي تذم الخمر وتتوعد مَن يشربها بالعذاب الأليم، الأمر الذي أثر كثيراً في نفس المتوكل، إذ تشير الرواية إلى أنه بكى بكاء حاراً، وأمر برفع الشراب من مجلسه.

يستمر النسق الروائي الشيعي في محاولة إثبات فجور المتوكل وفسقه بكل وسيلة ممكنة، وإظهار أنه لم يرتدع رغم كل ما مر به سابقاً. على سبيل المثال أورد محمد باقر المجلسي، في كتابه "بحار الأنوار"، أن المتوكل الذي لم يكن يستطيع الإيقاع بالهادي لزهده وورعه وتقواه وتدينه، استشار بعض جلسائه، فأشاروا عليه البعض بأن يستقدم أخاه موسى بن محمد الجوا، وتذكر الروايات أنه كان معروفاً بميله للهو والسكر وارتكاب الموبقات، حتى إذا جاء للمتوكل وارتكب تلك الأفعال المشينة في حضرته في سامراء، اختلط الأمر على الناس، وقالوا فعل ابن الجواد تلك الأمور ولا يفرقون عندها بين علي الهادي وأخيه موسى، فأخذوا الأول بجرم الثاني.

وتظهر الروايات أن الهادي علم بالغرض الذي استدعى المتوكل موسى من أجله، فذهب في استقبال أخيه، وطلب منه ألا يساير المتوكل في خططه وأهوائه، ولكن موسى لم يجبه إلى طلبه، فقال له الهادي: "أما إن المجلس الذي تريد الاجتماع معه عليه، لا تجتمع عليه أنت وهو أبداً". وبالفعل تؤكد الروايات الشيعية، أنه لم يحدث أي اجتماع بين موسى بن محمد والخليفة المتوكل، فقد كان دائماً ما يحول حائل في سبيل اجتماعهما مع بعضهما البعض، وظل الأمر كذلك لمدة ثلاثة أعوام كاملة، حتى توفي المتوكل دون أن تتحقق خطته.

ضعف الدولة وبدء العصر العباسي الثاني

ارتبط اسم الخليفة المتوكل على الله بوقوع التحول الأهم في تاريخ الدولة العباسية. اعتاد الكثير من المؤرخين أن ينظروا إلى عهده بصفته البداية الحقيقية للعصر العباسي الثاني، وهو العصر الذي اتصف فيه العباسيون بالضعف وبفقدانهم للسيطرة الحقيقية على مقاليد السلطة السياسية في الدولة.

كانت بوادر ذلك التحول قد بدأت منذ عهد الخليفة المعتصم بالله. اعتمد المعتصم على الأتراك واستكثر منهم في جيشه، وأسقط العرب من ديوان الجند. وأدى ذلك بمرور الوقت إلى وصول العشرات من هؤلاء الأتراك إلى المراكز العليا في الدولة. ومع اعتلاء المتوكل كرسي الخلافة، كان هؤلاء القادة يتحكمون فعلياً في كل شيء.

في كتابه "المحنة: جدلية الديني والسياسي في الإسلام"، عمل الدكتور فهمي جدعان على الربط بين توجهات المتوكل الدينية والمذهبية من جهة، ومحاولته فرض سطوته على الدولة من جهة أخرى. أكد جدعان أن السبب الأول الذي دفع المتوكل لنصرة المذهب السنّي ومعاداة المعتزلة والشيعة والمسيحيين يتمثل في المقام الأول في رغبته بالحصول على تأييد العامة ورجال الدين من أهل السنّة. كان المتوكل يعرف أن القادة الأتراك هم الذين يتحكمون بالجيش، ولذلك كان يأمل في أن يحظى بالتأييد الشعبي الجارف من قِبل عامة الناس، ولا سيما من "جماعات المطوعة" التي ظهرت في بغداد إبان الحرب الأهلية بين الأمين والمأمون في بدايات القرن الثالث الهجري.

في عام 247هـ، فشل مشروع المتوكل بعدما اغتاله بعض القادة الأتراك المتحالفين مع ابنه المنتصر بالله. يعلق المفكر المصري أحمد أمين على تلك الحادثة في كتابه "ظهر الإسلام"، فيقول: "وهكذا كانت هذه الحادثة مصرعَ الخلافة، ومجد الأتراك، فكان الخليفة بعدها خاتماً في أصبعهم أو أقل من ذلك، حتى قنع بالسكة والخطبة…".

اعتاد القادة الأتراك بعد مقتل المتوكل أن يختاروا شخوص الخلفاء الجالسين على كرسي الخلافة. ولم يتورعوا عن خلع وقتل بعض الخلفاء الذين جاهروا بمعارضتهم من أمثال كل من المستعين بالله، والمعتز بالله، والمهتدي بالله، والمقتدر بالله، بينما اكتفوا بسمل عيون البعض الآخر منهم كمحمد القاهر بالله، وإبراهيم المتقي بالله. وبقي تسلط الأتراك على مقادير السلطة في الدولة العباسية قائماً حتى ثلاثينيات القرن الرابع الهجري عندما تمكن البويهيون الفرس من السيطرة على بغداد.

في رصيف22، نقرأ الماضي بانفتاح على الآراء المتنوعة، ونسعى دوماً إلى تقديم الحكاية من كل زواياها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

ماضينا كما يُقدَّم لنا ليس أحداثاً وَقَعَت في زمنٍ انقضى، بل هو مجموعة عناصر تجمّعت من أزمنة فائتة ولا تزال حيّةًً وتتحكم بحاضرنا وتعيقنا أحياناً عن التطلّع إلى مستقبل مختلف. نسعى باستمرار، كأكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في المنطقة، إلى كسر حلقة هيمنة الأسلاف وتقديم تاريخنا وتراثنا بعين لا تخاف من نقد ما اختُلِق من روايات و"وقائع". لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. ساعدونا. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard