شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
كيف أخبرتني صديقتي أنني فقدت "عذريتي"

كيف أخبرتني صديقتي أنني فقدت "عذريتي"

مدونة نحن والحقوق الأساسية

الثلاثاء 29 نوفمبر 202203:05 م


 يأتي هذا التقرير كجزء من مشروع "مش عَ الهامش"، 

  والذي يسلط الضوء على الحقوق والحريات والصحّة الجنسيّة والإنجابيّة في لبنان.


أكتب التالي باسم مستعار، لأشارككم/ن قصة طريفة بعض الشيء، ربما تصبح مأساوية إن تجرّأتُ على الإعلان عن اسمي. ماذا ستقول والدتي وهي تقرأ؟ أنا شبه متأكدة أنها ستحب المحتوى، إلى أن تعرف أن ابنتها هي التي كتبته. أستخدم اسم رنا وأتمنى لو أعيش في بلد آخر يسمح لي أن أكتب بحرية دون أن أعيش حياة مزدوجة بين الحرية الداخلية التامة والانغلاق المجتمعي. 

بعد أن تخطيت مرحلة الخوف التي زرعها فينا المجتمع، وبعد "فكفكة" التعقيدات الهائلة التي كانت تمنعني عن ممارسة الاختراق الجنسي، فقدت عذريتي، بحسب ما أخبرتني صديقتي على الأقل... فعلتها دون أن أعلم أنني مارست الاختراق فعلاً.  

أكتب التالي باسم مستعار، لأشارككم/ن قصة طريفة بعض الشيء، ربما تصبح مأساوية إن تجرّأتُ على الإعلان عن اسمي. ماذا ستقول والدتي وهي تقرأ؟

فعلتِها؟! مبروك

هكذا أخبرتني صديقتي أنني مارست الجنس. "متأكدة؟"، سألتُها بعدما أخبرتها أنه وبعد محاولات عدة، دخل قضيب شريكي في مهبلي، لكنني لم أفقد عذريتي...  تجيب: "لك مبلا فقدتيها، شو مفكرة لازم يصير بعد يعني؟".

فعلاً، لم أعلم أن الأمر بهذه البساطة، وكنت أظن أنني أخاف من الاختراق فقط لأنني أعاني مما يسمى التشنّج المهبلي، كما كنت أظن أن عملية خرق الغشاء تأتي بعد الاختراق. وضّحت لي: "الاختراق يعني خزق الغشاء... الغشاء بالأول، مش هالقد غميق". صُدمت وضحكت، ثم ذهبت لأناقش الموضوع مع شريكي الذي أثنى على ما تقوله صديقتي، ظاناً أنني فهمت أنني فقدت عذريتي لحظتها!  

من أين تأتي الأفكار الخاطئة؟ 

 ضحكت حينها، لكنني شعرت أيضاً بغباء شديد. 

لطالما اعتقدت أنّ تفكيري متقدم، وأنني أعرف ما فيه الكفاية، لأن عقلي منفتح ومتقبل لأي شيء، لكنني، ولسبب ما لا أعرفه، لم أتجرّأ يوماً على تثقيف نفسي أكثر عن العلاقات الجنسية، وكنت أتجنّب المعلومات الدقيقة وأخاف منها، مثل غيري من النساء. المشكلة أيضاً أن أحداً لم يعمل على تثقيفنا حول أجسادنا منذ الصغر، فخفنا منها واختبأنا خلفها طوال حياتنا.

كنت أظن أنني أخاف من جسدي بسبب التشنّج المهبلي، وهي كلمة تعبر عن  الحالة التي تؤثّر على قدرة المرأة على الانخراط في أي شكل من أشكال الاختراق المهبلي، لكنني لم أنكر يوماً أن حالة التشنّج هذه تنبع، بجزء كبير منها، من الأفكار الخاطئة أو البعيدة عن الصحة الجنسية. 

نضحك على القصة الطريفة أنا وصديقتي الأخرى، فتخبرني أن والدة صديقتها أخبرتها، أنه بعد زواجها، وعند خرق "الحاجز"، ستشعر بألم شديد، ما جعلها ترتعب من فكرة الاختراق لفترة طويلة. لماذا لا تعرف معظم النساء أنه قد لا يوجد غشاء بالضرورة، وأن بعض النساء يفقدن عذريتهن منذ الصغر دون ممارسة الجنس، وأن النزف ليس حتمياً بعد الاختراق؟

لطالما اعتقدت أنّ تفكيري متقدم، وأنني أعرف ما فيه الكفاية، لأن عقلي منفتح ومتقبل لأي شيء، لكنني، ولسبب ما لا أعرفه، لم أتجرّأ يوماً على تثقيف نفسي أكثر عن العلاقات الجنسية

أتخيّل كيف سيكون أثر الأفكار الخاطئة كلّما تشبّثنا بها أكثر. في حالتي، صديقتي فسّرت لي كيف حصل الاختراق، فيما استطاع شريكي، من خلال الصبر والمحاولة والتواصل المستمرّ، أن يساعدني على تخطي حالة الخوف التي تنتابني عندما يقترب من المنطقة الحميمة. 

أفكّر فيمن لم تتسنّ لهنّ فرصة المشاركة مع نساء أخريات. أفكّر في أمهاتنا، أخواتنا، وصديقاتهنّ، إلى أي مدى عانَيْنَ لممارسة الجنس؟ من ساعدهنَّ؟ من فسّر لهنّ حالة التشنّج المهبلي في حال وجودها؟ هل بكين؟ هل خفن؟ هل كان لديهنّ شركاء صبورون وقادرون على تفسير المعلومات لهن بشكل دقيق، علماً أن معظم رجال العصر ذاك ذكوريون؟ 

عن خجل الصباح التالي…

لا نعرف حتى تخبرنا صديقاتنا المقربات ماذا نفعل في الصباح التالي، ولأي دواء طارئ نلجأ إذا لم يضع الرجل الواقي الذكري. أقصد صيدلية قريبة، بناءً على نصيحة صديقاتي "الخبيرات في العلاقات الجنسية"، لأنني كنت في أوّل يوم من الإباضة، مع أنّ شريكي كان حريصاً على القذف خارج مهبلي.

لماذا لا تعرف معظم النساء أنه قد لا يوجد غشاء بالضرورة، وأن بعض النساء يفقدن عذريتهن منذ الصغر دون ممارسة الجنس، وأن النزف ليس حتمياً بعد الاختراق؟

"أريد دواء الصباح التالي"، أقول للصيدلانية بصوت منخفض، فتصيح بأنها لا تفهم ما أقصد تحديداً. أريها صورة الدواء، فتصيح مجدّداً أمام الزبائن وكأنها توبخني: "أها، تريدين مانع الحمل العاجل، إذن مارست علاقة جنسية ولا تريدين أن تصبحي حاملاً، سوف أعطيك الدواء". 

أخجل وأشتري حبة الدواء المكلفة. "كان عليك أن تختاري صيدلية الأوتوستراد": تأتي نصيحة صديقتي الأخرى في اليوم الثالث، دقيقة ولكن متأخرة بعض الشيء، ففي لبنان لا يسعنا شراء هذه الأدوية دون الشعور بالإحراج، إلا إذا قصدنا الغرباء، أو اتصلنا بإحدى المنظمات التي تلصق في بعض حمّامات البارات "المنفتحة" إعلانات توعوية عن تأمين الفحوصات والأدوية المجانية.   

مَن يحمل عيب العبء معنا؟

أفكّر في صديقاتي اللواتي اشتبهن بأنّهنّ حوامل قبلي، اللواتي لا يدركن أن الإباضة تجعلنا أكثر عرضة للحمل. ماذا لو حملت مثلاً ولم يتوفر من يخبرها عن حبّة الدواء العاجلة؟ كيف يخبّئ البعض سرّاً وعبئاً ثقيلاً للغاية، ومن يحميهنّ إن لم تتوفر صديقات مثل صديقاتي؟  كيف يكملن َحياتهنَّ العملية دون القدرة على البوح بما يختبرن، جسدياً ونفسياً؟

يعتقد البعض، مثل الصيدلانية التي قصدتها، أن العبء هو نتيجة ممارسة الجنس خارج العلاقة الزوجية، وكأنه عقاب بعد اختيار "بيع" الجسد لرجل ما، فيما يعيش بعض الرجال تجربة جنسية ممتعة، خالية من أي ضغوطات أو مخاوف أو تحديات، ويسمحون لأنفسهم أن يختاروا ما إذا كانوا سيستخدمون الواقي أم لا.

بالتالي، فلا الأطباء ولا الشركاء ولا أفراد العائلة يحملون العبء معنا تحت رايات العيب، فتلجأ معظم النساء للأساليب غير الصحيّة والمضرّة، لأجل حماية آذان الجميع من صدى أجسادهن.

ماذا لو حملت مثلاً ولم يتوفر من يخبرها عن حبّة الدواء العاجلة؟ كيف يخبّئ البعض سرّاً وعبئاً ثقيلاً للغاية، ومن يحميهنّ إن لم تتوفر صديقات مثل صديقاتي؟  كيف يكملن َحياتهنَّ العملية دون القدرة على البوح بما يختبرن، جسدياً ونفسياً؟

أكتب ما أكتبه بشكل وهمي، دون البوح عن اسمي، فيما أعلم أن الكثيرات سيقرأن ما أكتبه سرّاً ويتحدّثن عنه بالسرّ مثلي، وأعلم أن التعليقات السلبية والمهينة في الوقت نفسه ستنطلق على مواقع التواصل الاجتماعي، لتصف ما أتكلم عنه وما تفعله الكثيرات بالجرم أو الحرام، علماً أن الجميع يمارس "الحرام" بدرجاتٍ مختلفة ومتفاوتة.

أبتسم وأنا أكتب. سعيدة جداً بأني أستطيع البوح بما تشعر به الكثيرات، دون خوف، لا من تهمة الغباء ولا من تهمة الحرام.

لقد بدأت رحلتي باكتشاف جسدي، بدعمٍ من صديقاتي خلف الأضواء، متمنيّة لو تستطع الكثيرات الوصول إلى المعلومات ضمن مساحة آمنة، دون الخوف من التعرّف على الجسد أو الاصطدام بمواقف ضارة ومؤلمة.

لتلك الكثيرات: إذا لم يتوفر لديكنَّ صديقات مثل صديقاتي، وشريك مثل شريكي، ابحثنَ عنهم/نّ.
بالنسبة لي، هكذا يكون الاختراق الحقيقي، وليس من خلال غشاء يدّعي المجتمع الذكوري أنه يعرف عنه أكثر منكِ ومنّي.

من غير المعقول أن كثيرين منّا لا يزالون يطالبون بأبسط حقوقهم. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

قد تبدو هذه الحقيقة ضرباً من الخيال، ولكن هناك من لا يزال يطالب بحقوقه الأساسية، كالحق في التعليم، والحق في تلقّي العلاج، والحق في العمل، والحق في الحب حتّى، وأحياناً الحق في الحياة. عليكم نعوّل. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard