إغلاق قناة "الأجواء"... لا شيء يعلو فوق صوت الأخلاق في الجزائر

الاثنين 21 نوفمبر 202202:39 م

لأسباب أخلاقية بحتة تتعلق بالآداب العامة، قررت "سلطة الضبط السمعي البصري" في الجزائر، إغلاق قناة "الأجواء" التلفزيونية.

مسوغات قرار الإغلاق كما جاء في بيان السلطات، تمحورت كلها حول الحفاظ على ما أسمته "خصوصيات المجتمع الجزائري" وآدابه العامة.

 أشهرت سلطة ضبط السمعي البصري، سيف الحجاج بن يوسف، في وجه قناة الأجواء، معلنةً إغلاقها إثر تجاوز حدود مرسومة مسبقاً، وطابوهات ترسخت في مخيال الجمهور،

سلطة الضبط السمعي البصري المطلقة

بدأت الأزمة حينما عرضت قناة "الأجواء" الجزائرية فيلم "لعبة الموت"، لأيقونة أفلام القتال "بروس لي"، والذي تضمّن مشهداً عاطفياً جمع بين بطلي الفيلم، ظهرت فيه الممثلة عارية الصدر لثوانٍ، لكن تلك الثواني كانت كفيلةً بخلق موجة متصاعدة على مواقع التواصل الاجتماعي من المحافظين الجزائريين المطالبين بتوقيع أقصى عقوبة في حق مرتكبي تلك "السقطة"، على حد تعبير أحدهم.

هذه المطالبات لاقت صدى لدى سلطة الضبط السمعي البصري (الجهاز الرقابي المنوط به مراقبة الإعلام)، فأصدرت قرارها بإغلاق قناة "الأجواء" نهائياً.

من جانبها، التزمت القناة بقرار السلطات، وأصدرت بياناً حمل صيغةً عاطفيةً أعلنت فيه تقبلها للقرار واعتذرت للجمهور الجزائري عن ذلك الخطأ الفادح على حد تعبيرها، مشيرةً إلى التزامها بالخط الوطني، ودفاعها عن الجزائر والجزائريين.

الأمن الجزائري يتدخل

أحد المسؤولين في القناة (طلب عدم ذكر اسمه)، تحدث إلى رصيف22، عن الساعات الأخيرة قبل صدور قرار إغلاق القناة قائلاً: تم استدعاء كل من رئيس التحرير ونائبة المدير العام للقناة (المدير العام موجود في باريس)، إلى مقر أحد الأجهزة الأمنية لسماع أقوالهما في الحادثة.

وقد مكثا في المقر الأمني، منذ الساعة الثامنة مساءً حتى الساعة الثانية صباحاً، حيث وُجّهت إليهم أسئلة عدة حول ما حدث، وهل كان بث هذه المشاهد الحميمة متعمداً بقصد إثارة ضجة داخل المجتمع وتحقيق الشهرة، أم خطأً فنياً من أحد العاملين؟

يستطرد المسؤول في القناة خلال حديثه معنا قائلاً: نفى المسؤولان في القناة أي نية مسبقة، أو إرادة متعمدة لبث هذه المشاهد، التي اعترفا بأنها لا تتناسب مع طبيعة المجتمع الجزائري المحافظ، ولا مع تعاليم الدين الإسلامي، مؤكدَين أن الحادثة لا تعدو كونها مجرد خطأ وقع من المسؤول عن مراقبة المحتوى.

جمهور أبوي

هذه ليست المرة الأولى التي تنفجر فيها مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر دفاعاً عن "الآداب العامة"، ففي رمضان الماضي، أثيرت ضجة حول مسلسل "حب الملوك"، الذي بثته قناة النهار، وتحديداً بسبب مشهد تضمن إيحاءات جنسيةً بين المدير وسكرتيرته، نجم عنها إيقاف بث المسلسل، مع أوامر بإعادة مراقبته وحذف اللقطات المستفزة للجمهور، وقد تقدمت حينها قناة النهار باعتذار، واعدةً بعدم حدوث خطأ كهذا مجدداً.

الموقف تكرر بصيغة أخرى مع مسلسل "بابور اللوح"، حين ثارت عاصفة عليه في مواقع التواصل متهمةً صنّاعه بعدم احترام مبادئ الدين الإسلامي، لتخرج مديرة القناة حينها وتدافع عن قناتها قائلةً إن ما يُبثّ عبر منصات التواصل الاجتماعي هي مشاهد محذوفة من المسلسل.

نقابة الإعلام تدعم الإغلاق

نقابة الإعلام الجزائري انحازت إلى الجمهور والسلطات الرقابية وأيدت قرار الإغلاق. رياض هويلي، رئيس النقابة، تحدث إلى رصيف22 قائلاً: "ما تعرضت له قناة الأجواء ضرورة ملحة، على قدر الخطأ المهني الفادح، الذي تجاوز كل أخلاقيات المهنة، وأدبيات العمل الصحافي"، وتساءل هويلي عن طبيعة عمل القنوات الجزائري قائلاً: "هل فعلاً هذه قنوات تلفزيونية، تتوفر فيها الشروط اللازمة؟ أم هي مجرد محال خارج كل السياقات؟ فنحن نتحدث عن أخطاء مهنية قاتلة، وعن غياب كادر لتسيير هذه القنوات، وانعدام الأطر التنظيمية والإدارية والهيكلية. نحن في صدد الحديث عن تجربة خارج السياق، تستدعي تطهير الميدان، حتى وإن استدعى ذلك الإغلاق، لحماية خصوصيات المواطن وذوقه وقيم المجتمع.

صرخة من داخل الأجواء

لكن في خضم الهجمة الشرسة على القناة، والتي أدت إلى إغلاقها عقاباً لها على تلك السقطة الإعلامية، ظهرت أصوات تطالب بالتأنّي قبل الذبح.

"قناة الأجواء هي بيتي وعائلتي، وإغلاقها بهذا الشكل التعسفي، يُعدّ تعدياً على حرياتنا وحقوقنا نحن العمال داخل هذه المؤسسة. لا ننكر وجود الخطأ ونعترف به، لكن معاقبة الجميع ظلم في حق عشرات الموظفين، الذين سيحالون على البطالة"؛ هكذا يفتتح إيهاب بضياف، حديثه إلى رصيف22، وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره، ويشغل منصب المدير التقني في قناة الأجواء، منذ 2017، ويواصل حديثه معنا بصعوبة وبنبرة حزينة: "إلى غاية الآن لا أصدّق الخبر. أجواء الفرح تحولت إلى أجواء حزن، والقصة الجميلة التي عشناها بين جدران هذه المؤسسة انتهت في رمشة عين. قناة الأجواء يُحسب لها، أنها الوحيدة التي فتحت أبوابها من دون تردد لكل الصحافيين والتقنيين في بداية مشوارهم، وها هي اليوم تغلق أبوابها مرغمةً، بسبب خطأ فردي ارتكبه شخص واحد سهواً وعن غير قصد. كنا ننتظر عقوبةً أرحم، فجاءت النهاية مأساويةً بالنسبة لنا. حقاً نحن تحت الصدمة، ونطالب السلطات المعنية بإعادة النظر في هذا القرار المجحف في حقنا كعمال".

هيئة تنظيم أم شرطي فوق الرؤوس؟

بينما أشهرت سلطة ضبط السمعي البصري، سيف الحجاج بن يوسف، في وجه قناة الأجواء، معلنةً إغلاقها إثر تجاوز حدود مرسومة مسبقاً، وطابوهات ترسخت في مخيال الجمهور، بحكم العرف والدين والعادات والتقاليد، يرى خبراء في مجال الإعلام، أن ما قامت به القناة، يُعدّ مزيجاً بين السهو والتخاذل وغياب قسم الرقابة، في ما تبثه القنوات من أفلام وبرامج أجنبية، وهذا ما يذهب إليه الصحافي الجزائري أحمد رؤوف حرز الله، كبير مراسلي قناة الشرق الإخبارية، إذ يقول في تصريحات لرصيف22: "ما حدث يفتح باب التساؤل ويدق ناقوس الخطر حول ما يُعرض من محتوى من دون مراقبة، فلا يمكن لأي جهة مهما كانت أن تنشر ما تريد، عبر هذه الأشرطة والأفلام، التي لا نعرف كيف يتم اقتناؤها وبثها من دون احترام حقوق الملكية، وهذا خطأ جسيم، لكنني لا أوافق على الإطلاق، على سلطة الضبط، التي من المفترض أن تكون شريكاً مع هذه المؤسسات، لتمدها بالمزيد من النصح والتوجيهات البناءة، بدل أن تكون شرطياً تنحصر وظيفته في الإغلاق والتنديد والتهديد".

ويواصل حرز الله حديثه منتقداً قرار الإغلاق: "هناك مراحل عديدة تسبق الإغلاق النهائي، وأعتقد أن محاسبة مسؤول القناة ومسؤول الرقابة، هو الحل الأمثل، فليس من العدل أن يطال العقاب جميع الموظفين، من صحافيين وتقنيين وإداريين، على خطأ ارتكبه شخص أو شخصين. زد على ذلك، أن القرار في اعتقادي سيؤثر أكثر على المشهد الإعلامي، الذي شهد في الآونة الأخيرة تراجعاً رهيباً، نتيجة إغلاق العديد من القنوات، وكان من واجب سلطة ضبط السمعي البصري احتواؤها وتوجيهها، للوصول إلى الاحترافية من جهة، والحفاظ على مناصب الشغل للزملاء الإعلاميين والتقنيين من جهة أخرى".

لماذا يثير المواطن الجزائري الجدل ويرفض محتوى ما في قناة جزائرية، لكنه يتعامل بمرونة وبساطة مع المحتوى نفسه لو قُدّم في قنوات عربية أو أجنبية؟

كيل بمكيالين!

في العقد الأخير من الزمن، أغلقت قنوات جزائرية عدة أبوابها، بدايةً من قناة الأطلس والوطن وستاد نيوز وكاي بي سي، وصولاً إلى الجزائرية وان ولينا وغيرها من القنوات الفضائية التي انتهت مغامرتها إما بسبب الضائقة المالية، أو بقرار سياسي، أو بحصار مادي، أو بسبب مخالفات إدارية لا تتوافق مع القانون الجزائري.

لكن الأجواء هي القناة الأولى، التي تم إغلاقها بقرار من سلطة الضبط، على خلفية بث محتوى "خادش للحياء"، مثلما وصفته، بينما أفلتت قنوات أخرى من المقصلة، بالرغم من وقوعها في الخطأ نفسه، وهو ما يلفت انتباه بعض المتابعين، الذين تساءلوا: هل يُطبَّق القانون على الجميع؟ أم هنالك انتقاء واختيار؟

ليس بعيداً عن هذه التساؤلات، ترى الصحافية ضاوية خليفة، أن هناك مبالغةً في التعامل مع الحادثة، بالرغم من تحميل القناة المسؤولية الكاملة لسقطتها، مضيفةً في تصريح لرصيف22: "الإغلاق النهائي وإحالة العاملين على البطالة، قرار قاسٍ نوعاً ما، فهناك بعض القنوات التلفزيونية العمومية والخاصة، سبق أن وقعت سهواً في حوادث مماثلة، وسُجّلت عليها بعض التجاوزات من قبل المشاهدين -على الأقل- ولكنها أفلتت من قبضة سلطة الضبط، ولم يُتخذ ضدها أي إجراء ولم يُدركها أي تحفظ".

وتحوّل ضاوية خليفة، بوصلة الكلام إلى الجمهور منتقدةً تضخيمه الحادثة: "يقال إن المجتمع الجزائري محافظ، ورافض لحدوث هذه التجاوزات في إعلامه، ومستعد لإثارة الجدل طويلاً في الواقع والمواقع، تجاه أي محتوى كالذي بثته قناة الأجواء وقبلها قنوات أخرى. طبعاً له الحق في ذلك، كما له كل الصلاحيات في تغيير القناة، والبحث عن محتوى يليق بذوقه ويلبّي متطلباته، ولكن حادثة الأجواء أو ما أسمته سلطة الضبط بـ‘الفعل المخلّ بالحياء’، دفعتني لأتساءل عن سبب إثارة الفرد الجزائري للجدل، ورفضه هذا المحتوى في قناة جزائرية، وتعامله مع الموضوع نفسه بحدة أقل، في قنوات عربية أو فضائيات أجنبية بالرغم من الجدل الكبير الذي تثيره مثلاً بعض الأفلام والبرامج والمسلسلات العربية، خاصةً خلال الشهر الفضيل".

وتختم ضاوية خليفة حديثها بالإشارة إلى أن سلوك المشاهد الجزائري، يعكس رغبته وثقته بإعلام بلده، لتقديم محتوى يحترم خصوصيات الأسرة الجزائرية، التي لا تزال إلى يومنا هذا، تحنّ وترغب في مشاهدة التلفاز جماعياً.

طبيعة الإعلام في الجزائر وتركيبته

تكشف مثل هذه المواقف خللاً موجوداً في طبيعة الإعلام في الجزائر وتركيبته، سيما القطاع الخاص السمعي البصري، الذي نشأ بدءاً من 2010، في ظروف متسارعة وغير صحية لا تخضع للضوابط، فتحت الأبواب على مصراعيها أمام أناس لا علاقة لهم بالقطاع، تسببوا في تشويهه.

من جهة أخرى، فإن المشهد الإعلامي يزداد تعقيداً، عند كل قرار تتخذه سلطة ضبط السمعي البصري، ما يدفع أهل المهنة للتساؤل عن ماهية دورها، وهل هي هيئة ضابطة ترافق الإعلام وتحميه، أم هي سيف الحجاج لحصد الرؤوس، وهو ما يشي به اسمها؟ فالسلطة الرابعة لا تحتاج إلى سلطة فوقها، تلجم فمها وتكبح حرياتها، بل هي في أمس الحاجة إلى مجلس أعلى لأخلاقيات المهنة، يتكون من صحافيين على دراية كافية بواقع الإعلام في الجزائر، بدلاً من أداة قمع تُعدّ جزءاً من المشكلات التي يتخبط فيها القطاع، عوض أن تكون طرفاً في حلّها.

وتُعلَّق آمال نقابة ناشري الإعلام على قانون الإعلام الجديد الذي سيرى النور قريباً، ويتمنى مهنيو القطاع أن يستجيب لتطلعاتهم ومطالبهم، في تأسيس إعلام موضوعي ونزيه وهادف، وفق المعايير المعمول بها دولياً، فالتحدي هو القيام بإصلاحات عميقة وملموسة وجريئة تُرجع المهنة المختطفة إلى أصحابها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard